البيت ليس دائمًا آمنًا.. الصحة النفسية في مواجهة العنف الأسري

أرقام رسمية تكشف.. ربع المصريين يعانون أعراضًا واضطرابات نفسية
الدكتور وليد هندي: المريض النفسي ليس مجرمًا ووصمة العلاج النفسي ما زالت تعيق طلب المساعدة
الدكتور عدلي السمري: القتل بين الأقارب نهاية لسلسلة طويلة من الضغوط والصراعات داخل الأسرة
الدكتورة هايدي رستم: تراجع القيم وغياب الحوار يدفعان الخلافات الأسرية إلى مسارات أكثر خطورة
من المبادرات إلى الخط الساخن.. كيف تدعم الدولة الصحة النفسية للمواطنين؟
لم تعد الجرائم الأسرية التي يشهدها المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة مجرد حوادث فردية عابرة، بل أصبحت تحمل تفاصيل صادمة تثير تساؤلات عميقة حول ما يحدث داخل جدران المنازل، ابنة تقتل والدتها، وأب ينهي حياة طفلته انتقامًا من أمها، وأم تقتل أبناءها بمساعدة أحدهم، وغيرها من الوقائع التي هزت الرأي العام وأعادت طرح أسئلة ملحة حول أسباب هذا العنف غير المألوف.
وبين الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وتراجع ثقافة الحوار ووصمة المرض النفسي، يظهر تساؤل هام: هل أصبح الخوف من طلب المساعدة النفسية أخطر من المرض نفسه؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه الدولة والأسرة والمجتمع في الوقاية قبل أن تتحول الخلافات إلى جرائم؟.
جرائم لم تكن مألوفة
أثارت جريمة المحامية سالي الجباس، حالة واسعة من الجدل، بعدما أقدمت، وفقًا لما أعلنته جهات التحقيق، على خنق والدتها ثم تقطيع جثمانها عقب مشادة بينهما انتهت بصورة مأساوية، وبينما قوبلت الواقعة بحالة من الغضب والاستنكار، رأى البعض أن ما مرت به المتهمة من أزمات نفسية، بينها تجارب زواج فاشلة ووفاة ابنتها الصغيرة، قد يكون أحد العوامل التي أثرت على حالتها، دون أن يبرر ذلك الجريمة أو يقلل من فداحتها.
أيضًا شهدت بورسعيد جريمة بشعة وقعت أحداثها في ديسمبر 2022 بمدينة بورفؤاد، حينما اتفقت الابنة نورهان خليل، مع جارها المراهق حسين فهمي، على قتل والدتها بعد أن ضبطتهما الأم معًا في غرفة النوم، فقام الشاب بضرب الأم بشاكوش وسكب الماء المغلي بمساعدة الابنة قبل ذبحها، وانتهت القضية بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق الابنة خلال الشهر الماضي.
وفي الشرقية، لقيت طفلة تبلغ من العمر 12 عامًا مصرعها بعدما عذبها والدها حتى الموت، انتقامًا من والدتها على خلفية خلافات أسرية، في جريمة هزت الرأي العام، كما شهدت الإسكندرية جريمة “كرموز”، التي أقدمت خلالها أم، بمساعدة ابنها الأكبر، على قتل أطفالها الخمسة، في واقعة كشفت التحقيقات أنها جاءت بعد خلافات أسرية وطلاقها من زوجها وامتناعه عن الإنفاق عليهم.
ولم تنته الوقائع على هذه الجرائم فقط، حيث شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة العديد من الجرائم الأسرية التي تنوعت دوافعها وتعددت صورها، وهو ما تعكسه أيضًا الإحصاءات الرسمية.
منحنى تصاعدي للجرائم الأسرية
لا تبدو الجرائم الأسرية مجرد وقائع فردية متفرقة، فالأرقام تشير إلى منحنى تصاعدي يثير القلق، فقد كشف المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن ارتفاع عدد الجرائم الأسرية من 320 جريمة عام 2015 إلى 650 جريمة عام 2019، بما يعكس تغيرات لافتة في طبيعة العنف داخل الأسرة المصرية.
ولم يتوقف التصاعد عند هذا الحد، إذ وثق تقرير صادر عن مؤسسة “إدراك للتنمية والمساواة” نحو 1250 جريمة عنف أسري خلال عام 2022، وهو ما يعكس اتساع نطاق الظاهرة وتنوع صورها.
وفيما يتعلق بوسائل ارتكاب الجرائم، أشار تقرير المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، إلى أن الطعن والخنق جاءا في مقدمة أدوات القتل داخل الأسرة، وهو ما يعكس أن كثيرًا من هذه الجرائم ترتكب في لحظات انفعال حاد داخل محيط يفترض أن يكون الأكثر أمانًا.
عوامل ودوافع

قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن الجرائم الأسرية التي شهدها المجتمع المصري خلال الآونة الأخيرة تُعد من الجرائم البشعة التي لم تكن مألوفة بهذا الشكل من قبل، مؤكدًا أنها لا ترجع إلى سبب واحد، وإنما إلى مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية المتشابكة، حيث يأتي الفعل الإجرامي بمثابة العامل المفجر لكل ما تراكم داخل البناء النفسي للجاني.
وأوضح في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن:” من أبرز هذه العوامل نمط التنشئة الاجتماعية، فالشخص الذي نشأ في بيئة يغيب عنها الحوار، ويتعرض للضرب والإهانة والنبذ الاجتماعي والألفاظ الجارحة، يتشكل لديه بناء نفسي مشبع بالعنف، وعندما يكبر ويتزوج يعيد إنتاج السلوك نفسه مع أسرته، معتقدًا أن الضرب المبرح أو تعنيف الأبناء هو الوسيلة المثلى للتربية أو للتنفيس عن الغضب المكبوت، وقد يتطور الأمر إلى القتل نتيجة فقدان السيطرة على الانفعالات”، موضحًا أن هناك عوامل نفسية أخرى تسهم في تصاعد العنف الأسري، من بينها الإحباط، والضغوط النفسية، وعدم إشباع حاجات الانتماء داخل الأسرة، وأن هذه العوامل برزت بصورة واضحة خلال فترة جائحة كورونا، بعدما فقد كثيرون أعمالهم، وواجهوا أزمات اقتصادية وضغوطًا مادية انعكست على حالتهم النفسية، كما تراجعت جودة الحياة، واعتدال المزاج، واختفت وسائل التنفيس والدعم الاجتماعي التي كانت تخفف من الضغوط اليومية.
وأكد “هندي” أن مرتكبي الجرائم الأسرية غالبًا ما يعانون اضطرابات أو خللًا في الشخصية، موضحًا أن الشخصية العدوانية تلجأ إلى العنف قبل التفكير أو البحث عن حلول عقلانية للصراعات، بينما تستمد الشخصية السادية متعتها من تعذيب الآخرين، وقد ترتكب أبشع الجرائم بدم بارد، كما أن بعض الشخصيات التي تعرضت لحرمان أو إساءة في الطفولة قد تدفعها عقدها النفسية إلى ممارسة العنف ضد أبنائها، بالإضافة إلى الشخصيات السيكوباتية التي قد تمارس عنفًا شديدًا تجاه أفراد الأسرة.
ولفت إلى أن:” البيئة المحيطة تمثل عاملاً مهمًا في تصاعد العنف، فالعشوائيات، والزحام، والضوضاء، وما يصاحبها من توتر وعصبية، إلى جانب انتشار حمل الأسلحة البيضاء، كلها عوامل ترفع معدلات السلوك العدواني، فضلًا عن الفقر والبطالة، باعتبارهما من الضغوط التي قد تدفع بعض الآباء أو الأمهات إلى ممارسة العنف، وقد تصل في بعض الأحيان إلى القتل”.
