“العبور المميت”.. آلاف المواطنين بين الدهس والسلالم العشوائية على الطريق الدائري

100 حادث سنويًا.. الطريق الدائري في مواجهة الأرقام

5260 حالة وفاة و 76362 إصابة حصيلة حوادث الطرق في 2024

الدقهلية تتصدر محافظات مصر في أعداد مصابي حوادث السيارات خلال عام 2024 بإجمالي 15.6 ألف مصاب

يواجه آلاف المواطنين يوميًا على امتداد الطريق الدائري بالقاهرة مخاطر جسيمة أثناء التنقل بين جانبي الطريق، في ظل محدودية الأنفاق وكباري المشاة المخصصة للعبور، ويضطر كثيرون إلى قطع الطريق سيرًا على الأقدام وسط حركة مرورية سريعة تصل إلى 90 كيلومترًا في الساعة، ما يؤدي إلى وقوع حوادث دهس مميتة نتيجة الظهور المفاجئ للمشاة أمام قائدي المركبات.

https://www.facebook.com/reel/1750627686107782

https://www.facebook.com/reel/1750627686107782

ولا يقتصر الخطر على ذلك، حيث يلجأ عدد من الأهالي إلى استخدام سلالم خشبية بدائية أقاموها بأنفسهم لتسهيل الصعود والهبوط بين الطريق ومناطق سكنهم، رغم افتقارها لأبسط معايير السلامة وعدم ملاءمتها لكبار السن والأطفال، ورغم عدم قانونية هذه الوسائل وخطورتها البالغة، فإنها تحولت بالنسبة لكثير من السكان إلى الخيار الوحيد المتاح في ظل نقص وسائل العبور الآمنة، وهو ما يتعارض مع المعايير المتبعة في تصميم وتشغيل الطرق السريعة كالطريق الدائري، ويبقى السؤال هل هذه المعايير غائبة عن الحكومة كي لا يتم تنفيذها مسبقًا، وهل الأمر معقد كي  تجد حلولً سريعة تخفف معاناة الأهالي؟.

معاناة وتحدٍ يومي للمشاة

عم محمد موظف يبلغ من العمر ٥٠ عام يسكن في منطقة العزبة بالبساتين، يقول لـ”ليبرالي” إنه يعاني يوميًا بسبب عدم وجود سلالم جانبية للنزول أو الصعود، أو كوبري مشاه يستطيع من خلاله أن ينزل من على الطريق الدائري إلى منطقته التي يسكنها، وأنه بسبب ذلك يضطر إلى استخدام السلالم العشوائية أو البلدورات التي وضعها الأهالي على حسابهم الخاص، وأغلبها عشوائية وتعرضنا للإصابات.

الطريق الدائري وامتداده
أُنشئ الطريق الدائري وهو طريق محيطي حول القاهرة الكبرى بهدف ربط محافظات القاهرة الكبرى، وتخفيف التكدس المروري داخل القاهرة وضواحيها حيث تصل الحركة المرورية عليه إلى أكثر من 100 ألف سيارة/يوم، بدأت وزارة الإسكان في إنشاء الطريق عام 1986 وتم الانتهاء منه بالكامل عام 2005 بطول إجمالي 100 كم وعرض حارتين لكل اتجاه وذلك على مراحل متعددة، ثم استلمته وزارة النقل والممثلة في الهيئة العامة للطرق والكباري وبدأت في تطويره حتى أصبح 3 حارات من القطامية حتى السويس و 4 حارات في باقي الطريق.

يتكون الطريق من قوسين شرقي وغربي، ينتهي القوس الغربي عند محور المنصورية المتجه لمناطق اللبيني والمنصورية وطريق سقارة ومحور المريوطية المتجه يسارًا لمناطق ميدان الرماية والسادس من أكتوبر وطريق الواحات، وطريق القاهرة/الإسكندرية الصحراوي، ويمينًا إلى القوس الشرقي المتجه لمناطق كرداسة، محور صفط اللبن، محور 26 يوليو، محور أحمد عرابي، القومية العربية، الوراق، القناطر الخيرية، طريق شبرا الخيمة/الإسكندرية الزراعي، بهتيم، طريق مسطرد/الإسماعيلية الزراعي، المرج، مؤسسة الزكاة، مدينة السلام، طريق الإسماعيلية الصحراوي، الهايكستب، المطار، طريق السويس، التجمع الأول، التجمع الخامس، طريق القطامية/العين السخنة، المعراج، زهراء المعادي، المقطم، طريق الأوتوستراد، طريق المعادي/حلوان/الصف، المنيب، البحر الأعظم وحتى يصل لمحور المريوطية ليتصل مع القوس الشرقي.

