تحديث الرئيسيةملفات

«الدار والطبق الدوار».. كيف تحوّل الجار من سند إلى عابر سبيل؟

حين كان الشارع غرفة معيشة والباب المفتوح عنوانًا للأمان.. حكاية جيرة مصرية تغيّرت ملامحها

حين نتأمل شريط الذاكرة، ندرك حجم التحول الذي طرأ على ملامح الحياة الاجتماعية في مصر، بعدما تراجعت، لدى كثيرين، الروابط الإنسانية الوثيقة التي جمعت الجيران قديمًا، لتتحول بعض مظاهرها إلى ذكريات تستدعي الحنين.

فالجيرة في الماضي لم تكن مجرد تقارب جغرافي بين مجموعة من السكان، بل كانت نسيجًا متكاملًا من التكافل والأمان والمشاركة، وكانت البيوت المفتوحة، وأطباق الطعام المتبادلة، والثقة بين السكان، تصنع دفئًا اجتماعيًا جعل الشارع امتدادًا طبيعيًا للمنزل.

ومع تسارع وتيرة الحياة وتغير أنماط السكن والعمل، إلى جانب اتساع دائرة الاعتماد على التكنولوجيا وازدياد الحرص على الخصوصية، تغير شكل العلاقات بين الجيران، وأصبح البعض يعيش خلف أبواب مغلقة، فيما اقتصرت العلاقة أحيانًا على تحية عابرة أو معرفة سطحية، حتى بات الجار في بعض الحالات غريبًا عن جاره رغم اشتراكهما في العقار نفسه.

«الجار قبل الدار».. دستور حياة

وبابتسامة يكسوها الحنين إلى الماضي، يقول الحاج حسن حافظ، موظف بالمعاش: «عندي 72 سنة، شفت فيهم إزاي الدنيا بتتغير من حال لحال، ولما أرجع بذاكرتي لورا، بحس إننا كنا عايشين في كوكب تاني غير الكوكب اللي بنلف فيه دلوقتي».

ويضيف حافظ، أن الجار قديمًا لم يكن مجرد شخص يسكن في الشقة المقابلة، بل كان «حتة من العيلة»، على حد تعبيره.

ويقول: «الجار قبل الدار ما كانتش مجرد جملة بنقولها في الأمثال، دي كانت دستور حياة ماشيين عليه».

ويستعيد الحاج حسن صورة الشارع قديمًا، قائلًا إن الشارع كان امتدادًا طبيعيًا للبيوت، وكانت الأبواب تُفتح دون خوف، وكان الناس يشعرون ببعضهم من مجرد نظرة أو ملامح الوجه، دون الحاجة إلى كثير من الكلام.

أطباق الطعام.. لغة للحب والمشاركة

ويتذكر «حافظ» إحدى لحظات السعادة التي عاشها في طفولته، قائلًا: «الواحد لسه لحد دلوقتي حاسس بريحة الطبيخ اللي كانت بتلف الدور كله وقت الغداء، أمي الله يرحمها كانت تقول لي: اطلع يا حسن، ادي الطبق ده لأم أحمد جارتنا، عشان عارفة إنها بتحب الأكلة دي، وكانت سلة الأكل رايحة جاية بين البيوت من غير حساب ولا تكلف».

ويضيف: «أكل زمان ما كانش لسد الجوع بس، ده كان لغة حب ومشاركة، طبق اللحمة في العيد أو طبق الكحك كان بيلف على الشارع كله، وكل بيت كان بيطمن على التاني باللقمة الدافية، ودي حاجات راحت وانتهت خلاص».

لم تكن قيمة الجيرة تظهر في المناسبات السعيدة فقط، وإنما كانت تتجلى بصورة أكبر في أوقات الشدة، بحسب «حافظ»: «لو حد من أهل البيت تعب في وقت متأخر، تلاقي الجيران هي اللي جارية على المستشفى قبل الأهل، ولو حصلت مصيبة أو وفاة، الشارع كله كان بيقفل ويبقى سرادق عزاء واحد».

ويتابع: «ما كانش فيه حد بيموت من الوحدة، ولا حد بيشيل هم فرحه لوحده؛ لأن هموم البيت الواحد كانت متوزعة على كل حتة في العمارة»، أما اليوم، فيرى «حافظ»، أن الوضع تغير بصورة كبيرة، قائلًا إن هناك أشخاصًا يسكنون في العمارة نفسها لسنوات دون أن يعرف بعضهم أسماء بعض.