وأشار إلى أن تعاطي المخدرات يمثل أحد أخطر العوامل المستحدثة، موضحًا أن آثارها النفسية تشمل التبلد، والانفصال عن الواقع، والضلالات، وضعف الإدراك، والعنف الشديد في ردود الأفعال، وهو ما قد يدفع الشخص إلى ارتكاب جريمة قتل وهو غير مدرك لما يفعل.
التطبيع مع مشاهد القتل

وأضاف أن:” وسائل الإعلام والمنصات الرقمية باتت تقدم مشاهد العنف بصورة متكررة، سواء من خلال الأفلام أو المسلسلات أو المنصات الرقمية، بما يجعل بعض الأشخاص يقلدون هذه الجرائم بصورة حرفية، بعدما فقدوا الإحساس بخطورتها نتيجة الاعتياد على مشاهدتها بالإضافة إلى ضعف الوازع الديني، وغياب ثقافة الحوار، وفقدان مهارات إدارة الخلافات، عوامل إضافية تسهم في تصاعد معدلات العنف الأسري”.
هل يقود المرض النفسي إلى الجريمة؟
وتابع “هندي” أن بعض الاضطرابات النفسية والعقلية قد ترتبط في بعض الحالات بزيادة احتمالات السلوك العنيف، موضحًا أن بعض المرضى قد يعانون أفكارًا أو أوهامًا تدفعهم إلى تفسير الواقع بصورة خاطئة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتكاب جرائم داخل الأسرة إذا لم يتلقوا العلاج المناسب.
وأضاف أن اضطراب ثنائي القطب، خلال نوبات الهوس الشديدة، قد يصاحبه اندفاع وسلوك عدواني لدى بعض المرضى، إلا أن ذلك لا يعني أن جميع المصابين به يشكلون خطرًا أو يرتكبون جرائم، وإنما يرتبط الأمر بالحالة المرضية وشدتها ومدى تلقي العلاج.
وأكد على أن التغذية والتلوث البيئي قد يسهمان أيضًا في زيادة السلوك العدواني، موضحًا أن بعض الدراسات أشارت إلى ارتباط التعرض لبعض الملوثات ونقص بعض العناصر الغذائية، مثل الزنك والحديد وبعض الفيتامينات، بزيادة الميل إلى العنف لدى بعض الأشخاص، مؤكدًا أن الجرائم الأسرية هي نتاج تداخل مجموعة كبيرة من العوامل، وقد يكون هناك عامل واحد فقط يشعل كل ما تراكم من ضغوط، فيقود إلى الجرائم البشعة التي نشهدها ضد أقرب الناس.
العوامل النفسية ليست السبب الوحيد

من جانبه، أوضح الدكتور عدلي السمري، أستاذ علم الاجتماع الجنائي، أن تناول هذه الجرائم يختلف باختلاف نوع الجاني وطبيعة الجريمة، وبالتالي تختلف الأسباب والعوامل المؤدية إليها من حالة لأخرى، ولتحليل أي جريمة لابد من معرفة ظروف الأسرة وطبيعة أوضاعها، سواء تاريخها القديم أو الحديث، وفهم طبيعة العلاقة بينهما، وما الذي كان يحدث، وما المشكلات القائمة، وما مصادر القوة التي يمتلكها كل طرف في مواجهة الآخر، حيث أنه في الاعتداءات عمومًا يوجد ما نسميه بـ تباينات القوة، أي أن الطرفين لا يكونان متساويين في القوة، فهذه الحوادث ليست وليدة اللحظة، وإنما تمثل النهاية لسلسلة من الضغوط المتراكمة والمتتالية.
وتابع أن:” أي مشكلة مجتمعية تكون لها جذور في مثل هذه الجرائم لا نتحدث فقط عن القتل، بل قد يصل الأمر إلى الانتقام والرغبة في التشفي، وعندما يسمع الناس عن واقعة كهذه يتساءلون: كيف أقدم على هذا الفعل؟ لكن السؤال الأهم هو: ماذا حدث قبل ارتكاب الجريمة؟ وما الضغوط والتفاعلات التي سبقتها؟ لأن فهم ما قبل الجريمة هو الذي يفسر ما حدث”.
