اقتصادالرئيسية

اختراق «بينانس» يثير التساؤلات.. لماذا لا يتأثر الاقتصاد المصري رغم تداول العملات المشفرة؟

أثار الاختراق الذي تعرضت له منصة «بينانس»، إحدى كبرى منصات تداول العملات المشفرة في العالم، اهتمامًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والتكنولوجية، بعدما أعلنت الشركة تضرر أصول رقمية تُقدّر بنحو 6.3 مليار دولار، في واقعة أعادت المخاوف بشأن أمن منصات التداول وقدرتها على حماية أموال المستخدمين.

ورغم ضخامة الخسائر، أكدت المنصة أنها ستتحمل تبعاتها، فيما جرى تجميد جزء من الأصول المستهدفة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات العاملة في سوق العملات المشفرة على مواجهة الاختراقات الكبرى، ومدى كفاية أنظمة الحماية والاحتياطيات المالية في احتواء تداعياتها.

أما في مصر، فتتجاوز التساؤلات حدود تأثير الاختراق على منصة عالمية، لتصل إلى طبيعة سوق العملات المشفرة محليًا، في ظل حظر إصدارها أو الإتجار فيها أو الترويج لها مع استمرار تعامل بعض الأفراد عبر منصات التداول والمحافظ الرقمية.

فهل يمكن أن تمتد تداعيات اختراق «بينانس» إلى المتعاملين المصريين؟ وما حجم المخاطر التي قد تواجههم في ظل غياب الإطار الرقابي الذي يحمي هذه التعاملات؟


اختراق «بينانس» يفتح ملف أمن الاقتصاد الرقمي.. اللامركزية والملاءة المالية تحت الاختبار

حسب الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، ومدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، فإن واقعة الاختراق الذي تعرضت له منصة «بينانس»، إحدى أكبر منصات تداول العملات المشفرة عالميًا أعادت فتح ملف أمن الاقتصاد الرقمي، وكشفت عن حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه المؤسسات المالية العاملة في سوق العملات المشفرة، حتى مع امتلاكها إمكانات مالية وتكنولوجية ضخمة.

وأوضحت «الملاح» أن الحادث أثار تساؤلات مهمة حول قدرة هذه المنصات على حماية أموال المستثمرين، وحدود اللامركزية في سوق العملات الرقمية، وانعكاسات الاختراقات الكبرى على ثقة المتعاملين واستقرار الأسواق، مشيرة إلى أن التطور التكنولوجي واتساع حجم المؤسسات المالية الرقمية لا يعنيان بالضرورة امتلاك منظومة أمنية محصنة بالكامل.

وأضافت أن الاختراقات قد تبدأ من نقطة ضعف محدودة داخل المؤسسة، سواء من خلال جهاز أحد الموظفين أو ثغرة في أنظمة التشغيل الداخلية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في سياسات الأمن السيبراني، وتوزيع الصلاحيات، وآليات الرقابة على العمليات المالية الحساسة.

كما أشارت إلى أن اعتماد المؤسسات الكبرى العالمية على أنظمة داخلية مترابطة قد يؤدي إلى انتقال أثر الاختراق من أحد مكونات النظام إلى بيانات أو صلاحيات أكثر حساسية، مؤكدة ضرورة تطبيق أنظمة متعددة للتحقق والموافقة على المعاملات، وعدم السماح لأي موظف أو جهاز بالتحكم المنفرد في العمليات المالية الكبرى، إلى جانب إجراء اختبارات دورية لاكتشاف الثغرات قبل استغلالها.

وفيما يتعلق بمفهوم اللامركزية، لفتت مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، إلى أن قدرة شركتي «تيثر» و«سيركل» على تجميد مليارات الدولارات من الأصول المرتبطة بالاختراق أعادت طرح تساؤلات حول مدى استقلالية العملات الرقمية، موضحة أنه رغم أن تقنية «البلوك تشين» تتيح إجراء المعاملات دون الحاجة إلى وسيط مركزي، فإن بعض العملات المستقرة، مثل «USDT» و«USDC»، تخضع لإدارة شركات إصدار تمتلك صلاحيات فنية تسمح لها بتجميد أرصدة محددة وفقًا لسياساتها والتزاماتها القانونية.

وأكدت أن ذلك يكشف عن وجود نموذج يجمع بين التكنولوجيا اللامركزية والسلطة المركزية للشركات المصدرة، بما يعني أن اللامركزية ليست مطلقة في جميع منتجات سوق العملات المشفرة، إذ يمكن أن تسهم صلاحيات التجميد في الحد من حركة الأموال المسروقة وحماية المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات بشأن مدى سيطرة الشركات على أموال المتعاملين وحدود حريتهم في التصرف فيها.

وتطرقت إلى قدرة «بينانس» على تحمل الخسائر وتعويض المتضررين، موضحة أن تقييم موقف المنصة يتطلب التمييز بين حجم صندوق الأمان الخاص بها، المعروف باسم«SAFU»، والموارد المالية الأخرى التي يمكن للشركة استخدامها لمواجهة الأزمات.

وأشارت كذلك إلى أن الصندوق يمثل آلية حماية للطوارئ، إلا أن حجم الخسائر المعلن عنه يتجاوز حجم الصندوق التقليدي، وهو ما يجعل الملاءة المالية للشركة عنصرًا أساسيًا في تقييم قدرتها على تجاوز الأزمة، مًضيفة أن الإعلان عن تغطية الخسائر لا يكفي وحده لإثبات القدرة المالية النهائية على تحمل الصدمة، إذ تتطلب استعادة ثقة المستثمرين توفير بيانات واضحة عن الاحتياطيات والأصول المتاحة، وإخضاعها لعمليات تحقق مستقلة.

كما أوضحت أن ثقة المتعاملين تظل عاملًا حاسمًا في استقرار المنصة، خاصة أن تراجعها قد يؤدي إلى زيادة طلبات السحب وفرض ضغوط إضافية على السيولة.

وحذرت «الملاح» من احتمالية امتداد تداعيات الأزمة إلى عملة «BNB» المرتبطة بمنظومة «بينانس»، نتيجة زيادة الضغوط البيعية وتراجع ثقة المستثمرين، موضحة أن انخفاض قيمة العملة أو انهيارها ليس نتيجة حتمية للاختراق، وإنما يتوقف على قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها، وإثبات سلامة احتياطياتها، واستعادة ثقة المستخدمين في خدماتها.

وعلى المستوى التنظيمي، توقعت مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية أن تدفع الواقعة الحكومات والجهات الرقابية في العالم إلى إعادة تقييم الأطر المنظمة لعمل منصات تداول العملات المشفرة، من خلال تشديد متطلبات الترخيص، وفرض اختبارات دورية للأمن السيبراني، وتعزيز قواعد حماية أموال العملاء، وإلزام المنصات بمستويات أعلى من الشفافية والإفصاح المالي.

خبير اقتصادي: العملات المشفرة تداول خارج المنظومة الرسمية ومخاطرها تهدد أموال الشباب

 

أما عن إمكانية ما حدث لمنصة «بينانس» التأثير على مصر، أوضح معتصم أبو خضرة، الخبير الاقتصادي، أن اختراق المنصة ليس له تأثير على الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن مصر لا ترتبط بهذه المنصات ضمن منظومتها الاقتصادية الرسمية، وأن التعامل في العملات المشفرة محظور قانونًا في مصر.

ورغم ذلك، أشار إلى استمرار بعض الشباب في مصر في تداول هذه العملات عبر منصات إلكترونية، باستخدام محافظ الهاتف المحمول، مثل «فودافون كاش»، وخدمات الدفع الإلكتروني الأخرى، لإجراء التحويلات المالية المرتبطة بعمليات الشراء والبيع.

وأوضح الخبير أن العملات المشفرة تختلف تمامًا عن العملات الرقمية التي تعمل الدولة على التوسع في استخدامها، مؤكدًا أن العملات الرقمية المرتبطة بالمنظومة المصرفية تخضع لإشراف البنك المركزي وتستند إلى إطار مؤسسي ورقابي، بينما تعتمد العملات المشفرة على التداول عبر منصات إلكترونية ومحافظ رقمية، دون وجود جهة مركزية تضمن قيمتها أو توفر الحماية التقليدية لأموال المتعاملين بها.

وشرح آلية تداول العملات المشفرة، موضحًا أن المتعامل يستطيع شراء العملة من شخص آخر مقابل تحويل مبلغ بالجنيه المصري عبر إحدى وسائل الدفع الإلكتروني، ثم يتلقى ما يعادل المبلغ من العملة المشفرة في محفظته الرقمية أو حسابه على منصة التداول.

وتابع أنه تتم عملية انتقال العملة إلكترونيًا من محفظة إلى أخرى من خلال شبكة «البلوك تشين»، التي تسجل التحويلات وتتحقق منها، دون أن يعني ذلك مرور الأموال بالضرورة عبر القنوات المصرفية التقليدية، ضاربًا المثل بأن الاختراق الأخير حدث أثناء عمليات الانتقال تلك.

وأضاف أنه يمكن بعد ذلك إعادة بيع العملة أو تحويلها إلى محفظة أخرى، وهو ما يثير دائمًا مخاوف بشأن تتبع مصادر الأموال وحركة انتقالها أثناء التعامل بالعملات المشفرة، وإمكانية استغلال هذه الآليات في غسل الأموال أو تهريبها بعيدًا عن المنظومة الرسمية.

كما لف إلى أن خطورة العملات المشفرة لا تقتصر على غياب الضمانات الرقابية، وإنما تمتد إلى التقلبات الحادة في أسعارها، موضحًا أن العملة قد تحقق ارتفاعًا يصل إلى 400% في فترة قصيرة، ثم تتعرض في وقت آخر لانهيار يفقد المتعامل معه كامل أمواله.

وأكد «أبو خضرة» أن هذه التقلبات تجعل التداول فيها شديد المخاطر، مشيرًا إلى أن من يدخل هذا المجال ينتهي به الأمر إلى خسارة أمواله، حتى لو حقق مكاسب كبيرة في بعض المراحل، لأن الأرباح لا تعني وجود استثمار مستقر أو مضمون.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن التداول في العملات المشفرة لا يشبه الاستثمار في الأسهم التقليدية المرتبطة بشركات لها أصول وأنشطة اقتصادية فعلية يمكن تقييمها، وإنما يقوم بدرجة كبيرة على المضاربة والقمار وتوقع تحركات الأسعار، وهو ما يجعله أقرب إلى المراهنة على تقلبات السوق، خاصة في ظل إمكانية تحقيق مكاسب ضخمة أو خسارة رأس المال بالكامل خلال فترات متقاربة.

وحذر من أن التداول في هذه العملات يستنزف وقت الشباب، نظرًا إلى أن أسواق العملات المشفرة تعمل على مدار 24 ساعة يوميًا دون توقف، ما يدفع المتعامل إلى متابعة الأسعار وحركة أمواله باستمرار، خوفًا من ضياع فرصة لتحقيق مكسب أو التعرض لخسارة مفاجئة.

وأوضح أن الانشغال الدائم بمتابعة التداول قد يؤثر على عمل الشباب وحياتهم اليومية، ويحول اهتمامهم من الإنتاج والعمل إلى مراقبة الأسعار والمضاربة المستمرة.

وشدد «أبو خضرة» على ضرورة توعية الشباب بمخاطر العملات المشفرة، وعدم الانسياق وراء الوعود بتحقيق أرباح سريعة أو استثنائية، مؤكدًا أهمية التمييز بين التحول الرقمي المنظم الذي يخضع للأطر الرقابية للدولة، وبين التداول في أصول افتراضية شديدة التقلب لا توفر للمتعاملين الضمانات نفسها.

زر الذهاب إلى الأعلى