
أعلن رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، أمس الأحد، عن اتفاق إطاري لإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات نووية بعد 107 أيام من الحرب، واتفقت الولايات المتحدة وإيران على إطار عمل يمدد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وكان من المتوقع توقيع الاتفاق إلكترونيًا الأحد، بعد وساطة باكستان وقطر، وقال رئيس الوزراء الباكستاني شريف، ومسؤولون إيرانيون إن مراسم التوقيع الرسمية ستقام الجمعة المقبل في سويسرا.
وأعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن:” الحرب والعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ستنتهي فورًا وبشكل نهائي ابتداءً من هذه الليلة”، وأضاف البيان:” لن تُجرى المفاوضات بشأن اتفاق نهائي إلا بعد أن ينفذ الطرف الآخر التزاماته بموجب مذكرة التفاهم”.
يأتي هذا الاتفاق بعد مرحلة أخيرة متوترة، شنت فيها إسرائيل غارات على أهداف تابعة لحزب الله في بيروت قبل ساعات من التوقيع المتوقع، مما دفع إيران إلى التهديد بالانسحاب من الاتفاق، وسارع المفاوضون الأمريكيون بالتعاون مع وسطاء قطريين وباكستانيين، إلى تجنب هجوم إيراني على إسرائيل كان من شأنه أن يثير ردًا إسرائيليًا وربما يفشل الاتفاق.
لذا يواجه الاتفاق -المقرر أن يوقع رسميًا الجمعة في سويسرا- تخوفات قد تعرقل التوقيع، خاصة مع التحركات التآمرية التي يهدف من ورائها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لعدم التواصل لاتفاق ينهي الحرب مع إيران، وكذلك الألاعيب التي يتبعها الرئيس الأمريكي ترامب، منذ تفجر الصراع مع إيران خاصة فيما يخص تصريحاته المتناقضة ما بين التصعيد والتهدئة، وفي الجهة المقابلة يتعامل المتشددون في إيران بقيادة الحرس الثوري برغبة انتقامية وثأرية ورغبته المتشدون في عدم التوصل لاتفاق.

ماذا يعني الاتفاق؟
ينص الاتفاق على أن تتفاوض الولايات المتحدة وإيران خلال فترة الستين يومًا بشأن تخصيب اليورانيوم الإيراني، والتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب وتجميد برنامجها النووي ومراقبته في المستقبل، وستناقش الولايات المتحدة تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، ومن المتوقع أن يكون تخفيف العقوبات مرتبطًا بالتزام طهران.
يهدف الاتفاق إلى استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان ينقل قبل الحرب نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلا أنه تبقي القضايا النووية الرئيسية قيد التفاوض خلال الشهرين المقبلين، وقد لا يُعاد فتح المضيق بالكامل على الفور، فإزالة الألغام وإصلاح البنية التحتية وضمان الأمن، قد تستغرق وقتًا قبل العودة الكاملة إلى مستويات حركة الملاحة قبل الحرب.
ويصر الجانب الأمريكي على أن إيران لديها حافز للتوصل إلى اتفاق نهائي لأن تخفيف العقوبات والوصول إلى الأموال المجمدة يعتمدان على إحراز تقدم في الملف النووي، بينما يخشى بعض المتشددين في الولايات المتحدة وإسرائيل من عدم التوصل إلى اتفاق نهائي وأن الحرب ستستمر، وأن ينتهي الأمر ببقاء المسائل النووية دون حل.