ويضيف: «إن اتقابلوا على السلم، السلام بيكون بالعين، وكأننا غرب من بلد تانية»، ويربط «حافظ» هذا التغير بسرعة الحياة، والانشغال بالعمل والمال، إلى جانب تأثير التكنولوجيا، معتبرًا أن هذه العوامل دفعت كثيرين إلى الانغلاق على أنفسهم، والابتعاد عن «لمة زمان» ودفئها.

«أمينة»: «الجار زمان كان عزوة»

ومن حيث انتهى الحاج حسن، تبدأ الحاجة «أمينة»، ربة منزل وأم وجدة تبلغ من العمر 65 عامًا، حكايتها عن الجيرة في الماضي.

وتقول «أمينة»، التي تقيم في حي عين شمس: «عندي 65 سنة قضيتهم بحلوهم ومرهم في الشارع، وشفت بعيني إزاي الدنيا اتبدلت والحال اتغير، زمان لما كنت أقف في البلكونة الصبح وأنشر الغسيل، كانت الدنيا تضحك لي، وكلمة يا ست أمينة من جارتي وهي ماشية كانت بتديني طاقة تخلي النهار كله خير».

وتضيف: «الجار زمان ما كانش غريب بنعدي من جنبه من غير ما نبص، ده كان عزوة، والبيوت كانت مبنية على المحبة والنقاء، مش على الحسابات والحيطان».

«أمينة»: «الأكل زمان كان له بركة وطعم تاني»

وتستعيد «أمينة» ذكريات تبادل الطعام بين الجيران، قائلة: «زمان كنت تشم ريحة الخير طالعة من البيوت، ووقت الغداء ده كان حكاية تانية خالص، كانت أطباق الطعام رايحة جاية بين الشقق، مش علشان الناس جعانة، لا والله، ده عشان طشة الملوخية أو صينية البطاطس ما ينفعش تتاكل لوحدها وفيه جار شامم الريحة».

وتضحك وهي تتذكر: «كنت لما أعمل أكلة حلوة وليها ريحة تملى العمارة، أقول لواحد من ولادي: خد الطبق ده لخالتو اللي في الدور التاني، ويرجع الطبق مليان عيش ناشف من إيدها الحلوة».

وترى «أمينة»، أن الطعام لم يكن مجرد مشاركة في الماضي، وإنما كان وسيلة للتقارب والمحبة بين الجيران، مضيفة: «الأكل زمان كان ليه بركة وطعم تاني؛ عشان كان مخلوط بحب الجيرة وصافي اللمة اللي ما عادش ليها وجود دلوقتي».

وقت الشدة.. الجارة قبل الطبيب

لا تقتصر ذكريات «أمينة» على تبادل الطعام والمناسبات، إذ تستحضر مواقف كانت فيها الجيرة سندًا حقيقيًا وقت المرض والأزمات، مضيفة: «زمان لما كنت أتعب فجأة، ما كنتش بستنى زوجي يرجع من الشغل، كانت جارتي تهلع وتجري بيا على الدكتور وتسيب بيتها».

«وفي الحزن أو الفرح، كنت تلاقي ستات الشارع كلها لابسين عباياتهم وقايمين بالواجب، كأنهم ولاد بطن واحدة»، أما عن الوقت الحالي، فتتحدث «أمينة» بنبرة يغلب عليها الحزن، قائلة: «الواحد بيطلع ولا بينزل على سلم العمارة كأنه ماشي في مدفن، يخبط في جاره وما يعرفش حتى اسمه ولا هو مين. التكنولوجيا والغرور وجري الناس ورا المظاهر خلوا كل واحد مقفل على نفسه ببيبان حديد».

تحولات اجتماعية واقتصادية أعادت تشكيل علاقة الجيران

ولتحليل التغير النفسي والاجتماعي الذي طرأ على علاقة الجيران بين الماضي والحاضر، تقول الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، إن هذا التغير يرتبط بمجموعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أعادت تشكيل طريقة تفاعل الأفراد مع بعضهم البعض.

