أسرار الاشتباه في انتشار «بق الفراش» داخل الفصول.. شكاوى الأهالي وتحذيرات الخبراء
أثارت شكاوى الاشتباه في انتشار بق الفراش داخل عدد من المدارس المصرية حالة من القلق بين أولياء الأمور والطلاب، بعدما تعددت البلاغات من مناطق مختلفة بالقاهرة والجيزة، وتحدثت أسر عن تعرض أبنائها للدغات جلدية، ومخاوف من انتقال الحشرات إلى المنازل عبر الملابس والحقائب والأثاث.
وامتدت الشكاوى من عين شمس إلى دار السلام والزاوية الحمراء ومدينة 6 أكتوبر والوايلي والتجمع، لتفتح ملف الاستعدادات الصحية داخل المدارس، ومدى كفاءة منظومة النظافة والصيانة، وسرعة استجابة الإدارات التعليمية للبلاغات.
وفي الوقت الذي أكد فيه أولياء الأمور رصد هذه الحشرات داخل الفصول والحمامات والمقاعد، أعلنت لجان وزارة التعليم والصحة عدم رصد أي أثر لبق الفراش في المدارس التي خضعت للتمشيط، وأرجعت الوزارة ما يتم تداوله إلى أعراض حساسية تقليدية أو لدغات حشرات عادية، محذرةً من تضخيم الشكاوى على منصات التواصل الاجتماعي، بالتوازي مع إقرار حزمة إجراءات احترازية شملت الرش والتعقيم الدوري.
وبينما لا تزال شكاوى أولياء الأمور تثير التساؤلات حول أسباب ظهور الحشرات داخل المدارس، تتجه الأنظار إلى تقييم المتخصصين لطبيعة الأزمة، والعوامل التي تساعد على انتقال البق وانتشاره، ومدى تأثيره على صحة الطلاب، فضلًا عن التحديات التي تواجه المدارس في توفير بيئة صحية وآمنة، وهو ما يطرح تساؤلات حول دور منظومة النظافة والرقابة داخل المؤسسات التعليمية.
سكينة سلامة: نقص عمال النظافة ومشكلات التعاقدات تتطلب إعادة تقييم المنظومة
الدكتورة سكينة سلامة، عضو مجلس النواب ولجنة التعليم، أوضحت من جانبها أن شكاوى انتشار البق في بعض المدارس تثير حالة من القلق بين الطلاب وأولياء الأمور، مشددة على ضرورة التحرك العاجل لفحص المدارس وتقييم الأوضاع على أرض الواقع.
ولفتت إلى أن ظهور الحشرات لا يقتصر على المناطق الشعبية أو المدارس ذات الإمكانات المحدودة، بل يمكن أن يظهر أيضًا في المناطق الراقية، ولا يرتبط بالضرورة بسوء النظافة وحده، إذ تتداخل عوامل متعددة في انتقال الحشرات وانتشارها.
كما أشارت إلى أهمية عدم التسرع في تحديد أسباب ظهور الحشرات دون الاستعانة بالمتخصصين، مؤكدة ضرورة إجراء فحوصات ميدانية لتحديد طبيعة الحشرة ومصدر ظهورها، والتعامل معها وفقًا للأسس العلمية.

وأوضحت أن المدارس تواجه تحديات تتعلق بنقص عمال النظافة ومشكلات التعاقدات وتوفير العمالة اللازمة، وهو ما يستدعي إعادة تقييم منظومة النظافة والصيانة داخل المؤسسات التعليمية.
وشددت على ضرورة زيادة أعداد عمال النظافة، وتكثيف أعمال تنظيف الفصول والمقاعد والمرافق، إلى جانب تدريب العاملين على اكتشاف الحشرات والتعامل مع أي اشتباه في وجودها، كما أكدت على أن المواجهة لا تقتصر على التطهير والمكافحة، بل تحتاج أيضًا إلى نشر التوعية بين الطلاب والعاملين وأولياء الأمور، وسرعة إبلاغ الإدارات المدرسية عن أي إصابات أو علامات اشتباه.
بق الفراش.. حشرة صغيرة تختبئ في الأثاث وتنتقل عبر الملابس والحقائب
بق الفراش حشرة طفيلية صغيرة تنتمي إلى جنس «Cimex»، وتتغذى على دم الإنسان، وتنشط غالبًا ليلًا، بينما تختبئ نهارًا داخل الشقوق وثنايا الأقمشة وقطع الأثاث.
ويتراوح طول الحشرة البالغة عادة بين 4 و7 ملليمترات، ويتميز جسمها بالشكل البيضاوي المسطح واللون البني المائل إلى الاحمرار، ولا تمتلك أجنحة، وبالتالي لا تطير ولا تقفز، لكنها تتحرك زحفًا وتنتقل من مكان إلى آخر عبر الأمتعة والملابس والأثاث المصاب، وتكمن صعوبة اكتشافها في قدرتها على الاختباء داخل شقوق المقاعد والمراتب والأخشاب والحوائط، ما يجعل رؤيتها أمرًا غير سهل في بعض الحالات.
عاصم فرج: انتقال البق عبر الأثاث والملابس.. وتحذيرات من الاستخدام الخاطئ للمستحضرات
من جانبه، حذّر الدكتور عاصم فرج، أستاذ الأمراض الجلدية والتجميل في حديثه لـ«ليبرالي» من مخاطر انتشار بق الفراش والطفيليات المرتبطة بالحيوانات، موضحًا أن وصول الحشرة إلى المدارس قد يحدث عبر الأثاث والمقاعد المستعملة، أو انتقالها مع ملابس وحقائب الطلاب، خاصة إذا تعرض أحدهم للإصابة في منزله ثم نقل الحشرة معه إلى الفصل.
وأشار إلى أن بق الفراش يستطيع الاختباء داخل شقوق الأخشاب والمقاعد والحوائط، ما يجعل اكتشافه صعبًا، ويساعد على استمرار وجوده في حال عدم إجراء مكافحة متخصصة، مؤكدًا أنه يسبب مرض الجرب، لافتًا إلى أنه قد ينتقل أيضًا عن طريق بعض الحيوانات، مسببًا الحكة والتهيج الجلدي والتفاعلات التحسسية.

