مقالات

الذكرى العطرة بين حلاوة المولد ومكارم الأخلاق

مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، تبدأ مظاهر الاحتفال في الشوارع والبيوت، وتظهر علب حلاوة المولد بأشكالها وألوانها المختلفة، لتصبح واحدة من أبرز العادات التي ارتبطت في وجدان المصريين بهذه المناسبة، ورغم ارتفاع أسعارها هذا العام بنسبة لا تقل عن ٢٠%، فإن كثيرًا من الأسر لا تزال تحرص على شرائها، باعتبارها جزءًا من فرحة المولد وذكرياته التي ارتبط بها الناس منذ سنوات طويلة.

ويرجع تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى أكثر من ألف عام، حيث شهد العصر الفاطمي احتفالات واسعة بالمناسبات الدينية، ومنها المولد النبوي الشريف، في إطار سعي الدولة الفاطمية آنذاك إلى ترسيخ شرعيتها السياسية والدينية بين المصريين، فكان الفاطميون يقيمون احتفالات ضخمة، ويقومون بتوزيع الهدايا ومنها الحصان والعروسة، في محاولة لتعزيز الولاء للحاكم وتكريس حكم الفاطميين.

ومع مرور الزمن، تغيرت دلالة هذه المظاهر، وتحولت حلاوة المولد من جزء من سياسة الدولة إلى عادة اجتماعية راسخة، وأصبحت جزءًا من التراث المصري الذي ينتظره الكبار والصغار كل عام، ومع كل موسم، تظهر أنواع وأشكال جديدة من الحلوى، حيث يستهلك المصريون منها ما يقرب من ٣.٦ مليار جنيه سنويًا.

لكن وراء هذه الفرحة توجد صناعة تواجه العديد من التحديات، يأتي في مقدمتها الارتفاع المستمر في أسعار الخامات الأساسية، مثل السكر والجلوكوز والمكسرات، وهو ما ينعكس على أسعار المنتجات ويضغط في الوقت نفسه على هامش ربح المنتجين.

كما تمثل الورش غير المرخصة مشكلة أخرى، خاصة تلك التي تستخدم خامات مجهولة المصدر أو تفتقر إلى الاشتراطات الصحية ومعايير النظافة، بما قد يشكل خطرًا على صحة المستهلك.

وتزداد المخاوف مع الحديث عن قيام بعض المصانع بتجميع الحلوى المتبقية من أعوام سابقة وإعادة تدويرها، فضلًا عن الإفراط في استخدام الألوان الصناعية والمواد الحافظة في بعض المنتجات.

ولهذا، فإن فرحة المولد لا ينبغي أن تكون على حساب صحة الأسرة، ومن المهم عند شراء حلاوة المولد اختيار المحال والأماكن المعروفة والموثوقة، والابتعاد عن الحلوى الجافة التي تم تخزينها لفترات طويلة، مع ضرورة التأكد من وجود تاريخ الإنتاج والصلاحية واسم المصنع على العبوة.

كما يجب الانتباه إلى شكل الحلوى ورائحتها ولونها، فأي تغيير غير طبيعي قد يكون مؤشرًا على فسادها، ومن الأفضل كذلك تجنب شراء المنتجات من الورش غير المرخصة التي لا تخضع للرقابة الصحية والصناعية.

كلمة أخيرة: هناك ملاحظة غريبة أن كل الاحتفالات لدينا مرتبطة بالطعام.. في عيد الأضحى الفتة واللحمة.. في عيد الفطر الكحك والبسكويت.. في أول أيام رمضان المبارك البط والمحشي.. وطبعا المولد له الحلاوة الخاصة.

تحولت الأكلات مع المناسبات إلى جزء من الموروث الثقافي ولا اعتراض علي ذلك، فصناعة البهجة وربطها بالمناسبات الدنية أمر محمود، ويجعلها ذكرى طيبة يعتاد عليها الأطفال منذ الصغر، لكن أتمنى ألا يقتصر الاحتفال بمظاهر البهجة فقط وما يرتبط بها من طعام أو عادات، بل علينا أن نضيف إليها جزء من التعاليم الدينية الصحيحة، وتعلمنا مكارم الأخلاق والتقرب إلى الله، والعمل على مساعدة المحتاجين، كما في المولد النبوي الشريف مثلا نتذكر السيرة النبوية العطرة ونتعلم من نبينا مكارم الأخلاق وحسن المعاملة والتسامح والرحمة.

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى