عربي ودولي

«عملية المنبوذ الاقتصادي».. هل تتخلى أمريكا عن السلاح وتكتفي بالعقوبات في حربها ضد إيران؟

فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء، عقوبات على عناصر إضافية من صناعة الطيران الإيرانية، مستهدفةً أكثر من 24 شركة طيران تجارية وخاصة، بالإضافة إلى شركات أجنبية لخدمات الشحن، وذلك في إطار مسعاها الجديد لعزل طهران عن شركائها التجاريين المتبقين.

وفرضت الولايات المتحدة، خلال الأسابيع الأخيرة، عقوبات على مؤسسات مصرفية في دول أخرى، متهمةً إياها بتمكين إيران ومساعدتها.

واتخذت واشنطن إجراءً لعزل فروع «بنك مصر» الموجودة في الإمارات عن النظام المالي القائم على الدولار، كما فرضت عقوبات على بنك «جولدن جلوبال» الاستثماري التركي وشركتين تابعتين له، متهمةً إياه بتسهيل تحويل عائدات نفطية من الصين إلى إيران.

وقد رفض «جولدن جلوبال» هذه المزاعم، واصفًا إياها بأنها «لا أساس لها من الصحة إطلاقًا وتفتقر إلى الاتساق».

وتعد هذه العقوبات مهمة؛ إذ تمثل المرة الأولى التي يستهدف فيها بنك تابع لدولة حليفة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بموجب هذه الحملة الاقتصادية.

لماذا قطاع الطيران الإيراني؟

تأتي عقوبات الطيران كجزء مهم من مبادرة إدارة ترامب التي أطلقت عليها اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، والتي وصفها البيت الأبيض بأنها حملة غير مسبوقة لقطع كل شريان حياة اقتصادي متبقٍ يدعم الحكومة الإيرانية.

وتستهدف العقوبات الجديدة الجوانب المتبقية من قطاع الطيران الإيراني المتعثر أصلًا، والذي تفرض عليه واشنطن عقوبات منذ سنوات، وذلك في ظل تعثر المفاوضات وتجدد الأعمال العدائية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ويهدف الضغط الاقتصادي إلى دفع طهران نحو إبرام اتفاق ينهي الصراع.

وفرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على 27 شركة طيران إيرانية، مثل «إيران آسمان»، و«إيران إيرتور»، و«كيش إير»، و«قشم إير»، و«تابان»، و«سيبهران»، و«فاريش»، و«زاغروس»، و«كارون»، و«تشابهار»، و«فلاي بيرشيا»، وأدرجها ضمن قائمة «الرعايا المعينين خصيصًا» (SDN)، متهمًا إياها بـ«دعم أنشطة النظام الإيراني المزعزعة للاستقرار لفترة طويلة».

وركزت هذه الإجراءات الشاملة بشكل كبير على شل حركة شركة «ماهان إير» (Mahan Air) وإيقاف عملياتها.

وكانت الشركة قد خضعت لعقوبات أمريكية لأول مرة في عام 2011، كما تخضع لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، ولطالما واجهت «ماهان إير» اتهامات بنقل أفراد ومعدات وأموال لصالح الحرس الثوري الإيراني.

وقال وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، إن هذه الإجراءات تأتي استكمالًا للخطوات التي اتخذها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في شهري أبريل ويوليو، والتي استهدفت أشخاصًا يقدمون خدمات لرحلات ماهان إير الداخلية والدولية.

أين تقع مقرات الشركات التي تستهدفها العقوبات الأمريكية؟

تستهدف عقوبات الطيران شركات تتخذ من كازاخستان وماليزيا وتركيا والإمارات مقرًا لها، واتهمت وزارة الخزانة الأمريكية إيران باستخدام شركات واجهة وكيانات وسيطة أخرى في دول ثالثة لمحاولة إخفاء روابط الطيران التي تعود إلى طهران، ووسعت نطاق العقوبات ليشمل تسعة كيانات دولية تزعم أنها ساعدت في هذه الجهود.

كما فرضت تدابير على كيانين تجاريين وشخص واحد يتخذون من الإمارات مقرًا لهم، بالإضافة إلى شركة مقرها تركيا وأخرى مقرها المملكة المتحدة.

وشملت العقوبات أيضًا أربع شركات لخدمات الشحن ووكلاء مبيعات عامة، بتهمة تقديم خدمات لشركة «ماهان إير» وتنسيق عمليات الشحن نيابةً عنها، وتتوزع مقرات هذه الشركات بين تركيا، حيث توجد شركتان، وكازاخستان وماليزيا.

ماذا يعني استهداف قطاع الطيران؟

يمكن تصنيف الإجراءات التي أعلن عنها يوم الثلاثاء بأنها المحاولة الأمريكية الأكثر شمولًا لوقف قطاع الطيران المدني في البلاد تمامًا، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى فرض حصار جوي مدمر على طهران.

