
مع بداية عام 2026، تبدو منطقة الساحل الإفريقي أمام مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع الأمني، حيث لم تعد الهجمات الإرهابية مجرد عمليات كر وفر تنفذها جماعات مسلحة في مناطق صحراوية بعيدة، بل أصبحت تحمل طابعًا استراتيجيًا يستهدف رموز الدولة ومراكزها العسكرية والسيادية.
وتأتي مالي في قلب هذه المعادلة باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية داخل تحالف دول الساحل (AES)، والذي يضم باماكو والنيجر وبوركينا فاسو، والذي حاول تقديم نفسه كإطار أمني وسياسي قادر على إدارة ملف الإرهاب بعيدًا عن المنظومات الإقليمية التقليدية.
لكن التطورات خلال الأشهر الأولى من العام تكشف أن التحدى أكبر من مجرد مواجهة عسكرية، فالجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة في الساحل نجحت في الحفاظ على قدرتها العملياتية، بل وتطوير أساليبها من خلال عمليات أكثر تنسيقًا واستهدافًا لمناطق ذات أهمية سياسية وعسكرية.
وفقًا لبيانات رصد النزاعات وتحليلات مراكز الدراسات، شهد الساحل خلال عام 2026 تصاعدًا في الهجمات المنسقة، خاصة من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظم القاعدة، والتي أصبحت من أكثر الجماعات المسلحة تأثيرًا في غرب إفريقيا، بالتوازي مع نشاط تنظيم الدولة في الساحل. وتشير تقديرات الرصد إلى أن موجات التصعيد خلال الأشهر الأولى من العام خلفت مئات القتلى في مواجهات داخل مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
مالي.. الحرب من الأطراف إلى اختبار قلب الدولة
المشهد المالي يعكس تحولاً مهمًا؛ فبعد سنوات من تركيز الجماعات المسلحة على شمال ووسط البلاد، بدأت الهجمات تأخذ بعدًا أكثر جرأة عبر استهداف مواقع مرتبطة مباشرة بالسلطة العسكرية.
وفي أبريل 2026، شهدت مالي موجة هجمات واسعة استهدفت عدة مناطق، بينها محيط العاصمة باماكو ومواقع عسكرية في كاتي ومناطق أخرى، في عمليات وصفت بأنها من أكثر الهجمات تنسيقًا خلال السنوات الأخيرة، كما ارتبطت هذه التطورات بمقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا خلال موجة الهجمات، وفق تقارير رصد الصراع.
أهمية هذه التطورات سياسيًا لا ترتبط فقط بالخسائر البشرية، وإنما بالرسالة التي تحملها: الجماعات المسلحة تريد إثبات أنها قادرة على الوصول إلى مراكز القوة، وليس فقط السيطرة على مناطق هامشية، وهذا يمثل تحدياً مباشراً للسردية التي تبنتها السلطات العسكرية في مالي حول استعادة السيطرة وتعزيز السيادة الأمنية.

الأرقام تكشف حجم الاستنزاف
رغم صعوبة الوصول إلى إحصاء موحد بسبب طبيعة الحرب المفتوحة، فإن المؤشرات العامة تظهر حجم الضغط وتصاعد العمليات للتنظيم المتطرفة كالأتي:
– عمليات مسلحة واسعة في مالي خلال 2026 استهدفت مواقع عسكرية ومدناً استراتيجية.
– تصاعد نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عبر مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع قدرة أكبر على تنفيذ هجمات متزامنة.
– استمرار سقوط قتلى من القوات الحكومية والمدنيين في منطقة الساحل نتيجة توسع رقعة العمليات.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم العنف، بل تكشف أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على فرض وجودها في مناطق شاسعة ذات حدود مفتوحة.
هجوم مطار نيامي.. ضربة رمزية لتحالف الساحل
جاء الهجوم على مطار ديوري هاماني الدولي في العاصمة النيجرية نيامي في يونيو 2026، ليضيف بعدًا جديداً للأزمة.
فقد أعلنت السلطات النيجرية أن الهجوم أسفر عن مقتل 11 من قوات الدفاع والأمن ومدنيين اثنين، بينما قتل 22 من المهاجمين، مع توقيف نحو 20 مشتبهًا بهم.
لكن القيمة السياسية للهجوم تتجاوز عدد الضحايا؛ فاختيار مطار العاصمة هدفًا يعكس محاولة ضرب منشأة استراتيجية مرتبطة بصورة الدولة وهيبتها، كما أن المطار يحمل أهمية عسكرية لكونه مرتبطًا بالبنية الأمنية الإقليمية لتحالف الساحل.

تحالف دول الساحل.. بين خطاب الاستقلال الأمني وواقع الميدان
منذ تأسيس تحالف دول الساحل؛ حاولت حكومات مالي والنيجر وبوركينا فاسو تقديم نموذج جديد يقوم على التعاون العسكري المشترك ورفض الاعتماد الكامل على القوى الخارجية، لكن استمرار الهجمات يضع هذا النموذج أمام اختبار حقيقي.
فالمشكلة الأساسية ليست في غيات القوة العسكرية فقط، وإنما في طبيعة البيئة التي تعمل فيها هذه الجيوش، مساحة جغرافية ضخمة، حدود صعبة المراقبة، مجتمعات تعاني من الفقر وضعف الخدمات، وهو ما يمنح الجماعات المسلحة قدرة على التجنيد والتحرك.
كما أن الجماعات الإرهابية استفادت من الفراغات الأمنية والاجتماعية، حيث لا تعتمد فقط على السلاح، بل تستخدم النفوذ المحلي والسيطرة على طرق التجارة والموارد غير الرسمية كوسائل لبناء نفوذ طويل الأمد.
البعد السياسي: الإرهاب أصبح أزمة شرعية
أكبر خطر تواجهه مالي وحلفاؤها أن يتحول الإرهاب من تهديد أمني إلى أزمة شرعية سياسية، فكل هجوم كبير يفتح سؤالًا داخليًا حول قدرة الدولة على حماية مواطنيها، ويضع الحكومات أمام تحدي إثبات أن التحالفات الجديدة قادرة على تقديم نتائج ملموسة.
وبالتالي فإن المعركة في الساحل ليست فقط بين جيوش وجماعات مسلحة، بل هي صراع على نموذج الدولة نفسه: هل تستطيع الحكومات العسكرية بناء مؤسسات أمنية قادرة على ملء الفراغ؟ أم ستستمر الجماعات المسلحة في توسيع نفوذها مستفيدة من ضعف الدولة؟