وحول العوامل الاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى قتل أحد أقاربه، قال “السمري” إن:” نسبة كبيرة من جرائم القتل بين الأقارب ترتبط بالمشكلات والخلافات داخل شبكة العلاقات الأسرية، فكلما كانت العلاقة أقوى وأعمق، كانت التفاعلات والانفعالات أكثر تأثيرًا، سواء كانت إيجابية أو سلبية فالكلمة التي تصدر من شخص قريب تؤثر في الإنسان أكثر بكثير من الكلمة نفسها إذا صدرت من شخص غريب، لأن الإنسان يتوقع من القريب سلوكًا مختلفًا. ولذلك نجد أن الخلافات بين الأقارب قد تتراكم نتيجة أسباب متعددة، ومع استمرار الضغوط يشعر الشخص بتأنيب الضمير أو الغضب أو القهر، وهو ما قد يدفع بعض الأفراد إلى ردود أفعال عنيفة في ظروف معينة”.
وبشأن مدى ارتباط هذه الجرائم بالاضطرابات النفسية، أوضح أن الاضطرابات النفسية قد تكون أحد العوامل، لكنها ليست التفسير الوحيد أوضح أنه قد يكون جزء من هذه الجرائم مرتبطًا باضطرابات نفسية، لكن لا يمكن إرجاعها جميعًا إلى هذا السبب. فهناك دائمًا عوامل اجتماعية تتداخل مع العوامل النفسية، وحتى الاكتئاب، على سبيل المثال، لا ينشأ من فراغ، وإنما قد يكون نتيجة علاقات اجتماعية وضغوط حياتية سابقة، لذلك فإن السلوك قد يبدو نفسيًا في ظاهره، لكنه في النهاية يرتبط بأسباب اجتماعية أيضًا.
الأسرة كلمة السر

وأكدت الدكتورة هايدي رستم أخصائي علم الاجتماع، أنه لا يمكن إرجاع الجرائم الأسرية إلى سبب واحد، فهي نتاج تداخل عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية وثقافية، إلا أن الأسرة تظل نقطة البداية في تشكيل شخصية الفرد، فالتنشئة السليمة، القائمة على الحوار والاحتواء والاحترام وإشباع الاحتياجات النفسية للطفل، تسهم في بناء شخصية متوازنة، بينما يؤدي العنف، والإهمال، والقسوة، والتسلط، والتمييز بين الأبناء إلى تراكم مشاعر الغضب والرفض، وقد تتحول هذه المشاعر مع مرور الوقت إلى سلوك عدواني أو اضطرابات في الشخصية.
وأضافت “رستم” لـ”ليبرالي” أن غياب الحوار داخل الأسرة واعتماد العنف وسيلة لحل الخلافات يدفع الأبناء إلى تقليد هذا السلوك، فينشأون على الاعتقاد بأن القوة هي الوسيلة الطبيعية لفرض الرأي أو إنهاء النزاعات، ويزداد الأمر خطورة مع المقارنات المستمرة بين الأبناء أو تفضيل أحدهم على الآخر، وهو ما يخلق مشاعر الغيرة والعداء، لتصبح بعض الجرائم التي تقع بين الإخوة نتيجة تراكمات نفسية بدأت منذ الطفولة، وليست مجرد رد فعل للحظة غضب.
وأضافت أن:” الأمر لا يقتصر على علاقة الآباء بالأبناء، فجرائم قتل الوالدين ترتبط أيضًا بضعف الوازع الديني وتراجع منظومة القيم، وهو ما يفقد بعض الأبناء إدراك حرمة الاعتداء على الوالدين، مهما كانت الخلافات أو ظروف النشأة. أما الجرائم بين الزوجين، فغالبًا ما تعكس غياب التوافق، وسوء إدارة الخلافات، واستمرار علاقات زوجية مضطربة في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، رغم أن الانفصال قد يكون في بعض الأحيان الحل الأقل ضررًا للطرفين”.
