
لم يكن رد وزير الإعلام الإريتري على المقال الذي نشره جيتاتشو ردا، مستشار الشؤون الأفريقية بالحكومة الإثيوبية، إلى جانب عدد من من المسؤوليين الإثيوبيين خلال الأيام الماضية في إحدى المنصات الإخبارية الدولية، مجرد تعقيب سياسي على رواية مغايرة لأحداث حرب تيجراي أو لاتفاق بريتوريا بل حمل في مضمونه مؤشرات مهمة بشأن طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها العلاقات الإريترية الإثيوبية.
فالتصريحات الإريترية الأخيرة تعكس حجم التحولات التي طرأت على العلاقة بين البلدين بعد سنوات من التقارب السياسي والعسكري، كما تكشف عن تصاعد حالة الشكوك المتبادلة واتساع نطاق الخلافات حول ملفات تتجاوز إرث الماضي وتداعيات الحرب، لتلامس قضايا أكثر حساسية ترتبط بمستقبل التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

إعادة صياغة رواية الحرب
سعى يماني ميسكل وزير الإعلام الإريتري، من خلال رده إلى تثبيت الرواية الرسمية لبلاده بشأن حرب تيجراي، مؤكدًا أن إريتريا دخلت الحرب استجابة لطلب من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، وفي إطار مواجهة تهديدات اعتبرتها مباشرة لأمنها القومي، كما حرص على التذكير بالمواقف التي عبرت عنها قيادات إثيوبية خلال الحرب وبعدها، والتي أشادت بالدور الإريتري في دعم القوات الفيدرالية خلال المواجهات العسكرية.
وتحمل هذه الرسائل دلالى سياسية مهمة، إذ تسعى أسمرة إلى مواجهة محاولات متزايدة داخل إثيوبيا لإعادة تفسير الحرب وتحميل إريتريا جزءًا من مسؤولية تداعياتها السياسية والإنسانية، كما تعكس رغبة إريترية في منع تحول سردية الحرب إلى أداة سياسية تستخدم لتبرير سياسات جديدة أو إعادة بناء تحالفات داخلية على حساب العلاقات الثنائية.
لكن اللافت أن الرد الإريتري لم يتوقف عند حدود الماضي، بل انتقل سريعًا إلى الحاضر، حيث ركز على ما تعتبره أسمرة جوهر الأزمة الراهنة بين البلدين.
اتفاق بريتوريا .. خلاف حول ما بعد الحرب
رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى رسميًا الحرب في إقليم تيجراي، فإن الاتفاق ما زال يمثل أحد الملفات الخلافية في العلاقات الإريترية الإثيوبية.
وتؤكد أسمرة أن الاتفاق كان شأنًا إثيوبيًا داخليًا بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، وأنها لم تكن طرفًا مباشرًا فيه، وبالتالي لا يمكن تحميلها مسؤولية أي تعثر أو خلافات تتعلق بتنفيذه، ومن هذا المنطلق، جاء رفضها للاتهامات التي تتهمها بالسعي إلى تقويض الاتفاق أو إضعاف نتائجه.
غير أن أهمية هذه النقطة لا تكمن في الاتفاق نفسه، بل فيما تكشفه من تراجع واضح في مستوى الثقة بين الطرفين، فالعلاقة التي شهدت تقاربًا غير مسبوق عقب اتفاق السلام بين أسمرة وأديس أبابا عام 2018، ثم تعززت خلال حرب تيجراي، دخلت اليوم مرحلة جديدة من الحذر والشكوك المتبادلة.

