تطهير القيادات وتشديد الانضباط.. هل يمهد شي جين بينج لولاية رابعة على رأس الصين قبل الجلسة العامة الخامسة للحزب الشيوعي؟
يستعد الحزب الشيوعي الصيني الحاكم لعقد اجتماع يضم نحو 300 من كبار مسؤوليه الأسبوع المقبل، لمناقشة تشديد الانضباط داخل صفوفه، في خطوة يرى محللون أنها قد تمثل آخر تجمع حزبي كبير قبل إعادة تشكيل القيادة المرتقبة في أكتوبر 2027.
وجاء ذلك بعد اختتام أربع مقاطعات، هي آنهوي وخنان وشانشي وشينجيانج، مؤتمراتها الحزبية الأسبوع الماضي، وانتخاب لجان دائمة جديدة تتولى مهامها خلال السنوات الخمس المقبلة.
ومن المقرر أن تشهد السنة المقبلة انعقاد المؤتمرات المحلية المتبقية في البلديات الأربع الخاضعة مباشرة للحكومة المركزية، وهي بكين وشنجهاي وتيانجين وتشونجتشينج، التي يشغل أمناء الحزب فيها عادةً عضوية المكتب السياسي.
ومن المتوقع أن يسجل الاجتماع أحد أقل أعداد المشاركين في الاجتماعات الحزبية منذ عهد الرئيس ماو، إذ يُرجح أن يضم 168 عضوًا أساسيًا و147 عضوًا احتياطيًا، في ظل حملات التحقيق والتطهير التي طالت مسؤولين داخل الحزب.
وعلى الرغم من التوقعات الواسعة بأن يحتفظ الرئيس شي جين بينج بقيادة الحزب لولاية رابعة خلال المؤتمر الحزبي الحادي والعشرين العام المقبل، فإن الجلسة العامة المرتقبة تتيح له فرصة لتعزيز سلطته، وتكريس التوافق الأيديولوجي، وترسيخ نفوذه داخل الحزب الشيوعي.
أولويات شي جين بينج.. ترسيخ سلطة القيادة وتشديد مكافحة الفساد
قبل أيام من انعقاد الاجتماع، نشر الرئيس شي جين بينج مقالًا في مجلة «تشيوشي»، المنبر الفكري الرئيسي للحزب، حدد فيه ثلاث أولويات رئيسية تتمثل في ضمان تنفيذ قرارات قيادة الحزب وترسيخ سلطتها المطلقة، وإخضاع الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها كوادر الحزب لضوابط مؤسسية، ومواصلة حملة مكافحة الفساد وتعزيز قدرتها على الاختراق دون سقف زمني محدد.
وانتقد «بينج» المسؤولين الانتهازيين الذين وصفهم بأنهم «ذوو وجهين»، إذ يُظهرون الولاء لقيادة الحزب علنًا بينما يقاومون قراراتها سرًا ويعملون على تقويض سلطتها، كما انتقد من يسعون إلى تحقيق مكاسب قصيرة الأجل على حساب التنمية المتوازنة للبلاد.
وأكد الرئيس الصيني أهمية مواصلة حملة مكافحة الفساد، بهدف الوصول إلى مرحلة لا يجرؤ فيها المسؤولون على الفساد، ولا يستطيعون ممارسته، ولا يرغبون فيه من الأساس، ودعا كذلك إلى تعزيز التطهير الذاتي داخل اللجنة المركزية لفحص الانضباط نفسها.
وتعكس هذه الأولويات توجهًا نحو إحكام الرقابة على المسؤولين، وضمان التزامهم بتوجيهات القيادة، وربط الأداء الإداري بالمعايير السياسية والمؤسسية التي يحددها الحزب.
لماذا تختلف الجلسة الخامسة الحالية عن سابقاتها؟
ركزت الجلستان العامتان الخامستان السابقتان على إقرار الخطط الاقتصادية الكبرى للصين، المعروفة باسم «الخطط الخمسية»، لكن الاجتماع المرتقب في أكتوبر الجاري يُتوقع أن يختلف عن هذا المسار، مع تصدر الملفات السياسية والانضباط الداخلي جدول أعماله.
وفي 21 سبتمبر، أصدر المكتب السياسي قرارًا بشأن عدد من القضايا الرئيسية المتعلقة بالمضي قدمًا في تعزيز الحوكمة الذاتية للحزب بصورة شاملة وصارمة، وهو ما يشير إلى أن تشديد الانضباط وتعزيز الرقابة داخل المؤسسات الحزبية سيكونان من أبرز محاور الاجتماع.
ومن المقرر أن تعقد اللجنة المركزية الحالية للحزب، وهي أعلى هيئاته لصنع القرار، اجتماعًا مغلقًا في بكين من الاثنين إلى الخميس، وتُعد هذه الجلسة الخامسة منذ تشكيل اللجنة الحالية عام 2022، ولذلك تُعرف باسم «الجلسة العامة الخامسة».
ورغم تقلص عدد أعضاء القيادة، لا يُتوقع أن يشهد الاجتماع تغييرات جوهرية في المناصب، كما لا يُرجح أن يكشف عن مؤشرات واضحة بشأن ترتيبات خلافة شي جين بينج، خلال الاجتماعات التي تستمر أربعة أيام.
ومن المنتظر أيضًا تكثيف الرقابة السياسية على تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة، خاصة فيما يتعلق بتحديث الصناعة، ومعالجة ديون الحكومات المحلية، وحماية البيئة، وتعزيز السوق الوطنية الموحدة.