وشددت على أن هذه الجرائم لا تعني بالضرورة أن المجتمع أصبح أكثر عنفًا، بقدر ما تكشف عن خلل في منظومة التنشئة الأسرية، وتراكم الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تراجع ثقافة الحوار وطلب المساعدة النفسية، وهو ما يجعل الوقاية تبدأ من الأسرة، وتعزيز الوعي، والتدخل المبكر قبل أن تتحول الخلافات إلى جرائم.
صحتك سعادة.. مبادرة رئاسية للاهتمام بالصحة النفسية

ومع تعدد تفسيرات الخبراء لجرائم الأسرة، بين عوامل نفسية واجتماعية واضطرابات عقلية في بعض الحالات، يبرز تساؤل حول دور الدولة والمجتمع في دعم الصحة النفسية للمواطنين، باعتبارها أحد العوامل الأساسية في تعزيز الاستقرار الأسري والحد من السلوكيات العنيفة.
وبالبحث عن هذا التساؤل نجد أن الدولة قد أطلقت في نوفمبر 2024 مبادرة “صحتك سعادة“ لدعم الصحة النفسية وتعزيزها، بتوجيه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، بالإضافة إلى ما تقدمه وزارة الصحة والسكان من خدمات الدعم النفسي وعلاج الإدمان مجانًا وبسرية تامة من خلال الأمانة العامة للصحة النفسية عبر الخط الساخن للاستشارات النفسية ١٦٣٢٨، أو بالتسجيل في المنصة الوطنية الإلكترونية للصحة النفسية وعلاج الإدمان.
قانون رعاية المريض النفسي
وينظم قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 حقوق المرضى النفسيين، ويهدف إلى حماية كرامة المريض، وضمان حقه في الحصول على رعاية طبية عادلة وآمنة، وتحديد شروط العلاج ودخول المستشفيات سواء بالطريقة الاختيارية أو الإلزامية دون أي تمييز أو استغلال.

ورغم هذه المبادرات إلا أن استمرار وقوع جرائم أسرية ذات طابع صادم يثير تساؤلات حول مدى وصول هذه المبادرات إلى المواطنين، وحجم تأثيرها على أرض الواقع، وما إذا كانت تحتاج إلى مزيد من الانتشار والتوعية، إلى جانب معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي يرى متخصصون أنها تسهم في تفاقم هذه الظاهرة.
المبادرات وحدها لا تكفي
أشاد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، بالجهود التي تبذلها الدولة في دعم ملف الصحة النفسية، من إطلاق مبادرات تستهدف تعزيز الصحة النفسية للمواطنين، وتوفير خدمات الدعم النفسي داخل المستشفيات من خلال أقسام الطوارئ والاستقبال وإطلاق منصة للصحة النفسية تابعة لوزارة الصحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تخصيص خط ساخن للدعم النفسي، معتبرًا أن هذه الخدمات تمثل نقلة مهمة مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.
وأوضح أن هذه الجهود تمثل خطوات مهمة في التعامل مع الملف، لكنها تحتاج إلى أن تتكامل مع دور الأسرة والإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية، حتى تؤتي ثمارها في الحد من الجرائم الأسرية والعنف المجتمعي
فكرة جيدة.. لكنها تحتاج لدراسة
وعلق الدكتور عدلي السمري على مثل هذه المبادرات قائلًا:” مبادرات الصحة النفسية مهمة للغاية والفكرة في حد ذاتها جيدة وهي تتكامل مع مشروعات الدولة الكبرى، وتندرج تحت مبادرة حياة كريمة، لأن تحسين جودة الحياة لا يقتصر على بناء المنازل أو إنشاء المرافق، بل يشمل أيضًا الحفاظ على الصحة النفسية للإنسان ، لكنها تحتاج إلى دراسة ثقافة المجتمع قبل تنفيذها”.
وأضاف أن لكن نجاح أي مبادرة يتطلب أولًا فهم ثقافة المجتمع ومعتقداته، ثم اختيار الآليات المناسبة للوصول إلى المواطنين، فقد تبذل الدولة جهدًا كبيرًا، لكن إذا لم تسبق ذلك دراسة لطبيعة المجتمع، فقد لا تحقق المبادرة أهدافها، مستشهدا بمثالًا “إذا أردت إنشاء مصنع لإنتاج الألبان، فمن الطبيعي أن أبنيه في منطقة تتوافر فيها الثروة الحيوانية.، لكن إذا رفض المربون بيع الألبان للمصنع، فإن المشكلة ليست في المصنع، وإنما في كسب ثقة الناس، وهنا يمكن الاستعانة بالشخصيات المؤثرة في المجتمع، مثل العمدة أو شيخ البلد، ليكونوا قدوة أمام الأهالي ويشجعوهم على التعامل مع المصنع”.
الثقافة المجتمعية في مواجهة المبادرات النفسية
وأوضحت الدكتورة هايدي رستم أن تغيير الثقافة المجتمعية تجاه الصحة النفسية للحد من العنف والجرائم الأسرية، لا يمكن أن يتحقق من خلال المبادرات الصحية وحدها، رغم أهميتها، وإنما يتطلب تكاملًا بين جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية، لأن هذه الظواهر هي نتاج تفاعل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، وتأتي الأسرة في مقدمة هذه المؤسسات، فهي المدرسة الأولى التي يتشكل داخلها بناء شخصية الإنسان، وهي المسؤولة عن غرس قيم الرحمة، والتسامح، والعفو، والحوار، وضبط الانفعالات، واحترام الآخرين، وإشباع الاحتياجات النفسية للأبناء منذ الصغر. كما أن الحوار الأسري يمثل صمام الأمان الذي يتيح لكل فرد التعبير عن مشاعره وضغوطه، ويحول دون تراكم الغضب والصراعات داخل الأسرة.
وتابعت أن دور المؤسسات التعليمية لا يقل أهمية عن دور الأسرة، إذ يجب أن تسهم في تنمية المهارات الحياتية، وتعليم إدارة الضغوط والانفعالات، وحل المشكلات بالحوار، وقبول الاختلاف، إلى جانب نشر ثقافة الصحة النفسية وتوفير خدمات الإرشاد النفسي.
وشددت على أنه ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل أخبار الجرائم إلى نشر ثقافة الوقاية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن المرض النفسي والعلاج النفسي، والتأكيد على أن اللجوء إلى الطبيب النفسي ليس دليلًا على الجنون أو ضعف الشخصية، وإنما هو سلوك صحي ومسؤول، مع تقديم نماذج إيجابية للحوار الأسري والتربية السليمة وإدارة الخلافات.
كما أشارت إلى أن:” تعزيز الوازع الديني والقيمي يمثل ركيزة أساسية، من خلال ترسيخ قيم الرحمة، والعفو، والتسامح، وصلة الرحم، وبر الوالدين، واحترام الآخرين، لأن تراجع هذه القيم، مع تصاعد الأنانية والسعي وراء المصالح الشخصية، يضعف الروابط الأسرية ويزيد من احتمالات الصراع والعنف، ومن ثم، فإن المبادرات الصحية تمثل جزءًا مهمًا من الحل، لكنها لا تكفي بمفردها، وإنما يجب أن تتكامل مع دور الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات الدينية والمجتمعية، حتى نستطيع بناء مجتمع أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على الوقاية من العنف والجرائم الأسرية، والتخلص من وصمة المرض النفسي، وترسيخ ثقافة اللجوء إلى المتخصصين في الوقت المناسب”.
