فخ الـ 60 يومًا.. كيف يُترجم ” تأخر القراءات ” إلى أرقام قياسية في فاتورة الكهرباء؟

تحت ضغط موجات الحر المتلاحقة، يواجه المواطنون هذا الصيف تحديًا معيشيًا صعبًا، يتمثل في الارتفاع غير المسبوق لقيمة فواتير الكهرباء ونفاد شحنات الكروت بشكل متسارع، ولم يكن الصيف الحالي مجرد اختبار لقدرة الأجساد على تحمل درجات حرارة قياسية، بل كان اختبارًا أيضًا لقدرة المواطن على الصمود أمام فواتير كهرباء المرتفعة.

الصرخات من فواتير الكهرباء تكررت على لسان الكثيرين ممن وجدوا أنفسهم محاصرين بين رطوبة جو خانقة وأرقام شرائح محاسبة لا تُرحم، ما فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات حول دقة قراءة العدادات تارة وقيمة إصدار فواتير الاستهلاك تارة أخرى.

 45 مليون عداد كهرباء على مستوى الجمهورية

وعن ارتفاع قيمة الفواتير في فصل الصيف، يقول منصور عبدالغني، المتحدث باسم الكهرباء، إنه يوجد زيادة عامة في الاستهلاك على مستوى الجمهورية بداية من شهر يونيو، وعند تحليل هذه الأرقام وتوزيعها على المشتركين، يتضح جليًا أن القفزات في الفواتير تعود بشكل أساسي إلى نمو معدلات الاستهلاك الشخصي للمواطنين خلال فصل الصيف.

وأكد عبدالغني، أن المنظومة الكهربائية في مصر تضم نحو 45 مليون عداد مسجل على مستوى الجمهورية تشترك جميعها في صياغة إجمالي حجم الاستهلاك العام، لافتًا إلى أن كثافة استخدام الأجهزة الكهربائية صيفًا ترفع من متوسط استهلاك الفرد، وهو ما دفع الوزارة لإطلاق مبادرات توعوية مكثفة تهدف إلى ترشيد الاستهلاك ورفع كفاءة استخدام الطاقة بالشراكة مع المواطنين.

وأعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في إبريل الماضي، استمرار تطبيق أسعار شرائح استهلاك الكهرباء المنزلية خلال عام 2026، مع الإبقاء على أسعار معظم الشرائح دون تغيير. وجاءت أسعار الاستهلاك وفقًا للتعريفة المعلنة كالتالي: تبدأ الشريحة الأولى من 1 إلى 50 كيلووات/ساعة بسعر 68 قرشًا للكيلووات، والشريحة الثانية من 51 إلى 100 كيلووات/ساعة بسعر 78 قرشًا، بينما تبلغ قيمة الشريحة الثالثة من 101 إلى 200 كيلووات/ساعة نحو 95 قرشًا، وجميعها دون زيادة.

فواتير مرتفعة.. رغم ثبات الأسعار

وتصل الشريحة الرابعة، التي تبدأ من 201 إلى 350 كيلووات/ساعة، إلى 1.55 جنيه للكيلووات/ساعة، فيما تبلغ الشريحة الخامسة من 351 إلى 650 كيلووات/ساعة نحو 1.95 جنيه، أما الشريحة السادسة من 651 إلى 1000 كيلووات/ساعة فسجلت 2.10 جنيه للكيلووات/ساعة، مع استمرار العمل بهذه الأسعار دون تعديل.

أما الشريحة السابعة، الخاصة بالاستهلاك الذي يتجاوز 1000 كيلووات/ساعة شهريًا، فتعد الأعلى استهلاكًا، حيث يتراوح سعر الكيلووات فيها بين 2.23 جنيه و2.58 جنيه، وفقًا لقواعد المحاسبة المعتمدة، وهي الشريحة التي يتحمل فيها أصحاب الاستهلاكات المرتفعة التكلفة الأكبر للكهرباء.

وشدد المتحدث باسم الكهرباء على أن جميع شكاوي المواطنين المتعلقة بارتفاع قيمة الفواتير أو الاشتباه في وجود أخطاء بالقراءات تخضع للفحص والمراجعة الفورية من قبل شركات توزيع الكهرباء، حيث يتم مطابقة القراءة المدونة بالفاتورة مع القراءة الفعلية للعداد، سواء من خلال قارئ العدادات أو عبر البيانات الإلكترونية في العدادات الذكية ومسبقة الدفع.