البحر الأحمر .. جوهر التوتر الحقيقي
بعيدًا عن السجالات المرتبطة بالحرب واتفاق السلام، يبدو أن الملف الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين يتمثل في قضية الوصول إلى البحر الأحمر.
فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993م، تنظر إلى هذه القضية باعتبارها تحديًا استراتيجيًا يؤثر على مستقبلها الاقتصادي والتجاري، وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد الخطاب الإثيوبي الذي يتحدث عن ضرورة إيجاد حلول مستدامة تضمن للبلاد منفذًا بحريًا أكثر استقرارًا.
في المقابل؛ تنظر إريتريا إلى هذه الطروحات بحذر شديد، خاصة عندما تقترن بتصريحات تتحدث عن “حق سيادي” أو ضرورة استراتيجية، وتخشى أسمرة أن تتحول هذه الطروحات إلى أساس سياسي لمطالب مستقبلية تمس الوضع الجغرافي والقانوني القائم في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم تركيز وزير الإعلام الإريتري على الربط بين الخطاب الإثيوبي الحالي وبين تصاعد التوترات الإقليمية، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في اتفاق بريتوريا أو الخلافات التاريخية، بل في محاولات إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية في البحر الأحمر.
مذكرة أرض الصومال وإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي
ضمن هذا السياق؛ لا يمكن فصل الموقف الإريتري عن التطورات المرتبطة بمذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال مطلع عام 2024، والتي أثارت جدلًا واسعًا داخل المنطقة.
فبينما ترى أديس أبابا أن الاتفاق يأتي في إطار البحث عن بدائل اقتصادية واستراتيجية لتسهيل الوصول إلى البحر، تنظر إليه أسمرة باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة توزيع النفوذ في القرن الأفريقي.
وتعكس هذه القراءة الإريترية مخاوف متزايدة من أن تؤدي التحركات الإثيوبية إلى تغيير موازين القوى التقليدية في المنطقة، خاصة في ظل تراجع الاستقرار الإقليمي وتزايد التدخلات الخارجية في ملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

صراع نفوذ في بيئة إقليمية مضطربة
تأتي هذه الخلافات في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تواجه المنطقة سلسلة من الأزمات المتداخلة، بدءًا من الحرب المستمرة في السودان، مرورًا بالتحديات الأمنية في الصومال، ووصولًا إلى التنافس الدولي المتزايد على الممرات البحرية الاستراتيجية.
وفي ظل هذه البيئة المضطربة، لم تعد الخلافات الإريترية الإثيوبية مجرد شأن ثنائي، بل أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي.
كما أن موقع البلدين يمنحهما أهمية خاصة في الحسابات الإقليمية والدولية، فإثيوبيا تمثل إحدى أكبر القوى السكانية والاقتصادية في أفريقيا، بينما تمتلك إريتريا موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر يجعلها لاعبًا مهمًا في معادلات الأمن البحري.
إلى أين تتجه العلاقات بين البلدين؟
تكشف تصريحات وزير الإعلام الإريتري أن الخلاف الحالي يتجاوز حدود التباين السياسي التقليدي، ليعبر عن صراع أعمق يتعلق بمستقبل النظام الإقليمي في القرن الأفريقي، فبينما تسعى إثيوبيا إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية وتعزيز دورها الإقليمي بما يتناسب مع ثقلها الديموغرافي والاقتصادي، تتمسك إريتريا بالحفاظ على التوازنات القائمة ورفض أي ترتيبات ترى أنها قد تمس سيادتها أو تقلص من أهميتها الجيوسياسية.
وعلى المدى القريب؛ يبدو أن سيناريو استمرار التوتر السياسي والإعلامي هو الأكثر ترجيحًا، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على وجود حوار استراتيجي قادر على معالجة الملفات الخلافية، لكن استمرار هذا المسار يحمل مخاطر إضافية علة منطق تعاني بالفعل من أزمات أمنية وسياسية معقدة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أسمرة وأديس أبابا لا يتمثل في إدارة خلافاتهما الحالية فحسب، بل في القدرة على منع تحول التنافس الجيوسياسي إلى صراع مفتوح قد تكون تداعياته أوسع بكثير من حدود البلدين، وتمتد إلى مجمل معادلات الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.








