
في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لمستقبل العملية السياسية في جنوب السودان، وصل الممثل السامي للاتحاد الأفريقي لمنطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، جاكايا كيكويتي، إلى العاصمة جوبا اليوم الخميس، لإجراء مشاورات سياسية رفيعة المستوي تستهدف دفع تنفيذ اتفاق السلام المتعثر، وتجاوز العقبات التي تواجه المرحلة الانتقالية، وسط مخاوف متزايدة من اتساع فجوة الخلافات بين القوى السياسية وتأجيل الاستحقاقات الدستورية والانتخابية.
وتعكس الزيارة إدراكًا متناميًا داخل الاتحاد الأفريقي بأن جنوب السودان يقف اليوم عند نقطة فاصلة، بعد سنوات من التباطؤ في تنفيذ بنود اتفاق السلام المنشط لعام 2018 بين طرفي النزاع الحكومة والمعارضة ، الذي أنهى رسميًا الحرب الأهلية لكنه لم ينجح حتى الآن في معالجة جذور الأزمة السياسية والأمنية بشكل كامل.
اتفاق 2018 بين الإنجاز النطري والتعثر الميداني
منذ توقيع الاتفاق بين سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان ومنافسه السياسي رياك مشار نائب رئيس الدولة والمعارض الأقوي، اعتبر كثيرون أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار، إلا أن الواقع كشف عن استمرار فجوة كبيرة بين النصوص الموقعة والتنفيذ الفعلي على الأرض.
فملفات محورية مثل توحيد القوات المسلحة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واستكمال المؤسسات الانتقالية، وصياغة الدستور الدائم، ظلت تواجه عراقيل سياسية وفنية متكررة، ما أدى إلى تمديد المرحلة الانتقالية وتأجيل الانتخابات أكثر من مرة.
ومع استمرار هذه التحديات، أصبحت المخاوف تتزايد من أن يتحول التأخير المستمر إلى مصدر تهديد مباشر للاستقرار السياسي، خاصة في ظل تصاعد التوترات بين مكونات السلطة الانتقالية وبعض فصائل المعارضة.
من دار السلام إلى جوبا.. كيكويتي يجمع خيوط التسوية
لا تأتي زيارة زيارة كيكويتي إلى جوبا بمعزل عن تحركات سياسية أوسع قادها خلال الأسابيع الماضية، فقد أجرى المبعوث الأفريقي مشاورات موسعة في العاصمة التنزانية دار السلام مع عدد من القوى السياسية والعسكرية المعارضة، شملت تحالفات وفصائل لا تزال لديها تحفظات على مسار تنفيذ اتفاق السلام.
ويشير هذا المسار إلى أن الاتحاد الأفريقي يسعى لتوسيع دائرة الحوار وعدم الاكتفاء بالتواصل مع الأطراف الموجودة داخل الحكومة الانتقالية، إدراكًا منه أن أي تسوية مستدامة تتطلب إشراك جميع القوى الفاعلة في المشهد السياسي والأمني.
كما تعكس هذه التحركات رغبة أفريقية في بناء توافق سياسي جديد يمنع انزلاق البلاد إلى حالة من الاستقطاب قد تعرقل ما تبقى من العملية الانتقالية.
الترتيبات الأمنية والدستور
رغم مرور سنوات على توقيع اتفاق السلام، لا تزال قضية توحيد القوات المسلحة تمثل أبرز التحديات أمام الحكومة الانتقالية، فغياب جيش وطني موحد يثير مخاوف مستمرة بشأن احتمالات عودة التوترات المسلحة، خاصة في المناطق التي تشهد انتشارًا لقوات تابعة لأطراف مختلفة.
وبالتوازي مع ذلك، تواجه عملية إعداد الدستور الدائم تحديات سياسية معقدة تتعلق بطبيعة نظام الحكم ومستقبل توزيع السلطة بين المكونات المختلفة، وهي قضايا ترتبط بشكل مباشر بمستقبل الدولة الجنوب سودانية نفسها.
ولهذا يركز الاتحاد الأفريقي خلال تحركاته الحالية على دفع الأطراف نحو تحقيق تقدم ملموس في هذين الملفين باعتبارهما المدخل الأساسي لأي انتقال سياسي ناجح.
الانتخابات المؤجلة.. استحقاق سياسي أم بوابة لأزمة جديدة؟
تمثل الانتخابات العامة المرتقبة أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الحالية، فبينما تطالب أطراف داخلية وإقليمية بالإسراع في تنظيمها، يرى مراقبون أن إجراء الانتخابات دون استكمال الترتيبات الأمنية والدستورية قد يفتح الباب أمام نزاعات جديدة بدلاً من أن يشكل مخرجًا للأزمة.
في المقابل، فإن استمرار التأجيل يهدد بإضعاف شرعية المؤسسات الانتقالية ويزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه النخبة السياسية، ما يضع القيادة السياسية أمام معادلة معقدة بين ضرورة الالتزام بالاستحقاقات الدستورية وضمان تهيئة الظروف المناسبة لإجرائها.
الاتحاد الأفريقي يتحرك قبل فوات الأوان
تكتسب مهمة “كيكويتي” أهمية إضافية في ضوء الدعم الذي تحظى به من قيادة الاتحاد الأفريقي، فقد أكددت نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، سلمى مليكة حدادي، خلال لقائها الأخير بالمعبوث الأفريقي في أديس أبابا، استمرار التزام المنظمة القارية بدعم تنفيذ اتفاق السلام وتعزيز جهود “إسكات البنادق” في جنوب السودان.
ويعكس هذا الموقف قناعة أفريقية بأن استقرار جنوب السودان لم يعد قضية محلية فحسب، بل بات جزءًا من معادلة الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
جنوب السودان في قلب معادلات الأمن الإقليمي
لا يمكن فصل التحرك الأفريقي عن التطورات الإقليمية المتسارعة في القرن الأفريقي، حيث تشهد المنطقة أزمات متداخلة في السودان وإثيوبيا والصومال، وهو ما يجعل أي اضطراب جديد في جنوب السودان عاملًا إضافيًا لزيادة حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وتدرك العواصم الأفريقية أن انهيار العملية السياسية في جوبا قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة، ويؤثر على أمن الحدود، ويزيد من هشاشة البيئة الأمنية في منطقة تعد بالفعل من أكثر مناطق القارة تعقيدًا.
بين ضغوط الداخل وتحديات الإقليم.. هل تنجح الوساطة الأفريقية؟
رغم الزخم الدبلوماسي الحالي، تبقى فرص النجاح مرهونة بمدى استعداد القوى السياسية الجنوب سودانية لتقديم تنازلات حقيقية تتجاوز الحسابات الضيقة، فالوساطات الإقليمية والدولية نجحت في توفير أطر للحوار خلال السنوات الماضية، لكن تنفيذ الالتزامات ظل التحدي الأكبر.
ومع اقتراب البلاد من استحقاقات سياسية مؤجلة منذ سنوات، تبدو جوبا أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما استكمال مسار السلام وبناء مؤسسات دولة مستقرة وقادرة على إدارة التنوع السياسي والعرقي، أو العودة إلى دوامة الأزمات التي رافقت الدولة الوليدة منذ استقلالها عام 2011.
وفي هذا السياق، قد تمثل زيارة كيكويتي فرصة أخيرة لإعادة الزخم إلى اتفاق السلام، لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة النخب السياسية في جنوب السودان على تغليب منطق الدولة والاستقرار على حسابات الصراع وتقاسم النفوذ.