ودأبت وزارة الخزانة الأمريكية على استهداف الشبكات العالمية التي تدعم «ماهان إير»، ففي شهر يوليو، صنفت الوزارة ستة كيانات وأفرادًا في كل من الصين والهند وروسيا وإيران، من بينهم عدة شركات تعمل كوكلاء مبيعات لشركة الطيران.

وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات لأول مرة على «ماهان إير» في عام 2011 بسبب الدعم الذي قدمته للحرس الثوري الإيراني، وفي عام 2020، فرضت واشنطن عقوبات على شركة مقرها الصين، اتهمتها بالعمل نيابةً عن «ماهان إير».

كما أن اعتماد إيران على كيانات أجنبية لصيانة أسطولها المتقادم يعني أن التدابير التي تستهدف شركات خارج إيران ستلحق، على الأرجح، ضررًا بقدرات طهران في مجال الطيران، إذ ستؤدي إلى تقييد قدرتها على الاعتماد على تلك المراكز الإقليمية، وقد تدفع شركات الطيران الدولية إلى تقليص خدماتها المرتبطة بإيران أو تعليقها بشكل أكبر.

كما تحذر الولايات المتحدة المتعاملين تجاريًا مع إيران، في ظل مساعيها لعزل طهران عن الاقتصاد العالمي، وتعهدت وزارة الخزانة الأمريكية بعزل أي كيان دولي يواصل دعم شركة «ماهان إير».

وقال بيسنت: «ليكن هذا تحذيرًا لأي شخص يتعامل تجاريًا مع شركات الطيران الإيرانية المتبقية، والتي فرضنا عقوبات عليها جميعًا؛ أنتم معرضون لخطر الفصل عن النظام المالي العالمي».

وفي الأسابيع الأخيرة، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مؤسسات مصرفية في دول أخرى، متهمةً إياها بتمكين إيران ومساعدتها.

العقوبات كاختبار لإدارة الرئيس ترامب

ستشكل الطريقة التي ستتعامل بها الشركات في الدول التي قررت إدارة الرئيس ترامب فرض عقوبات عليها اختبارًا مهمًا للإدارة الأمريكية، فعلى الرغم من الحملة الصارمة ضد الكيانات الدولية التي تدعم الاقتصاد الإيراني، أبدت بعض الشركات استعدادًا لمواصلة التعامل التجاري مع طهران.

وتعمل الكثير من الشركات الصغيرة بطرق أقل رسمية، وستميل إلى استكمال علاقاتها التجارية والمصرفية مع طهران، ما سيتطلب قدرًا كبيرًا من الضغط الدبلوماسي لفرض حصار شامل من هذا النوع على إيران.

رد الفعل الإيراني على العقوبات في قطاع الطيران

اعتبر سفير إيران لدى الأمم المتحدة، غلام حسين دارزي، يوم الأربعاء، أن عقوبات واشنطن ترقى إلى مستوى «الإرهاب الاقتصادي» و«العقاب الجماعي»، وفقًا لما نقلته وكالة أنباء مهر الإيرانية.

وقلل وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، من فعالية حملة «يوم الإنزال الاقتصادي» (D-Day)، وانتقد عراقجي، في منشور على منصة «إكس»، حملة العقوبات الأمريكية المستمرة منذ فترة طويلة ضد إيران، مشيرًا إلى أن تداعياتها كانت «كارثية» على الولايات المتحدة، بما في ذلك مكانتها على مستوى العالم.

كيف ستؤثر حملة الضغط الاقتصادي على إيران؟

ستزيد التدابير المتعلقة بقطاع الطيران وحدها من صعوبة نقل المعدات اللازمة لاستمرار عمليات شركة «ماهان إير»، كما ستساهم في تعزيز العزلة الإقليمية.

علاوة على ذلك، بدأت إيران بالفعل تشعر بتبعات الصراع والحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئها في مضيق هرمز.

وشهد الريال الإيراني انهيارًا في قيمته، مسجلًا، في 10 سبتمبر، أدنى مستوى له على الإطلاق في السوق المفتوحة عند 2.34 مليون ريال مقابل الدولار.

كما ارتفعت معدلات التضخم بشكل ملحوظ، وتشير التقارير إلى أن المجتمعات الريفية والأسر ذات الدخل المحدود هي التي تتحمل العبء الأكبر، ووفقًا لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، فقدت البلاد نحو 630 ألف وظيفة في قطاع التصنيع خلال الربع الأول من عام 2026.

ويمثل التوسع الكبير في الحرب الاقتصادية على طهران الخطوة الأحدث في سلسلة الصراع، التي تستهدف حركة السفر المدني والتجارة وسلاسل التوريد وقدرة طهران على الحفاظ على اقتصادها المنهك.

زر الذهاب إلى الأعلى