ارتفاع الفواتير لا يعني بالضرورة وجود خطأ في الفاتورة

وأشار عبدالغني إلى ارتفاع قيمة بعض الفواتير خلال فصل الصيف لا يعني بالضرورة وجود خطأ في الفاتورة، إذ يؤدي الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف والمراوح والأجهزة الكهربائية مع ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات الاستهلاك، وهو ما ينعكس بشكل طبيعي على قيمة الفاتورة، مع استمرار حق المشترك في التقدم بشكوى إذا راوده أي شك في صحة القراءة أو قيمة المحاسبة.

وتابع بأنه في حال ثبوت وجود خطأ في تسجيل القراءة أو إصدار الفاتورة، تتخذ الشركة إجراءات تصحيحية تبدأ بإلغاء الفاتورة محل الشكوى وإعادة إصدار فاتورة جديدة بالقراءة الصحيحة، مع إعادة احتساب قيمة الاستهلاك وفقًا للشرائح المستحقة، بما يضمن عدم تحميل المشترك أي مبالغ غير مستحقة نتيجة خطأ في القراءة أو المحاسبة.

بدوره، قال محمود صابر، مسؤول الشؤون التجارية بإدارة الهرم (1) التابعة لشركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، إن شركة شعاع هي الجهة المسؤولة حاليًا عن قراءة العدادات، موضحًا أن لكل عداد يومًا محددًا للقراءة شهريًا، فمثلًا إذا كان موعد القراءة في اليوم الأول من الشهر، تُجرى القراءة في هذا اليوم، وإذا كان الموعد في اليوم التاسع فتتم القراءة في اليوم التاسع.

إصدار إيصال “خدمة” لحين الحصول على قراءة فعلية للعداد

وتتولى شركة “شعاع” مهمة تسجيل قراءات العدادات التقليدية لصالح شركات توزيع الكهرباء، وذلك بموجب تعاقد أبرمته الشركة القابضة لكهرباء مصر في أواخر عام 2017، حيث بدأت الشركة عملها التجريبي في ديسمبر من العام نفسه، قبل أن تنطلق رسميًا في يناير 2018، ودفعت “شعاع” في المرحلة الأولى بنحو 2000 قارئ ومشرف لتغطية ما يقرب من 7.5 مليون عداد، بمتوسط 4 آلاف عداد شهريًا لكل قارئ، في إطار خطة وزارة الكهرباء للقضاء على أخطاء القراءة وتقليل شكاوى المواطنين من الفواتير.

وأضاف مسؤول الشؤون التجارية بإدارة الهرم فس تصريحه لـ”ليبرالي”، أنه في حال عدم تمكن قارئ العدادات من إجراء القراءة لعدم وجود المشترك، فإنه يعاود الزيارة في اليومين التاليين، وإذا تعذر إجراء القراءة بعد ذلك، تُصدر الشركة إيصالًا شهريًا تحت بند “خدمة” لحين الحصول على قراءة فعلية للعداد.

وأوضح صابر، أنه إذا تمت قراءة العداد بعد مرور 60 يومًا، تُحتسب الاستهلاكات عن كامل الفترة، ثم تُوزع كمية الاستهلاك على شهرين، بحيث تتم المحاسبة وفقًا للاستهلاك الفعلي لكل شهر، بما يضمن عدم تحميل المشترك شريحة استهلاك أعلى بسبب تجميع القراءة. فعلى سبيل المثال، إذا بلغ الاستهلاك 100 كيلووات/ساعة خلال شهرين، يُحتسب بواقع 50 كيلووات/ساعة لكل شهر.

تصوير العداد أثناء تسجيل القراءة

وأشار مسؤول الشؤون التجارية بإدارة الهرم، إلى أنه في حال عدم تمكن موظف شركة شعاع من إجراء القراءة، يتولى مفتش الكشف على العدادات المغلقة مهمة الحصول على القراءة.

ويوضح صابر، إذا كان المشترك مسافرًا أو كانت الوحدة مغلقة، يستمر إصدار إيصال “خدمة” شهريًا إلى حين فتح الوحدة وأخذ القراءة الفعلية، ثم تتم إعادة احتساب الاستهلاك عن كامل الفترة، سواء كانت سنة أو سنتين، مع توزيع الاستهلاك على مدة المحاسبة، حتى لا يتضرر المشترك نتيجة احتساب الاستهلاك دفعة واحدة.

وأكد مسؤول الشؤون التجارية بإدارة الهرم، أن قارئ العدادات التابع لشركة شعاع يقوم بتصوير العداد أثناء تسجيل القراءة، ثم تُرسل البيانات إلكترونيًا إلى الشركة، وتُسجل على النظام المحاسبي، ليتم إصدار الفاتورة تلقائيًا وفقًا لشرائح وأسعار الاستهلاك المعتمدة.

