غياب لافت.. أين الانتخابات الداخلية في حزب مستقبل وطن؟
عمرو هاشم ربيع: حزب الأكثرية يُفترض أن يكون قدوة في الديمقراطية الداخلية.. والواقع عكس ذلك
يبرز حزب مستقبل وطن في المشهد الحزبي والنيابي، كأحد أبرز قوى الموالاة السياسية التي تمتلك الأكثرية البرلمانية في دورات متتالية منذ تأسيسه عام 2014، غير أن هذا النجاح الانتخابي الخارجي يقابله غياب لافت للانتخابات الداخلية.
يثير ذلك تساؤلات حول طبيعة الممارسة الديمقراطية الحزبية داخل أكبر الأحزاب تمثيلاً في مجلسي النواب والشيوخ، في ظل تكرار اصدار التشكيلات الحزبية بقرارات مركزية، لا عبر صناديق اقتراع داخلية، بينما تعج الساحة السياسية بضجيج انتخابات بعض الأحزاب الأخرى، وتتكرر التوجيهات الرئاسية بتنشيط الحياة الحزبية والسياسية.
ويدافع مؤيدو الحزب عن هذا المسار بأن الاستقرار القيادي يخدم الأولويات الوطنية، ويسمح للحزب بالتركيز على دعم السياسات الحكومية والمبادرات الرئاسية دون انشغال بالصراعات الداخلية.
وفي 2 سبتمبر الجاري، عقدت أمانة العضوية المركزية، بحزب مستقبل وطن، برئاسة النائب زين الإطناوي، أمين العضوية المركزي، اجتماعاً دورياً، أكد فيه النائب أن التشكيلات الجديدة تفرض العمل الجاد وبذل مزيد من الجهود، منوها أن الحزب يتمتع باستقرار تنظيمي على كافة مستوياته سواء في الأمانة المركزية والمحافظات مروراً بالمراكز والأقسام والقرى والوحدات الحزبية، مستعرضاً الهيكل التنظيمي لأمانة العضوية المركزية وبالمحافظات.
نائب سابق بحزب مستقبل وطن لـ”ليبرالي”، : “نعم لا يوجد انتخابات مثل الأحزاب الأخرى والتشكيلات تصدر بطريقة فوقية، ولكن هذا هو النظام في الحزب وهناك تقبل له، ولا يوجد أحد يعترض على ذلك ومحاولة السؤال نفسها عن الانتخابات الداخلية في الحزب أمر مستغرب”
قوة استحقاقات انتخابية
وبرز حزب مستقبل وطن، منذ تأسيسه كقوة استحقاقات انتخابية، ففي في انتخابات مجلس النواب 2015 حصل على نحو 53 مقعداً، ثم قفز إلى 316 مقعداً في 2020، وحافظ على الصدارة في 2025 بنحو 231 مقعداً، إلى جانب نتائج قوية في مجلس الشيوخ.
لكن على الصعيد الداخلي، يبدو للمراقبين، أن آليات اختيار القيادات تعتمد بشكل أساسي على قرارات الإدارة العليا والتعيينات، لا على انتخابات دورية مفتوحة أمام الأعضاء، وهو ما يختلف عن ممارسات بعض الأحزاب الأخرى التي تجري انتخابات داخلية دورية لاختيار الرؤساء والأمانات.
وتشير المصادر المتاحة وفق البحث إلى أن آخر مؤتمر عام شمل انتخابات داخلية لانتخاب رئيس الحزب والقيادات جرى التخطيط له في سبتمبر 2017، غير أن التقارير اللاحقة لا تشير إلى تكرار مثل هذه الانتخابات على نطاق واسع في السنوات التالية.
في مارس 2020، تولى المستشار عبد الوهاب عبد الرازق، الرئيس الأسبق للمحكمة الدستورية العليا، رئاسة الحزب خلفاً لأشرف رشاد، عبر قرارات تنظيمية دون الإشارة إلى عملية انتخابية تنافسية. واستمر عبد الرازق في المنصب حتى اليوم، مع إعادة تشكيل الأمانة المركزية والهيئة العليا في مناسبات متفرقة، أبرزها في سبتمبر 2024 ومارس ومايو 2026، حيث صدرت قرارات بتعيين نواب للرئيس وأمناء مساعدين وأمناء نوعيين، وبات النائب أحمد عبد الجواد نائباً للرئيس وأميناً عاماً، فيما خرج أشرف رشاد من الصورة.
هذه الآلية، القائمة على التعيين والموافقة من أعلى، تتوافق مع النظام السائد في الحزب. يقول نائب سابق بحزب مستقبل وطن لـ”ليبرالي”، طلب عدم نشر اسمه : “نعم لا يوجد انتخابات مثل الأحزاب الأخرى والتشكيلات تصدر بطريقة فوقية، ولكن هذا هو النظام السائد في الحزب وهناك تقبل له، ولا أحد يعترض على ذلك”، مضيفًا أن محاولة السؤال نفسها عن الانتخابات الداخلية في الحزب أمر مستغرب، وفق قوله.