تصريحات الجانب الأمريكي
قال الرئيس “ترامب” في مقابلة بعد ظهر أمس الأحد، إن الاتفاق الذي توصل إليه مع إيران سيضمن في نهاية المطاف أن يكون مضيق هرمز مفتوحًا بشكل دائم، وأكد أنه على الرغم من اعتراضات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد أنقذ إسرائيل من الدمار النووي.
كما أصر “ترامب” على أنه إذا فشلت إيران في التوصل إلى اتفاق نووي نهائي مع الولايات المتحدة، وهي عملية يتوقع مساعدوه أن تبدأ يوم الجمعة في سويسرا، فإنه سيستأنف الهجمات العسكرية على طهران، أو سيجعل الولايات المتحدة “حامية الشرق الأوسط” مقابل 20% من عائدات المنطقة ـ في إشارة إلى الدور الذي لطالما أحبت واشنطن لعبه وهو “شرطي العالم”-.
وقال السيناتور الجمهوري “ليندسي غراهام” المعروف بموقفه المتشدد تجاه إيران، إنه سيتابع عن كثب تطورات المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وكتب “غراهام” في منشور على موقع X:” أشعر ببعض القلق لأن وجهة نظر إيران بشأن الاتفاق تبدو مختلفة عما يدعيه فريق التفاوض الأمريكي”.
وانتقد كبير الديمقراطيين في لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب “جريجوري ميكس” الحرب ووصفها بأنها مضللة وضارة بالمصالح الأمريكية، لكنه رحب بتوجه إدارة “ترامب” نحو الدبلوماسية.

الإشادة بدور “شي” و”بوتين”
وفي حديثه بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، أشاد “ترامب” برئيسين، الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لمساهمتهما في التوصل إلى تسوية، أو على الأقل لعدم تدخلهما في حصار المضيق.
وقال ترامب عن الرئيس شي الذي زاره في بكين الشهر الماضي: “لقد كان مثالاً للشهامة”، لم يرسل ناقلة نفط إلى جانب عشرين مدمرة على كل جانب لمحاولة كسر الحصار، وهو عمل كان من شأنه أن يدخل البحرية الصينية والأمريكية في صراع محتمل.

الانتقاد لـ”نتنياهو”
لدى “نتنياهو” الدوافع السياسية الداخلية الخاصة به لمواصلة الصراع مع إيران ووكلاؤها في المنطقة، بما في ذلك استمرار الحرب مع حزب الله اللبناني، وانتقد بشدة “نتنياهو” لشنه هجمات كادت أن تفشل الاتفاق النهائي، وقال “ترامب” عن رئيس الوزراء الإسرائيلي:” إنه رجل صعب المراس، وبصراحة، عليه أن يكون ممتنًا لنا جدًا على ما فعلناه، لأنه لو امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، لما صمدت إسرائيل ساعتين”.
وقد تصادم “ترامب” و”نتنياهو” مرارًا وتكرارًا بشأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، والتي استمرت في إطار اتفاق وقف إطلاق نار منفصل تم تجاهله في كثير من الأحيان، وقبل أسبوعين أفادت التقارير أن “ترامب” وصفه بأنه “مجنون تمامًا” بعد شن غارة على بيروت مضيفًا:” كنت ستكون في السجن لولا تدخلي”، وبعد الضربة الأخيرة في نهاية الأسبوع، قال إن نتنياهو “يفتقر إلى الحكمة تمامًا”.

تصريحات الجانب الإيراني
صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، لوسائل الإعلام الإيرانية بأن نص مذكرة التفاهم قد تمت صياغته النهائية، وأضاف أن بعض التعديلات التي طلبت طهران إدخالها على نص مذكرة التفاهم قد قبلت بعد تصعيد يوم الأحد في لبنان.
قال غريب آبادي، إن التهديدات الصادرة عن القوات المسلحة الإيرانية ساعدت في تيسير التقدم في المفاوضات وساهمت في وضع الصيغة النهائية للنص، وأضاف أن هذا الأمر ساهم في حل العديد من القضايا التي ظلت عالقة خلال المفاوضات، وقال غريب آبادي:” كانت القوات المسلحة مستعدة للرد الحاسم”، وأوضح غريب آبادي أن المفاوضات بشأن النص استمرت حتى فجر الأحد بتوقيت شرق الولايات المتحدة وبعدها أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شريف عن الاتفاق.