نسبة مرضى الاكتئاب في مصر

طبقًا لنتائج المسح القومي للصحة النفسية لعام 2018، فإن 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية، منهم 43.7% يعانون من الاكتئاب، ويقدر المصابون بالمرض الفعلي للاكتئاب بنحو 10 إلى 11 مليون شخص بناءً على المسوحات الطبية والنفسية، كما كشف تقرير لوزارة الصحة صادر عام 2018 أن عدد المترددين على مستشفيات الأمانة، يصل إلى 650 ألف مواطن سنوياً، مشيرة إلى أن إجمالى عدد المترددين على العيادات الخارجية بلغ 254 ألف و 928 مريض فى النصف الأول من عام 2018.
ووفقاً لـ “المسح القومي للاضطرابات النفسية” الصادر عن الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان في مصر لعام 2023، بلغت نسبة الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد بين البالغين 6.78%، ممّا يجعله التشخيص النفسي الأكثر شيوعاً.

و سجلت المنصة الإلكترونية للصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة لوزارة الصحة والسكان في مصر نحو 146 ألفًا و530 زيارة للمنصة منذ إطلاقها في مارس 2022 وحتى شهر يوليو 2026، وأن المستخدمين أكملوا 36 ألفًا و71 استبيانًا إلكترونيًا، فيما بلغ إجمالي الجلسات العلاجية الافتراضية 16 ألفًا و908 جلسات.
كما شهد شهر يوليو 2026 إقبالًا ملحوظًا، حيث سجلت المنصة 1213 زائرًا، واستفاد 587 مريضًا من الخدمات الطبية، مع إنجاز 1127 استبيانًا خلال الشهر نفسه.
زيارة الطبيب النفسي .. وصمة مجتمعية
ورغم الاهتمام الرسمي بملف الصحة النفسية، لا يزال اللجوء إلى الطبيب النفسي بالنسبة لكثير من الأسر خطوة مؤجلة، وصمة اجتماعية يخشون الإفصاح عنها، ففي الوقت الذي قد تظهر فيه أعراض اضطرابات نفسية أو سلوكية تستدعي التدخل المبكر، تفضل بعض الأسر الصمت أو تجاهل المشكلة خوفًا من نظرة المجتمع، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى تأثير هذه الثقافة على تفاقم الأزمات، وهل أصبح الخوف من العلاج أخطر من المرض نفسه؟، حيث روت إحدى الفتيات، التي فضلت عدم ذكر اسمها وتقطن بمجتمع قروي، أنها تعاني من وسواس قهري، وحاولت إقناع والدتها بالذهاب إلى طبيب نفسي إلا أنها رفضت بشدة ونصحتها بالتكثيف من قراءة القرآن الكريم.
الدراما رسخت فكرة المريض النفسي مجنون

الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية أوضح أنه قديمًا كان يشار إلى المريض النفسي على أنه مجنون، وكان يُنعت ببعض الصفات التي تحمل وصمة، كما عززت الصورة الذهنية التي رسمتها السينما المصرية والعربية عن المريض النفسي هذا المفهوم، وهو ما جعل الناس ترفض الذهاب إلى الطبيب النفسي وتقاوم العلاج النفسي.
وأضاف أنه ربما مع زيادة الوعي، وازدياد الأمراض النفسية والمشكلات الاجتماعية، ومع عدم وجود إشباع لاحتياجات الإنسان الروحية، بدأ الناس يدركون أن الطب النفسي لا يقل أهمية عن الطب العضوي، فأصبح هناك استجابة للتعامل مع الطب النفسي، وإقرار بالواقع من دون مقاومة نفسية، إلا أننا مازلنا بحاجة لمزيد من التوعية.
المريض النفسي في فخ مس الشيطان
وأكد الدكتور عدلي السمري، أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي ما زالت تمثل عائقًا أمام طلب العلاج، موضحًا أن كثيرين لا يزالون يربطون المرض النفسي بالجنون، وفي ثقافتنا القديمة كان يُنظر إلى كثير من الاضطرابات النفسية على أنها مس من الشيطان أو أعمال سحر، ولذلك كان الناس يلجأون إلى ممارسات شعبية بدلًا من العلاج الطبي، وهو ما رسخ فكرة أن المريض النفسي شخص مجنون.