تطورات الطريق الدائري
مع مرور الوقت بدأ المواطنين في التعدي على حرم الطريق ببناء العقارات على جانبيه والتي تكاد تلتصق به، حيث قد تبلغ المسافة بين العقارات الملاصقة للطريق نحو 3 أمتار أو أقل، ومنذ سنوات قليلة اتجهت الحكومة إلى توسعة الطريق الدائري وقامت بإزالة العقارات المتعارضة مع مشروع توسعة الطريق الدائري، ويهدف إلى رفع سعة الطريق الاستيعابية ليتراوح بين 7 إلى 8 حارات في كل اتجاه، مع إدخال منظومة النقل الذكي “ITS”، وتشغيل الأتوبيسات الترددية السريعة “BRT”.

ورغم كل هذه التطورات إلا أن حياة المواطنين يبدو أنها لم تؤخذ في الاعتبار لدى الحكومة، إذ تتطلب الطرق السريعة والواسعة معايير هندسية دقيقة لضمان سلامة المشاة، وهذا ما لم يتم تحقيقه في الطريق الدائري ويتسبب في آلاف الحوادث سنويًا.

الطريق الدائري لم يُصمم لعبور المشاة

في هذا السياق، أوضح الدكتور مجدي صلاح، أستاذ هندسة الطرق والمرور بجامعة القاهرة، أن الطرق تقسم إلى عدة أنواع، ومن بينها ما يُعرف بالطرق الحرة، وهي الطرق التي لا تحتوي على تقاطعات سطحية على الإطلاق، إذ تتم جميع تقاطعاتها مع الطرق الأخرى من خلال الكباري أو الأنفاق، بما يضمن انسيابية الحركة المرورية واستمرار حركة المركبات بسرعات عالية.

وأضاف “صلاح” لـ”ليبرالي” أنه عند إنشاء الطريق الدائري بطول يقارب مائة كيلومتر في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن هناك مناطق سكنية مجاورة له، إذ صُمم في الأساس باعتباره طريقًا سريعًا لا يشمل عبور المشاة، إلا أن النمو العمراني العشوائي الذي حدث لاحقًا أدى إلى التصاق الكتل السكنية بالطريق الدائري وطرق أخرى مماثلة، ما أوجد حركة مشاة كثيفة على طرق لم تُنشأ أصلاً لخدمة المشاة، حيث تكمن المشكلة في أن هذا النمو العمراني لم يكن منظمًا أو متمركزًا في نقاط محددة تسمح بتخصيص مواقع واضحة لعبور المشاة، بل امتد على طول الطريق، فأصبحت الحاجة إلى العبور موجودة في العديد من المواقع المتفرقة.

وتابع أنه بسبب هذا الواقع، بدأت الجهات المسئولة عن المرور في البحث عن حلول مختلفة، كان من بينها إنشاء كباري المشاة وأنفاق المشاة، إلا أن كباري المشاة تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في ارتفاعها الكبير، إذ يجب أن ترتفع بما يسمح بمرور المركبات أسفلها، وهو ما يعادل غالبًا ارتفاع طابقين أو أكثر، وهذا الأمر يمثل عبئًا على كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة ومن يعانون من صعوبات في الحركة، ولذلك يعزف كثير من المواطنين عن استخدامها ويفضلون العبور المباشر للطريق رغم ما يمثله ذلك من خطورة، وقد لجأ بعض الأهالي في مناطق معينة إلى إنشاء سلالم خشبية بدائية للنزول من أعلى الطريق إلى أسفله، إلا أن هذه الحلول تظل غير مكتملة ولا تحقق متطلبات السلامة المرورية.