وفي هذا السياق، يسعى «بينج» إلى تطوير آليات تقييم كوادر الحزب، بحيث تتناسب مع طبيعة كل منطقة ووظيفة، وتكافئ المشروعات التي تحقق منافع عامة مستدامة، في مقابل معاقبة المشروعات المهدرة، والتغييرات المفاجئة في السياسات، والتساهل في الرقابة.
كما حذر من أن المسؤولين الذين لا يلتزمون بهذه المتطلبات سيواجهون النقد أو النقل أو الإجراءات التأديبية، بما يعكس توجهًا لربط تنفيذ السياسات الحكومية بمساءلة المسؤولين عن أدائهم.
من حملة «النمور والذباب» إلى إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية
خضع ملايين الأشخاص داخل البيروقراطية الصينية لتحقيقات متفاوتة المستويات في إطار حملة شي جين بينج لمكافحة الفساد، المعروفة باسم حملة «النمور والذباب»، التي أسفرت عن الإطاحة بمئات المسؤولين الكبار والجنرالات البارزين، من بينهم حلفاء سابقون للرئيس الصيني نفسه.
ويرى منتقدون أن هذه الحملات، خاصة تلك التي تستهدف القيادات العليا في القوات المسلحة، قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وإضعاف الجاهزية القتالية.
في المقابل، يقدم الحزب الحملة باعتبارها خطوة ضرورية لتجديد مؤسساته، مؤكدًا أن الجيش بحاجة إلى «انبعاث من جديد»، على غرار طائر العنقاء، من خلال «الخضوع للنار وإعادة الصياغة».
ولا يقتصر تصاعد الاهتمام بالانضباط على مواجهة المخالفات، بل يرتبط أيضًا بارتفاع أهمية المرحلة السياسية المقبلة، فمن المتوقع أن يتقاعد عدد من أقرب معاوني شي جين بينج خلال التغييرات الهيكلية المرتقبة عام 2027، بينما تستهدف حملات الانضباط ضمان صعود جيل جديد تربطه بالرئيس روابط شخصية أقل، لكنه يلتزم بمعاييره السياسية.
وفي العام الماضي، ارتفع عدد المسؤولين الذين خضعوا لإجراءات تأديبية بسبب الشكلية والبيروقراطية إلى 118 ألف مسؤول، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف العدد المسجل في العام السابق، وتشير هذه المصطلحات إلى ممارسات تشمل الاكتفاء بالإجراءات الشكلية والتنصل من المسؤولية.
كما فتحت السلطات التأديبية الصينية 1.01 مليون قضية خلال عام 2025، مقارنة بنحو 155 ألف قضية في عام 2012، في مؤشر على اتساع نطاق إجراءات مكافحة الفساد والانضباط على مدار السنوات الماضية.
وفي خطاب ألقاه في يناير أمام اللجنة المركزية لفحص الانضباط التابعة للحزب، تعهد «بينج» بمواصلة الحملة بصرف النظر عن حجم المقاومة أو مكانة المتورطين، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد رؤساء الإدارات والمسؤولين المحليين.
وسلط الرئيس الصيني الضوء على صور من الفساد، بينها التواطؤ بين الحكومة وقطاع الأعمال، والحصول على وعود بمنافع مستقبلية، واستخدام الحصص بالوكالة، فضلًا عن ظاهرة «الباب الدوار» المرتبطة بانتقال الأفراد بين المناصب الحكومية والقطاع الخاص بما قد يثير تضاربًا في المصالح.
تغييرات في المكتب السياسي والقيادة العسكرية
شهدت القيادة الصينية تغييرات واسعة منذ انتخاب المكتب السياسي عام 2022؛ إذ غادر ثلاثة من أعضائه الأربعة والعشرين مناصبهم، وهو أكبر عدد من الأعضاء الذين أُبعدوا عن المكتب السياسي خلال ولاية واحدة منذ عام 1980، كما غادر خمسة من الأعضاء السبعة الأصليين في اللجنة العسكرية المركزية، أعلى هيئة قيادية عسكرية في البلاد.
ومن المقرر أن يصادق الاجتماع على طرد عضوين بارزين من المكتب السياسي، هما تشانج يو شيا وما شينج روي، على خلفية اتهامات تشمل الفساد وعدم الولاء.
ومع استعداد شي جين بينج للسعي إلى ولاية رابعة، تبرز تحديات مرتبطة بمستقبل دائرة حلفائه المقربين داخل القيادة، فمن المفترض أن يتقاعد حلفاؤه المتبقون في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي العام المقبل، إذا التزموا بقواعد التقاعد غير الرسمية المعمول بها داخل الحزب.
وسيكون على «بينج»، في هذه الحالة، اختيار شخصيات أصغر سنًا لشغل المناصب الشاغرة، وسط توقعات بأن يسعى المسؤولون الجدد إلى كسب ثقته، مع احتفاظهم بطموحات مستقبلية للوصول إلى قيادة الحزب.
وتضع هذه التطورات الجلسة العامة الخامسة في قلب مرحلة مهمة من إعادة ترتيب القيادة الصينية، حيث يتداخل تشديد الانضباط ومكافحة الفساد مع إعادة تشكيل المؤسسات السياسية والعسكرية، في مسعى لترسيخ سلطة شي جين بينج قبل الاستحقاق القيادي المرتقب عام 2027.