وتوضح «خضر»، أن الجيرة في الماضي لم تكن مجرد علاقة مكانية تجمع أشخاصًا يسكنون في عقار أو شارع واحد، وإنما كانت شبكة من العلاقات الإنسانية القائمة على المعرفة المتبادلة والمساندة والمشاركة في المناسبات.

وتضيف أن الجيران كانوا يعرفون تفاصيل الحياة اليومية لبعضهم البعض، ويتبادلون الزيارات والتهاني والتعازي، ويشعرون بأن المشكلة التي تواجه أحدهم تمس بقية سكان المنطقة، وهو ما أسهم في خلق قدر أكبر من الترابط الاجتماعي.

«خضر»: الأعباء الاقتصادية وضغوط الحياة قلّصت وقت التواصل

وترى أستاذة علم الاجتماع، أن ضغوط الحياة المعاصرة أسهمت في إضعاف هذا النمط من العلاقات، خاصة مع زيادة ساعات العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الوقت المتاح للزيارات والتواصل الاجتماعي.

وتشير إلى أن الأسرة أصبحت أكثر انشغالًا بتدبير احتياجاتها اليومية ومواجهة الأعباء الاقتصادية، بينما تراجع حضور المناسبات التي كانت تجمع الجيران بصورة مستمرة.

كما تلفت إلى أن التطور العمراني، وانتشار العمارات السكنية الكبيرة والمجمعات المغلقة في بعض المناطق، أوجد أنماطًا من السكن لا تتيح بالضرورة فرصًا كافية للتعارف، وهو ما قد يقلل فرص بناء الثقة والمساندة المتبادلة بين السكان.

التكنولوجيا.. وسيلة للتواصل أم بديل عن اللقاء؟

تؤكد «خضر»، أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير مزدوج على العلاقات بين الجيران؛ فمن ناحية، أتاحت مجموعات التواصل السريع تبادل الأخبار والتنبيه إلى المشكلات وتنظيم بعض المبادرات الخدمية، لكنها من ناحية أخرى دفعت بعض الأشخاص إلى الاكتفاء بالتواصل الافتراضي بدلًا من اللقاء المباشر.

وتوضح أن انتشار النزعة الفردية، والحرص المتزايد على الخصوصية، والخوف من التدخل في شؤون الآخرين، كلها عوامل جعلت بعض الأشخاص يتعاملون مع الجيرة باعتبارها علاقة محدودة بالمساحة السكنية، وليست رابطة اجتماعية تستوجب المشاركة.

استعادة روح الجيرة لا تعني العودة الحرفية إلى الماضي

تشدد أستاذة علم الاجتماع على أن استعادة العلاقات الطيبة بين الجيران لا تعني العودة الحرفية إلى الماضي، وإنما الاستفادة من القيم الإيجابية التي ميزت تلك المرحلة، وفي مقدمتها الاحترام والتكافل والاهتمام بالآخرين.

وتضيف أن بناء علاقة صحية بين الجيران يمكن أن يبدأ بمبادرات بسيطة، مثل التعارف وتبادل التحية، والوقوف إلى جانب كبار السن والأسر التي تحتاج إلى مساعدة، والمشاركة في حل المشكلات المشتركة، دون فرض الوصاية على أحد أو التدخل في خصوصيات الآخرين.

وتؤكد «خضر»، أن العمارة أو الشارع الذي تسوده الثقة والتعاون يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأن إعادة بناء هذه الروابط لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم، وإنما تحتاج أيضًا إلى تشجيع الأنشطة المجتمعية وتوفير المساحات التي تسمح بالتواصل الطبيعي بين السكان.

فالجيرة، في النهاية، ليست مجرد عنوان يجمع مجموعة من الأشخاص تحت سقف واحد، وإنما علاقة إنسانية يمكن أن تبدأ بتحية على السلم، أو طبق طعام يعبر من باب إلى آخر، أو سؤال بسيط عن جار غاب عن الأنظار.

وبين «الجار قبل الدار» و«الجار الذي لا نعرف اسمه»، تبدو المسافة التي قطعتها الحياة الاجتماعية المصرية طويلة؛ إلا أن بعض تفاصيل الماضي ربما لا تحتاج إلى العودة كما كانت، بقدر ما تحتاج إلى استعادة معناها: أن يكون للإنسان، إلى جوار بيته، جيران يعرفهم ويعرفونه، ويجد بينهم عند الحاجة يدًا تمتد إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى