251 مفتشًا لـ 3.79 مليون منشأة.. حماية العمال في اختبار «العجز العددي»
القرار 249 لسنة 2026.. أمان قانوني على الورق أم حماية حقيقية لأرواح 30 مليون عامل؟
لا يختلف اثنان على أهمية القرار الصادر من وزير العمل، بشأن تعزيز منظومة السلامة والصحة المهنية داخل المنشآت ذات الكثافة العمالية، فالنصوص تفرض واقعاً وقائياً متكاملاً لحماية العنصر البشري، إلا أن الفجوة المعتادة بين التكليف التنظيمي والتطبيق الميداني تظل هي المهدد الأكبر لفاعلية مثل هذه القرارات، فهل تمتلك الجهات التنفيذية الأدوات الكافية لإجبار المنشآت غير الملتزمة، أم سيبقى القرار مجرد حبر على ورق؟.
وأصدر وزير العمل، حسن رداد، القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026، بشأن تحديد المنشآت وفروعها الملزمة بإنشاء أجهزة وظيفية للسلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل واللجان المختصة، وذلك تنفيذًا لأحكام قانون العمل رقم 14 لسنة 2025.
واستهدف القرار، وفقًا لـ«رداد»، وضع إطار تنظيمي لتوفير كوادر متخصصة داخل المنشآت، بما يتناسب مع طبيعة أنشطتها ومستويات الخطورة بها، وتحديد مسؤوليات أصحاب الأعمال في إنشاء أجهزة السلامة والصحة المهنية وتوفير الإمكانات اللازمة لقيامها بدورها في حماية العاملين من مخاطر بيئة العمل.

تنظيم المهنة والارتقاء بمستويات التأهيل والتخصص
وأكد الوزير، أن تنفيذ القرار لن يترتب عليه الإضرار بالعاملين الحاليين أو إقصاء أصحاب الخبرات أو المؤهلات العلمية التي سبق الاعتراف بها، مشددًا على أن الهدف هو تنظيم المهنة والارتقاء بمستويات التأهيل والتخصص، مع الحفاظ على الحقوق والمراكز القانونية المكتسبة للعاملين، وتحقيق التوازن بين متطلبات تطوير المنظومة واستقرار سوق العمل.
وأوضح الوزير، أن مراعاة المؤهلات تشمل خريجي تخصصات الطب البشري والطب البيطري والصيدلة والهندسة والعلوم والبيئة وإدارة المخلفات والتخصصات ذات الصلة، إلى جانب الحاصلين على مؤهلات جامعية أخرى ممن استكملوا تأهيلهم بدبلومات دراسات عليا متخصصة في السلامة والصحة المهنية، أو اكتسبوا خبرات عملية ممتدة وحصلوا على شهادات معتمدة تجيز لهم العمل في المجال، وفقًا للضوابط المحددة لكل مستوى مهني.
وحدد القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026 نطاق تطبيق أحكامه على المنشآت وفروعها التي يعمل بها 50 عاملًا فأكثر، بصرف النظر عن طبيعة أو نمط علاقة العمل، مع اعتبار كل موقع عمل منفصل جغرافيًا أو إداريًا منشأة مستقلة عند احتساب عدد العاملين، بما يعني إلزام المنشآت التي تضم 50 عاملًا فأكثر بتوفير موظفي سلامة وصحة مهنية، فضلًا عن إنشاء أجهزة وظيفية متخصصة للسلامة والصحة المهنية، وتشكيل اللجان المختصة وفقًا للضوابط الواردة بالقرار.

تعيين مسؤول للسلامة والصحة المهنية على الورق
ومع تطبيق القرار، تطفو على السطح تخوفات من قدرة المنشآت على الالتزام الفعلي باشتراطات وزارة العمل، وليس الاكتفاء باستيفائها شكليًا، ولجوء بعض المنشآت إلى تعيين مسؤول للسلامة والصحة المهنية على الورق فقط، بهدف تجنب مخالفة القرار، دون أن يكون هذا المسؤول موجودًا بصورة منتظمة داخل موقع العمل أو يمارس المهام المنوطة به فعليًا.
في حين كشفت نتائج حملات وزارة العمل في سبتمبر الماضي، عن تنفيذ 2145 عملية تفتيش وإعادة تفتيش خلال أسبوع واحد، وتحرير محاضر لمئات المنشآت غير الملتزمة، ومنح منشآت أخرى مهلًا قانونية لتوفيق أوضاعها، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية والتوصية بالغلق في بعض الحالات.
بدوره، قال حسن البربري، الباحث في الشؤون العمالية، إن أزمة السلامة والصحة المهنية في عدد من المنشآت لا ترتبط بالضرورة بغياب القوانين أو عدم وجود قواعد تنظم حماية العمال، بقدر ما ترتبط بالفجوة بين النصوص القانونية وآليات تنفيذها على أرض الواقع، موضحًا أن وجود تشريعات تحدد مسؤوليات أصحاب الأعمال وتلزمهم بتوفير بيئة عمل آمنة لا يحقق الحماية المطلوبة ما لم يصاحبه تفتيش منتظم وفعال يتابع مدى الالتزام بهذه الاشتراطات داخل مواقع الإنتاج.