الوضع داخل إيران
أبدى المتشددون الإيرانيون رفضًا قاطعًا للاتفاق مع الولايات المتحدة، زاعمين أنه لا يضمن تخفيف العقوبات أو التعويضات أو السيطرة على مضيق هرمز، وقال النائب الإيراني “كامران غضنفري”:” إن ادعاءهم بأننا انتصرنا وأن أمريكا تراجعت محض كذب”، ووصف المدير التنفيذي لوكالة راجان نيوز وصهر الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي “ميثم نيلي” الاتفاق المطروح بأنه استسلام كارثي، وحث الإيرانيين على عدم التزام الصمت.
ينتمي المنتقدون في إيران الذين يوجهون انتقاداتهم إلى “محمد باقر قاليباف” ووزير الخارجية “عباس عراقجي” إلى مجموعة في البرلمان ملتفة حول جبهة بايداري” واحدة من أبرز وأشد التيارات السياسية الأصولية تشددًا داخل إيران، تأسست عام 2011 وتعرف بمواقفها المتصلبة في الداخل والخارج، ولعبت دورًا محوريًا في عرقلة وتخريب أي مساعٍ للتفاوض أو إبرام اتفاقيات مع الولايات المتحدة والدول الغربية”، والتي تضم “محمود نبويان” العضو المتشدد في لجنة الأمن القومي، ومعلقين مثل “حسين شريعتمداري” رئيس تحرير صحيفة كيهان، وقائد كبير في الحرس الثوري الإسلامي عمل إلى جانب روسيا في سوريا.

الترحيب الإقليمي والدولي بالاتفاق
أشاد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، الذي ساهم في الوساطة مع باكستان بهذا الإنجاز، وشكر باكستان وحث على إجراء مفاوضات إيجابية وبناءة.
كمارحب القادة الأوروبيون من المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا (E4) بالاتفاق ودعوا إلى تنفيذه سريعًا، ودعوا أيضًا إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل عاجل، وأكدوا دعمهم لسيادة لبنان واستقراره، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يستعد لاستقبال قادة مجموعة السبع للاجتماع في إيفيان، إن المحادثات ستركز على إعادة فتح مضيق هرمز على المدى الطويل.
وفي بيان مشترك قال رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” إن الاتفاق خطوة بالغة الأهمية نحو إنهاء الحرب، كما أكد على ضرورة التركيز الآن على ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للتخفيف من الأثر الاقتصادي، وإتمام بنود الاتفاق النووي، وأضاف “ستارمر” أن الدول الأربع مستعدة لرفع العقوبات ذات الصلة ردًا على خطوات واضحة وقابلة للتحقق من جانب إيران في برنامجها النووي.
ووصف الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” الاتفاق بأنه خطوة حاسمة، وقال المتحدث باسمه “ستيفان دوجاريك” إنه يأمل أن تبني الأطراف على هذا الزخم وتضاعف جهودها نحو التوصل إلى حل نهائي للنزاع.

مصير لبنان الغامض
يشكل الصراع بين إسرائيل وحزب الله، عقبة مستمرة أمام إنهاء الحرب مع إيران، وصرح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، عقب الإعلان عن الاتفاق، بأن الطرفين أعلنا الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل، قد وافقت على هذا الشرط.
وحذر وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس”الجمعة الماضي، من أن إسرائيل لا تزال قادرة على التصرف بشكل مستقل تجاه إيران، وأنها لن تنسحب من المناطق التي تحتلها في لبنان وسوريا وغزة، ولن تنسحب أيضًا من مخيمات اللاجئين الشمالية في الضفة الغربية المحتلة.
يمكن القول إن الحرب ستنتهي وأن قتل الناس وقصف الأهداف لم يحقق شئ، فالنظام قائم في طهران، والمضيق تحت سيطرة طهران، ولازالت إيران تمتلك مخزون ضخم من الصواريخ والطائرات المسيرة، أي بعبارة أخرى حققت إيران أهدافها الاستراتيجية والتى على رأسها بقاء النظام، بينما لم تحقق واشنطن أي من أهدافها، فهي لم تنزع السلاح النووي إلى الآن، وتسببت في إغلاق مضيق هرمز، والذي كان مفتوحًا قبل إعلان الحرب، لذا فإن تهنئة “ترامب” لنفسه بإحباط القنبلة النووية الإيرانية وفتح المضيق هو أشبه بالنكتة.
تخلف الحرب إيران منهكة، لكنها أكثر قوةً ولديها سيولة نقدية أكبر، بينما تخلف أمريكا أضعف مع استنزاف مخزونها المهم من الأسلحة، ودفع المستهلكين ثمن الحرب في أسعار الوقود.