ولفت إلى أنه من هنا ظهرت فكرة إنشاء أنفاق للمشاة باستخدام المواسير الخرسانية الضخمة المشابهة لتلك المستخدمة في مشروعات الصرف، بحيث تسمح أبعادها الكبيرة بمرور المشاة بسهولة وتمتاز هذه الأنفاق بأنها لا تتطلب مجهودًا كبيرًا في الصعود والهبوط مقارنة بالكباري، لأنها تمر أسفل الطريق لا أعلاه، غير أن تنفيذ الأنفاق يواجه عددًا من التحديات الفنية، أبرزها وجود المرافق المختلفة أسفل الطرق، مثل خطوط المياه والصرف الصحي والكهرباء وكابلات الألياف الضوئية، ما يستلزم نقل هذه المرافق أو تعديل مساراتها قبل التنفيذ، وهو أمر مكلف ومعقد، كما أن تحديد مواقع الأنفاق يمثل تحديًا آخر في المناطق ذات الامتداد العمراني العشوائي، حيث يجب أن تكون المسافات بينها مناسبة بما يشجع المواطنين على استخدامها وعدم اللجوء إلى العبور المباشر للطريق.

هل تتحمل المنشآت الكبرى تكلفة إنشاء كباري وأنفاق المشاة؟

قال الدكتور المهندس عماد الدين نبيل، استشاري هندسة الطرق والنقل الدولي، إن توفير وسائل عبور آمنة للمشاة على الطرق السريعة يعد من المتطلبات الأساسية عند التخطيط والتنفيذ، موضحًا أنه إذا لم يتم تنفيذ ذلك بسبب الميزاينة أو خلافها من المفترض توفير وسيلة مواصلات مؤقتة تنقل المشاة من جانب إلى الأخر، ويعد هذا الأمر حلًا جزئيا إلى حين الانتهاء من كافة الأعمال.

 وأضاف “نبيل” في تصريحه لـ”ليبرالي” أن تحديد مواقع معابر المشاة يتم وفقًا لمعدلات الاستخدام والكثافة السكانية، بحيث تُعطى الأولوية للأماكن التي تشهد حركة مرتفعة للمواطنين، مثل التقاطعات الرئيسية، والمجمعات السكنية الكبرى، والمنشآت الحيوية مثل الجامعات، والمستشفيات، والمراكز التجارية، وغيرها من المنشآت التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المترددين، مشيرًا إلى أنه في بعض الحالات، يمكن أن تتحمل المنشآت الخاصة تكلفة إنشاء معبر المشاة بالكامل أو تساهم في جزء منها، خاصة إذا كان المعبر يخدم نشاطها بصورة مباشرة، أما المنشآت العامة والخدمية التابعة للدولة، فإن الجهات الحكومية المختصة تكون مسؤولة عن توفير وسائل العبور اللازمة لها، مع إمكانية مشاركة جهات أخرى في التمويل وفقًا لطبيعة المشروع.

وشدد على ضرورة أن يأخذ المسئولين تلك الأمور في الاعتبار ومعالجتها بأسرع وقت ممكن في المستقبل، وتحديد الأماكن التي يكون بها تجمعات أكثر،  وربما يحتاج للتعاون مع أحد أصحاب المولات التجارية أو صاحب المنشأة الكبرى في منطقة ما، لتحقيق الأمان للمشاة.

الأهالي بين السلالم العشوائية وخطر الدهس

لم يختلف ما قالته نفيسة السيد ربة منزل ٤٣ عام، والتي تسكن بمنطقة دار السلام عما قاله عم محمد قائلة:” إحنا عندنا مشكلة كبيرة في عبور الطريق لاتجاه الآخر أو مجرد الذهاب إلى أي مكان من الدائري، ويتعرض الكثير من الجيران لحوادث كثيرة بسبب عدم وجود مساحات آمنة للعبور او سلالم مشاة”.