الزيارات تتحول إلى إجراءات شكلية
وأضاف «البربري»، أن غياب التفتيش الدوري يضعف قدرة الجهات الرقابية على اكتشاف أوجه القصور قبل وقوع الحوادث، إذ لا ينبغي أن تتحرك منظومة الرقابة فقط عقب وقوع إصابة أو حريق أو انهيار، وإنما يتعين أن تكون هناك زيارات منتظمة تستهدف رصد المخاطر المحتملة والتأكد من توافر وسائل الوقاية ومعدات الحماية، ومراجعة مدى التزام المنشآت بإجراءات تأمين بيئة العمل، بما يمنع تحول المخالفات الصغيرة إلى حوادث جسيمة تهدد حياة العاملين.
وأشار إلى أن إحدى المشكلات التي تواجه منظومة التفتيش تتمثل في أن بعض الزيارات تتحول إلى إجراءات شكلية لا تحقق الغرض منها، إذا انحصرت في المرور الإداري أو مراجعة المستندات دون فحص حقيقي لظروف العمل ومواقع الإنتاج، أو التحقق من تطبيق إجراءات الوقاية على أرض الواقع.
ولفت الباحث في الشؤون العمالية إلى أن نقص أعداد مفتشي السلامة والصحة المهنية يمثل أحد التحديات التي تؤثر في كفاءة الرقابة، خاصة في ظل تعدد المنشآت وتنوع الأنشطة الصناعية والإنتاجية واختلاف مستويات المخاطر من قطاع إلى آخر، وكلما اتسعت الفجوة بين عدد المفتشين وحجم المنشآت المطلوب متابعتها، أصبحت التغطية التفتيشية أكثر صعوبة.

3.79 مليون منشأة في مصر
ويُقدر عدد مفتشي وزارة العمل على مستوى الجمهورية، وفقًا لإحصائية صادرة عن منظمة العدالة الاجتماعية في ديسمبر 2025 بـ251 مفتشًا، بينما تضم مصر قرابة الـ 3.79 مليون منشأة و30.02 مليون عامل، ما يكشف عن حجم العجز الكبير في أعداد المفتشين.
وحذر «البربري» من أن استمرار الفجوة بين التشريع والتطبيق يجعل العمال أكثر عرضة للمخاطر، حتى في المنشآت التي تبدو ملتزمة من الناحية الإدارية، لأن وجود لوائح داخلية أو سجلات للسلامة لا يعني بالضرورة تنفيذها، كما أن استكمال المستندات المطلوبة لا يضمن وحده توافر بيئة عمل آمنة.
وربط الباحث في الشؤون العمالية، بين اشتراط القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026 إنشاء أجهزة وظيفية للسلامة والصحة المهنية في المنشآت التي يعمل بها 50 عاملًا فأكثر، وبين ضرورة تطوير آليات الرقابة على التنفيذ، مؤكدًا أن إلزام المنشآت بتعيين مسؤولين للسلامة لن يكون كافيًا وحده لتحقيق الحماية المطلوبة، ما لم تتأكد وزارة العمل من أن هؤلاء المسؤولين يباشرون مهامهم بصورة فعلية داخل مواقع العمل، وليس مجرد إدراج أسمائهم في الهياكل الوظيفية واستكمال المستندات المطلوبة.

نجاح القرار يرتبط بالانتقال من مراجعة الأوراق إلى فحص واقع بيئة العمل
وأوضح «البربري»، أن نجاح القرار يرتبط بقدرة أجهزة التفتيش على الانتقال من مراجعة الأوراق إلى فحص واقع بيئة العمل، والتحقق من توافر معدات الوقاية وتنفيذ إجراءات الحماية والتعامل مع المخاطر.
ويمنح قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 جهاز تفتيش السلامة والصحة المهنية صلاحيات تتجاوز مجرد فحص الأوراق، إذ تجيز المادة 257 لمفتشي الجهاز إجراء الفحوص الطبية والمعملية اللازمة، وأخذ عينات من المواد المستخدمة في العمليات الصناعية، واستخدام أجهزة القياس وآلات التصوير أثناء التفتيش وتحليل أسباب الحوادث، فضلًا عن الاطلاع على خطط الطوارئ وتحليل المخاطر والتقارير الفنية والإدارية المتعلقة بالحوادث الجسيمة، وكميات المواد الخطرة الموجودة بالمنشأة، كما تمنح المادة 258 مفتشي السلامة والصحة المهنية حق التفتيش على المنشآت للتحقق من توافر الاشتراطات المقررة قانونًا.
وشدد الباحث في الشؤون العمالية، على أن تطبيق القرار يفرض تحديًا رقابيًا يتمثل في منع تحول اشتراط تعيين مسؤول للسلامة والصحة المهنية إلى إجراء شكلي تلجأ إليه بعض المنشآت لتوفيق أوضاعها إداريًا دون تغيير حقيقي في منظومة الوقاية، مشيرًا إلى أهمية إجراء زيارات تفتيشية دورية ومفاجئة، ومراجعة سجلات الحوادث والإصابات والتدريب، والاستماع إلى العمال بشأن مدى وجود مسؤول السلامة ومشاركته الفعلية في متابعة المخاطر.