أمين عضوية “مستقبل وطن” يؤكد: الحزب يتمتع باستقرار تنظيمي على كافة مستوياته سواء في الأمانة المركزية والمحافظات
“مستقبل وطن”.. القرارات فوقية
ويضم حزب مستقبل وطن يضم آلاف الوحدات الحزبية في المراكز والقرى، ويعلن باستمرار عن ضخ دماء جديدة عبر التشكيلات التنظيمية في المحافظات. إلا أن أغلب هذه التشكيلات وفق تصدر بقرارات مركزية لا بانتخابات.
ويشهد الحزب مؤخراً حركة تغييرات وتنظيمات داخلية واسعة يقودها الأمين العام ونائب رئيس الحزب، النائب أحمد عبد الجواد، بدلاً من إجراء انتخابات عامة مفتوحة لهذه الهياكل الحزبية.
هذا المسار ينتقده البعض مؤكدين أن غياب الانتخابات الداخلية يطرح أسئلة حول مدى مشاركة القواعد الحزبية في صنع القرار، ويجعل الحزب هيكل شكلي فقط.
ربيع: إضعاف للحياة السياسية
من جانبه، يرى الدكتور عمرو هاشم ربيع، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبير البارز في شئون الأحزاب والبرلمان، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي”، أن حزب “مستقبل وطن” يُفترض به أن يكون الحزب القدوة والنموذج في الالتزام بالديمقراطية الداخلية لكونه يحوز الأغلبية البرلمانية ، إلا أن الواقع يظهر عكس ذلك.

ولفت الانتباه إلى أن اللائحة الداخلية للحزب، والتي تم تعديلها عام 2019، تنص على أن رئاسة الحزب تكون بالانتخاب عبر المؤتمر العام لمدة أربع سنوات تجدد لمرتين كحد أقصى، بيد أنه لم تُجرَ أي انتخابات تنافسية فعلية، موضحًا أن قرارات التجديد والتعيينات التنفيذية داخل الحزب أصبحت تُمرَّر عبر بيانات تنظيمية وتعيينات مركزية تحل محل إرادة القواعد الحزبية ودون تدوير حقيقي للسلطة؛ حيث صدرت قرارات وتشكيلات تشمل عشرات المواقع القيادية صُدّرَت من قبل قيادات الحزب نفسها.
وأوضح الدكتور عمرو هاشم ربيع أنه في الوقت الذي شهدت فيه الساحة السياسية مؤخراً حراكاً وانتخابات داخلية في عدة أحزاب مثل “العدل”، و”المحافظين”، و”المصري الديمقراطي الاجتماعي”، و”الوفد”، مما أضفى نوعاً من الزخم وأعطى انطباعاً إيجابياً للرأي العام حول نشاط الحركة الحزبية، فإن هناك أحزاباً أخرى تعاني من ركود شديد وتراجع في الممارسات الديمقراطية.
وانتقد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية غياب الديمقراطية والانتخابات الداخلية داخل عدد من الأحزاب السياسية المصرية، وفي مقدمتها أحزاب التي تستحوذ على الأغلبية البرلمانية، مشيراً إلى أن تشكيلات هذه الأحزاب باتت تصدر عبر قرارات مركزية فوقية بدلاً من الاقتراع المباشر والتداول التنافسي.
وشدد ربيع على أن غياب آلية الانتخابات من القاعدة إلى القمة يفقد الأحزاب فاعليتها، ما يستوجب التشديد على أهمية ترسيخ الشفافية والتداول الديمقراطي للقيادة لضمان تطوير الحياة الحزبية والسياسية في مصر.
طلعت خليل: أحزاب شكلية

بدوره، انتقد النائب السابق طلعت خليل، عضو المجلس الرئاسي بحزب المحافظين، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي” غياب الانتخابات الداخلية في حزب مستقبل وطن، مشيراً إلى أن كثيراً مما يُطلق عليها أحزاب أغلبية هي في حقيقتها “مجرد هياكل تنظيمية شكليّة” أقرب في أدائها للجهاز التنفيذي، ولا تُمارس العمل السياسي بالشكل المأمول.
وأضاف عضو المجلس الرئاسي بحزب المحافظين أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في إجراء الانتخابات الداخلية من عدمها أو بنود اللوائح، بل في غياب المفهوم الحقيقي للحزب السياسي القادر على التعبير عن الشارع والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وشدد على أن النهوض بالأوضاع في مصر مرتهن بممارسة سياسية حقيقية تضطلع بها أحزاب فعالة، معرباً عن تطلعه لوجود “أحزاب أغلبية” تنخرط فيها مختلف فئات الشعب المصري وتعمل وفق الأطر السياسية المتعارف عليها.