 وأضافت:” زادت هذه المخاطر بعد توسيع الطريق وأصبحنا نفكر ألف مرة قبل الخروج من منازلنا، فأصبح من الصعب المرور وخاصة على كبار السن والأطفال فلابد من وجود حل يجعل العبور والنزول آمنا بدلا من المعاناة التي نعيشها يوميًا”.

أرقام صادمة.. آلاف الضحايا سنويًا في حوادث الطرق
ووفقا لإحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر، فقد بلغ عدد المتوفين في حوادث الطرق بالبلاد 5260 شخصًا عام 2024، فيما سجّل عدد إصابات حوادث الطرق 76362 إصابة في 2024، مقابل 71016 عام 2023، بنسبة ارتفاع 7.5 في المائة، وكان أعلى عدد إصابات على مستوى المحافظات المصرية في محافظة الدقهلية، حيث بلغ 15563 إصابة، وأقل عدد إصابات في محافظة السويس، حيث بلغ 39 إصابة عام 2024.

وجاءت محافظة البحيرة في المرتبة الرابعة بإجمالي 5 آلاف و686 مصابًا، تلتها الغربية بـ5 آلاف و359 مصابًا، ثم سوهاج بـ5 آلاف و245 مصابًا، وأسيوط بـ4 آلاف و978 مصابًا، وكفر الشيخ بـ4 آلاف و335 مصابًا.

وسجلت محافظة الجيزة 4 آلاف و39 مصابًا، فيما بلغ عدد المصابين في الإسكندرية ألفين و980 مصابًا، والبحر الأحمر ألفين و289 مصابًا، والمنوفية ألفين و33 مصابًا، ومطروح ألفًا و928 مصابًا، بينما جاءت بني سويف في نهاية القائمة بإجمالي ألف و175 مصابًا.

وبحسب النوع الاجتماعي، استحوذ الذكور على النسبة الأكبر من المصابين في جميع المحافظات، حيث سجلت الدقهلية أعلى عدد من المصابين الذكور بواقع 12 ألفًا و727 مصابًا مقابل ألفين و836 من الإناث، كما بلغ عدد المصابين الذكور في الشرقية 7 آلاف و200 مصاب مقابل ألف و764 من الإناث، وفي دمياط 5 آلاف و476 مصابًا مقابل ألف و130 من الإناث.

وأشار التقرير إلى أن محافظات الوجه البحري، وعلى رأسها الدقهلية والشرقية ودمياط والبحيرة، استحوذت على النصيب الأكبر من أعداد مصابي حوادث السيارات خلال عام 2024، مقارنة بعدد من محافظات الوجه القبلي والمحافظات الحدودية.

وتوضح الإحصائيات الرسمية والتقارير المرورية في مصر إلى أن الطريق الدائري والطريق الدائري الإقليمي يشهدان متوسطاً يقارب 100 حادث تصادم سنوياً، بمعدلات تتسبب في مئات الوفيات وآلاف الإصابات، وتختلف معدلات الحوادث والأرقام المرتبطة بها استنادًا إلى البيانات الحديثة.

البحث عن حلول عاجلة

وأكد الدكتور مجدي صلاح أنه فيما يتعلق بالحديث عن وجود فجوة بين سرعة تنفيذ مشروعات الطرق وتوفير عناصر الأمان الخاصة بالمشاة، على أن الطريق السريع الحر في الأصل لا يُفترض أن يحتوي على تقاطعات سطحية للمشاة، فإذا تم إنشاء معابر سطحية أو إشارات ضوئية للمشاة، فإن ذلك يؤدي إلى تعطيل الحركة المرورية وتقليل الكفاءة التشغيلية للطريق، مشيرًا إلى أن الطريق السريع صُمم أساسًا لتجنب التقاطعات المباشرة، وأي إضافة لمعابر سطحية أو إشارات ضوئية تعني عمليًا تقليل سرعته وقدرته الاستيعابية وتحويله إلى طريق أقل كفاءة، كما أن إنشاء تقاطعات سطحية يتطلب تجهيزات مرورية خاصة، من بينها الإشارات الضوئية والجزر الوسطى والعلامات التحذيرية التي تتيح لقائدي المركبات رؤية التقاطع من مسافات كافية لخفض السرعة بأمان.

ولبحث حل للأوضاع الراهنة قال:” إن الفصل الكامل بين حركة المركبات وحركة المشاة يظل الحل الأفضل من الناحية الهندسية والمرورية، فالسيارة التي تسير بسرعة تسعين كيلومترًا في الساعة على طريق قد لا يكون مضاءً بالدرجة الكافية ليلًا لا يمكن أن تتوقع ظهور مشاة بشكل مفاجئ، خاصة أن هذه الطرق لم تُصمم أصلًا لعبور المشاة أو لخدمة تجمعات سكنية نشأت بصورة عشوائية على جانبيها، ومن ثم يجب دراسة المواقع التي تشهد كثافات مرتفعة من حركة المشاة والعمل على توفير وسائل عبور آمنة بها، سواء من خلال الأنفاق أو الحلول الأخرى المناسبة، مع منع العبور السطحي على الطرق السريعة كلما أمكن ذلك”.

النمو العمراني العشوائي فرض واقعًا جديدًا على الطرق الحرة

وأشار مجددًا إلى أن التجمعات السكنية التي نشأت على جانبي الطريق الدائري لم تكن موجودة عند إنشائه، وإنما ظهرت لاحقًا نتيجة النمو العمراني العشوائي، وهو ما خلق طلبًا متزايدًا على عبور المشاة، وبالتالي فإن المطلوب اليوم ليس تغيير طبيعة الطريق السريع، وإنما معالجة الآثار الناتجة عن هذا النمو العمراني من خلال توفير وسائل عبور آمنة وفعالة، مضيفًا “في تقديري، فإن الاستمرار في إنشاء الأنفاق يمثل الحل الأكثر عملية في كثير من المواقع، خاصة أن التجربة أثبتت عزوف عدد كبير من المواطنين عن استخدام كباري المشاة بسبب مشقة الصعود والهبوط، أما الأنفاق فتُعد أكثر راحة للمستخدمين لأنها تمر أسفل الطريق ولا تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا، ولذلك أراها الخيار الأفضل كلما سمحت الظروف الفنية والتنفيذية بذلك.

واختتم “صلاح” أنه إذا توافرت الإمكانات، يمكن دعم بعض وسائل العبور بالمصاعد أو الوسائل المساعدة لتسهيل استخدامها من قبل كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. وفي جميع الأحوال، يجب التأكيد على أن الطرق السريعة لم تُصمم أساسًا لعبور المشاة، وأن ضمان السلامة المرورية يتطلب الفصل الكامل بين حركة المشاة وحركة المركبات مع توفير بدائل آمنة ومناسبة لجميع الفئات.

الأتوبيس الترددي.. يقضي على العشوائية

وأضاف الدكتور عماد نبيل، أنه خلال السنوات الأخيرة شهد هذا الملف تحسنًا ملحوظًا، حيث تم تنفيذ عدد كبير من كباري وأنفاق المشاة، لا سيما على الطريق الدائري وفي محيط محطات الأتوبيس الترددي “BRT”، إذ جرى توفير وسائل عبور آمنة في معظم المحطات، مع تقارب المسافات بينها بما يحد من الحاجة إلى العبور العشوائي، وفي المناطق الواقعة بين المحطات، إذا ظهرت احتياجات جديدة نتيجة إنشاء منشآت أو تجمعات سكانية أو خدمية، تتم دراسة الموقف واتخاذ القرار المناسب بشأن إنشاء معبر إضافي، مع إمكانية مساهمة الجهات المستفيدة في التكلفة وفقًا لكل حالة، ولا يقتصر الأمر على الطرق السريعة فقط، بل يمتد أيضًا إلى الشوارع الرئيسية الواسعة داخل المدن، فعلى سبيل المثال، شهد شارع التسعين بالقاهرة الجديدة تركيب إشارات ضوئية لعبور المشاة وتخصيص ممرات واضحة لهم، وهو ما ساهم في تحسين مستوى الأمان وتقليل اضطرار المواطنين إلى عبور الطريق بصورة غير آمنة، دون الحاجة إلى إنشاء كباري أو أنفاق في بعض المواقع.

السلالم الخشبية حلول شعبية تفتقر معايير السلامة
وفيما يتعلق بقيام بعض الأهالي بإنشاء سلالم خشبية غير آمنة للوصول إلى الطريق الدائري أو النزول منه، أكد “نبيل” أن ذلك لا يعكس بالضرورة وجود خلل في تخطيط الطريق، وإنما يرتبط في كثير من الأحيان بمحاولة المواطنين الحفاظ على أنماط الحركة القديمة ونقاط التجمع المعتادة، خاصة المرتبطة بخطوط الميكروباص السابقة، موضحًـا أنه بجوار الطريق الدائري يوجد طرق مجاورة تسمى طرق خدمة الأهالي الداخلية، وليس من المفترض أن يكون الطريق الدائري مكان لتواجد المشاة عليه، لكن في بعض المواقع، اعتاد المواطنون استخدام نقاط معينة للركوب والنزول من الميكروباصات بشكل غير رسمي، وعندما جرى فصل طرق الخدمة عن الطريق الرئيسي أو إعادة تنظيم الحركة المرورية، ظهرت محاولات من بعض الأهالي للعودة إلى أنماط الحركة القديمة، فقام البعض بإنشاء سلالم خشبية أو وسائل عبور غير آمنة للوصول إلى أماكن التجمع المعتادة، وهذا السلوك لا يعني بالضرورة وجود خطأ في التصميم، بقدر ما يعكس تمسكًا بنمط استخدام سابق للطريق.

وأوضح أن الحل في هذه الحالات يتمثل في مراجعة الدراسات المرورية والكثافات السكانية وحركة المواطنين الفعلية، للتأكد مما إذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى إنشاء وسيلة عبور إضافية أو نقطة خدمة جديدة في هذا الموقع من عدمه فإذا أثبتت الدراسات وجود طلب مرتفع ومستمر، يمكن دراسة توفير حلول هندسية مناسبة وآمنة، مع الأخذ في الاعتبار أن منظومة النقل الجديدة لا تزال في مرحلة الانتقال والتشغيل التدريجي، ومع اكتمال تشغيل الأتوبيس الترددي وإعادة تنظيم خطوط النقل الجماعي، ستتغير تدريجيًا أنماط الحركة والتجمعات التي كانت قائمة سابقًا حول مواقف الميكروباص العشوائية.

ولفت إلى أن تجارب النقل الجماعي الكبرى تؤكد ذلك؛ فمترو الأنفاق على سبيل المثال أعاد تشكيل خريطة الحركة داخل القاهرة الكبرى على مدار سنوات، فبدلًا من الاعتماد على نقاط تجمع عشوائية، أصبحت الحركة مرتبطة بالمحطات الرسمية وشبكات النقل المغذية لها، سواء عبر السير لمسافات قصيرة أو استخدام وسائل نقل محلية للوصول إلى أقرب محطة، متوقعًا أن يؤدي مشروع الأتوبيس الترددي الدور نفسه على الطريق الدائري، حيث جرى اختيار المحطات في مواقع قريبة من التجمعات السكنية والخدمية، وربطها بكباري وأنفاق للمشاة وطرق خدمة مناسبة، بما يضمن انتقالًا أكثر أمانًا وتنظيمًا، والهدف النهائي هو الانتقال من حالة العشوائية في التوقف والتحميل والتنزيل إلى منظومة نقل حديثة ومنظمة، تقلل الحوادث والاختناقات المرورية، وترفع كفاءة الخدمة ومستوى الأمان للمواطنين.

واختتم “نبيل” قائلا:” لا شك أن استمرار بعض الممارسات العشوائية في النقل الجماعي يمثل تحديًا حقيقيًا، وهو ما تسعى الدولة إلى معالجته تدريجيًا من خلال تطوير البنية التحتية وتوفير بدائل نقل جماعي أكثر كفاءة وأمانًا، مع منح الوقت الكافي لاستكمال المشروعات الجديدة وتقييم نتائجها على أرض الواقع”.