وأوضح أنه نظرًا لاختلاف دورة حياة الطفيل على الحيوانات عنها لدى الإنسان، فإن البق المنقول عن طريق أحد الحيوانات قد يلدغ الإنسان ثم يموت على الفور.
وفي الوقت نفسه، كشف «فرج» عن وجود أزمة تتعلق بعلاج مرض الجرب، تتمثل في نقص الأدوية المخصصة له في الأسواق، مرجعًا ذلك إلى إساءة استخدام بعض المستحضرات الطبية المخصصة لمكافحة الطفيليات، واستعمالها في التخلص من النمل والحشرات المنزلية، ما يؤدي إلى استهلاكها بعيدًا عن الغرض الطبي المخصصة له.
وشدد على ضرورة عدم استخدام المبيدات أو الأدوية بصورة عشوائية، والرجوع إلى الطبيب لتحديد طبيعة الإصابة والعلاج المناسب.
الدكتور علي يونس: بق الفراش في المدارس لا يمثل خطرًا وبائيًا.. والمكافحة العلمية تبدأ بتحديد مصدر الإصابة
أكد الأستاذ الدكتور علي يونس، أستاذ علم الحشرات ورئيس قسم علم الحشرات بكلية العلوم جامعة القاهرة، أن ظهور حشرة بق الفراش داخل بعض المؤسسات التعليمية يجب أن يُفهم في إطاره العلمي والبيئي الصحيح، بعيدًا عن التهويل أو إثارة الذعر.
وأوضح أن بق الفراش (Cimex lectularius) من الحشرات الطفيلية التي تتغذى على دم الإنسان، لكنه لا يُصنف طبيًا باعتباره ناقلًا مثبتًا للأمراض المعدية إلى الإنسان، وبالتالي فإن خطورته الأساسية ترتبط بتأثير لدغاته وما يصاحبها من حكة والتهابات جلدية محتملة، فضلًا عن اضطرابات النوم والقلق النفسي.
وأضاف أن من الخصائص البيولوجية المهمة لهذه الحشرة قدرتها العالية على الاختباء في الشقوق والفواصل الدقيقة للأثاث والأسرّة، كما أن بيضها يلتصق بالأسطح التي تضعه عليها الأنثى، وهو ما يجعل اكتشاف الإصابة في مراحلها الأولى أمرًا بالغ الأهمية، خاصة أن استخدام المبيدات بصورة عشوائية قد لا يقضي على جميع أطوار الحشرة، وقد يسهم في زيادة صعوبة مكافحتها نتيجة ظهور مقاومة لبعض المواد الفعالة.

وأشار إلى أن التعامل العلمي مع أي اشتباه في الإصابة داخل المدارس يجب أن يبدأ بالتأكد من هوية الحشرة، ثم تحديد أماكن اختبائها وتقييم نطاق الإصابة، بدلًا من اللجوء مباشرة إلى الرش العشوائي أو التطهير الشامل، كما ينبغي الاستعانة بمتخصصين في مكافحة الآفات، مع استخدام وسائل المكافحة المتكاملة التي تجمع بين الفحص الدقيق والمعالجة الحرارية المناسبة، واستخدام المبيدات المرخصة عند الضرورة.
وشدد على أهمية دور الأسرة في فحص الحقائب والملابس والأثاث المنزلي، وغسل الملابس وتجفيفها على درجات حرارة مرتفعة، وفقًا لتعليمات الأقمشة، موضحًا أن المعالجة الحرارية الفعالة تتطلب وصول الحرارة إلى درجة مناسبة داخل الأغراض نفسها ولمدة كافية، وليس مجرد تعريضها لحرارة سطحية عابرة.
واختتم الدكتور علي يونس تصريحه بالتأكيد على أن بق الفراش ليس مؤشرًا على تدني مستوى النظافة الشخصية أو الاجتماعية، وإنما هو آفة منزلية وبيئية يمكن أن تنتقل إلى أي مكان تتوافر فيه فرصة للانتقال والاختباء.
وأوضح أن نجاح السيطرة عليها يعتمد على التشخيص الحشري الدقيق، وسرعة التدخل، والتنسيق بين المؤسسات التعليمية والأسر والجهات المتخصصة، بما يضمن حماية الطلاب واستمرار العملية التعليمية في بيئة آمنة.