إصدار فواتير على 60 يوم استهلاك..ترفع الفواتير لأرقام “قياسية

وأفاد صابر بأنه إذا تقدم أحد المشتركين بشكوى بشأن القراءة أو قيمة الفاتورة، تُراجع القراءة فورًا للتأكد من صحتها، وفي حال ثبوت وجود خطأ، يُلغى الإيصال السابق وتُصدر فاتورة جديدة بالقراءة الصحيحة، بما يضمن حصول المشترك على حقه، وفي الوقت نفسه تحصيل الشركة لمستحقاتها بصورة سليمة.

وفي السياق ذاته، كشف موظف تحصيل في إدارة كهرباء بشتيل، عن تأخر قراءة العدادات حاليًا، حيث تقرأ عدادات الكهرباء في مدد تتراوح ما بين 45 إلى 60 يوم، ولا يتم إعادة التشريح على 30 يوم كما هو المفترض.

ويوضح المصدر في تصريحه لـ”ليبرالي”، إذا كان استهلاك المواطن 400 كيلووات خلال شهرين، وكان المفترض أن يحاسب على 200 كيلووات شهريًا، فإن تأخر القراءة أو إصدار الفاتورة دفعة واحدة باستهلاك 400 كيلو وات، يدفع المواطن للاعتقاد بأنه انتقل إلى شريحة أعلى، خاصة مع ارتفاع الاستهلاك الصيفي.

صدام بين المحصل والمواطنين

وأضاف المصدر، أن الفاتورة تُصدر على قراءة 45 يومًا أو 60 يومًا، ما ينتج عنه ارتفاع كبير في الفاتورة، لاسيما في فصل الصيف، حيث يشهد استهلاك كبير في الطبيعي، ولا يحتاج المواطن لزيادة أخرى جراء تراكم أو تأخير أيام القراءة المخصصة للعداد الخاص به لأكثر من شهر، لتصدر في الأخير الفواتير بأرقام “قياسية” على حد قوله، وهو ما يجعلهم كمحصلين في حالة صدام كبير مع المشركين، وعدم تحقيقهم للمستهدف من نسبة تحصيل الفواتير.

وفي المقابل، عبر عدد من المواطنين عن استيائهم من آلية التعامل مع شكاواهم، وتقول أم عبد الله، إنها فوجئت بفاتورة كهرباء أعلى كثيرًا من المعتاد، رغم أن استهلاك أسرتها لم يشهد أي تغيير، مؤكدة أن قارئ العداد لم يحضر في موعده لعدة أسابيع.

وأضافت أنها لم تمنع قارئ العداد من أداء عمله ولم تتسبب في تأخير القراءة، لكنها عندما تقدمت بشكوى كان الرد أن القراءة المسجلة على العداد صحيحة، لتنتهي الشكوى دون معالجة السبب الحقيقي الذي أدى إلى ارتفاع قيمة الفاتورة.

قارئ العداد لم يحضر في موعده

في حين قال المواطن “ف.أ”، إن قارئ العداد لم يحضر في الموعد المحدد، ثم صدرت الفاتورة بعد فترة طويلة، وعندما راجع شركة الكهرباء أُبلغ بأن القراءة مطابقة للعداد، لكنه لم يتلق أي تفسير بشأن أسباب تأخر القراءة عن موعدها، متسائلًا: “لماذا أتحمل أنا نتيجة غياب قارئ العداد؟”.

كما عقب، سعد فرج، المحاسب القانوني، بأن أغلب الشكاوى التي يتقدم بها المواطنون بشأن ارتفاع فواتير الكهرباء تنتهي بمجرد مطابقة القراءة الحالية للعداد، لتعتبر شركات التوزيع أن الفاتورة سليمة، بينما تبقى المشكلة الأساسية، في رأيه، مرتبطة بعدم انتظام دورة قراءة العدادات في مواعيدها.

وأوضح فرج أن المواطن لا يتحمل أي مسؤولية عن تأخر قراءة العداد، ولم يمنع القارئ من أداء عمله، إلا أنه يفاجأ بعد فترة بفاتورة مرتفعة نتيجة تراكم الاستهلاك، وعند تقديم شكوى تكون الإجابة الوحيدة أن القراءة النهائية مطابقة للعداد، دون بحث أسباب تأخر القراءة أو آليات احتساب الاستهلاك خلال تلك الفترة.

وأكد أن مراجعة شكاوى المواطنين يجب ألا تقتصر على مطابقة رقم العداد فقط، وإنما تمتد إلى التحقق من أسباب تأخر القراءة ومدى التزام شركات التوزيع بدورة القراءة الشهرية، مشددًا على أن انتظام قراءة العدادات يمثل أحد أهم عناصر العدالة والشفافية في محاسبة المشتركين.