واختتم قائلًا “نحتاج إلى ترسيخ ثقافة أن زيارة الطبيب النفسي لا تختلف عن زيارة طبيب القلب أو الأسنان. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الشخصيات العامة المؤثرة، من علماء وفنانين ورياضيين، عندما يتحدثون بصراحة عن تجاربهم مع العلاج النفسي، لأن ذلك يسهم في كسر الوصمة ويشجع الآخرين على طلب المساعدة دون خوف أو خجل”.
الصحة النفسية والصحة الجسدية.. وجهان لعملة واحدة
وشددت الدكتورة هايدي رستم على أن المرض النفسي لا يقل أهمية عن المرض العضوي، بل إن الصحة النفسية والصحة الجسدية وجهان لعملة واحدة، إذ يؤثر كل منهما في الآخر بصورة مباشرة. وكما نسارع إلى علاج الأمراض العضوية في بدايتها، فإن الاضطرابات النفسية تحتاج هي الأخرى إلى التشخيص والتدخل المبكر حتى لا تتفاقم.
وأشارت إلى أن الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا، وهو لا يقتصر على الشعور بالحزن، بل يؤثر في التفكير والانفعالات والسلوك والقدرة على أداء المهام اليومية، وقد يصاحبه فقدان الدافعية، والشعور باليأس، وضعف التركيز، واضطرابات النوم أو الشهية، وقد تصل الأعراض في الحالات الشديدة إلى أفكار إيذاء النفس أو الانتحار إذا لم يتلقَّ المريض العلاج المناسب، ورغم ذلك، لا تزال مجتمعاتنا العربية تعاني من نظرة سلبية تجاه العلاج النفسي، حيث تخشى كثير من الأسر اللجوء إلى الطبيب النفسي خوفًا من وصمة المجتمع، أو من أن يُوصَف المريض بأنه “مجنون” أو “غير طبيعي”، وقد يكون أحد أفراد الأسرة يعاني من بدايات الاكتئاب أو القلق أو الوسواس القهري أو غيرها من الاضطرابات القابلة للعلاج، إلا أن الأسرة تؤجل طلب المساعدة خشية كلام الناس، فيتفاقم المرض وتزداد صعوبة علاجه.
وأكدت أن الغالبية العظمى من المرضى النفسيين ليسوا أشخاصًا عنيفين ولا يرتكبون جرائم، وأن السلوك الإجرامي لا يمكن تفسيره بالمرض النفسي وحده، وإنما هو نتيجة تفاعل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية متعددة، لكن تجاهل الاضطرابات النفسية وعدم علاجها قد يؤدي إلى تدهور الحالة وفقدان التوازن النفسي والاجتماعي.
وتساءلت أيهما أولى، الخوف من نظرة المجتمع عند زيارة الطبيب النفسي، أم حماية الإنسان من أن تتفاقم حالته فيفقد استقراره النفسي والاجتماعي وربما ينتهي به الأمر إلى دخول المستشفى أو الوقوع في مشكلات قانونية واجتماعية كان يمكن تجنبها بالتدخل المبكر؟ إن تغيير هذه النظرة أصبح ضرورة، لأن طلب المساعدة النفسية هو سلوك صحي ومسؤول، وليس مصدرًا للخجل أو الوصمة.
في انتظار الحلول
بينما تحاول الدولة في تقديم الدعم النفسي وتوسع من خدمات الصحة النفسية، يبقى التحدي الأكبر هو الوصول إلى المواطن وتغيير الثقافة التي تجعل طلب المساعدة النفسية مصدرًا للخجل، وبين ضغوط الحياة، والتغيرات الاجتماعية، وتكرار الجرائم الأسرية، يظل السؤال مطروحًا، هل نحتاج إلى مزيد من العيادات النفسية، أم إلى توعية مكثفة مراجعة لطريقة تعامل المجتمع مع الصحة النفسية والأسرة؟.





