في ذكرى مئوية جيانج زيمين.. هل ينتقل “شي” بالصين من الريادة الاقتصادية إلى الزعامة السياسية؟
في خطاب تاريخي بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد جيانج زيمين، الذي تولى زعامة الصين من عام 1993 إلى عام 2002، وتوفي عام 2022والذي قاد الصين للتحول الاقتصادي الضخم، دعا الرئيس الصيني شي جين بينج بلاده إلى إظهار روح قتالية لا تقهر في خطاب حماسي ألقاه يوم الاثنين، والذي أشاد فيه بقرار الحزب الشيوعي الحاكم قمع الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية في ميدان تيانانمين خلال فترة حكم زيمين.
خطاب يستحضر إرث جيانج زيمين
أشاد الرئيس شي بمقولة جيانج زيمين أن حكم البلاد يتطلب حكم الحزب أولًا، وأن حكم الحزب يجب أن يكون صارمًا والتي يتردد صداها في موضوع الجلسة العامة الخامسة للجنة المركزية العشرين المقرر عقدها في أكتوبر.
وفي كلمته أمام آلاف المسؤولين والمندوبين في قاعة الشعب الكبرى، وصف الرئيس شي الصين بأنها دولة تواجه أوقاتًا عصيبة، لكنها ستخرج منها سالمة، وقال: “بروح قتالية لا تقهر وقدرات استثنائية، سنواجه التحديات الكبرى بكل حزم، سواء أكانت بحارًا هائجة أم عواصف عاتية”.
وفي دلالة على أهمية الخطاب، حضر جميع أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي الصيني وعددهم سبعة، إلى جانب قادة متقاعدين من الحزب والدولة وفقاً لما بثه التلفزيون الصيني الرسمي، لإحياء الذكرى المئوية لميلاد الزعيم جيانج زيمين، الذي قاد الصين في مرحلة محورية من صعودها من اقتصاد هامشي إلى محرك نمو عالمي.
وقد فاجأ جيانج زيمين الذي توفي عام 2022 عن عمر ناهز 96 عامًا المشككين وقاد البلاد خلال عقد من النمو الاقتصادي السريع بعد قمع احتجاجات تيانانمين عام 1989 ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، أما شريكه في الحكم رئيس الوزراء السابق تشو رونغجي، فقد توفي الأسبوع الماضي ومن المقرر إقامة جنازته يوم الثلاثاء.
وبهذا الحدث أصبح جيانج زيمين سابع زعيم صيني يكرم في ذكرى مرور مئة عام على ميلاده، بعد ماو تسي تونغ، وتشو إن لاي، وليو شاو تشي، وتشو دي، ودنغ شياو بينج، وتشن يون.
أبرز ما جاء في خطاب الرئيس شي جين بينج
أشاد الرئيس شي جين بينج في خطابه الذي استمر 45 دقيقة بقائمة طويلة من إنجازات جيانج، بما في ذلك إشارة نادرة إلى احتجاجات تيانانمين المطالبة بالديمقراطية وإن لم يذكرها صراحة وإنما وصفها بعاصفة سياسية خطيرة شهدتها الصين، مشيداً بقرار الحزب الشيوعي النهائي برفض مطالب المتظاهرين وإخلاء الساحة باستخدام القوات والدبابات.
وتأتي خلفية أحداث تيانانمين حينما بدأت الاحتجاجات في أبريل 1989، إثر وفاة زعيم الحزب الشيوعي الصيني السابق هو ياوبانغ عن عمر يناهز 73 عاماً، وكان ينظر إلى “هو” من قبل العامة كبطل للتحرر، وقد أطيح به قبل عامين، وشهد يوم 15 أبريل حزناً واسعاً.

سار آلاف الطلاب في شوارع بكين بعد أيام، مطالبين بحكومة أكثر ديمقراطية تكريماً لـ”هو”، وتجمع المتظاهرون في ميدان تيانانمن، وتزايدت أعدادهم على مدى عدة أسابيع حتى 4 يونيو، حين أطلقت قوات جيش التحرير الشعبي النار عليهم، وأصبح جيانج بشكل غير متوقع الأمين العام للحزب الشيوعي بعد فترة وجيزة من حملة القمع، ويعود ذلك جزئياً إلى أن الشخص الذي حل محله “تشاو زيانج” كان ينظر إليه على أنه متعاطف بشكل مفرط مع المتظاهرين، وبحلول عام 1993، أصبح جيانج زيمين الزعيم بلا منازع للصين.
جيانج زيمين.. قائد مرحلة التحول الاقتصادي
شهد عهد جيانج زيمين ازدهارًا اقتصاديًا صينيًا وانفتاحًا على العالم، توج بانضمام البلاد إلى منظمة التجارة العالمية بدعم من الولايات المتحدة عام 2001، كما تلتها فترة نمو اقتصادي مكثف مع تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. إلا أن العلاقات الثنائية تراجعت في السنوات الأخيرة، وشابتها توترات تجارية متبادلة متكررة وتنافسات جيوسياسية متنامية.
أشاد الرئيس شي جين بينج بإنجازات البلاد، قائلاً إن “حياة الناس تتحسن باستمرار”، على الرغم من أن البيانات تشير إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وأضاف: “إن آفاق النهضة العظيمة للأمة الصينية مشرقة، والحلم الذي سعت إليه أجيال عديدة بعزيمة لا تلين يتحول تدريجياً إلى حقيقة”.
الاختلاف بين الزعيمين
يمثل رحيل جيانج زيمين إلى صفحات التاريخ الصيني نهاية نهائية للإصلاحات المتسارعة التي مثلها خلال تسعينيات القرن الماضي وأوائل الألفية الجديدة، والتي ركزت على ريادة الأعمال الخاصة وتنمية الثروة، وهو ما يتناقض هذا مع نهج الرئيس شي جين بينج الذي يمارس سيطرة مركزية أكبر، ويدفع باتجاه سياسة اقتصادية مركزية تركز على الاستقلال التكنولوجي والصناعات الاستراتيجية.
شهدت الصين تغييرات مؤلمة في عهد جيانج على رأسها إغلاق الشركات الحكومية غير المربحة بشكل مزمن، وتفكيك نظام الإسكان القديم لصالح سوق العقارات التجارية، وتجاوز الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينيات، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.

الرئيس “شي” أمام تحديات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة
يواجه الرئيس شي الآن تحديات كبيرة في سعيه لتجاوز التوترات التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا، والتوترات بشأن تايوان وتباطؤ النمو الاقتصادي والتراجع الديموغرافي، بينما يعمل جنب إلى جنب على ضرورة الحفاظ على القيادة العامة للحزب والقيادة المركزية الموحدة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وتعزيز الحكم الذاتي الكامل والدقيق للحزب، وضمان بقاء الحزب محور القيادة القوي في سبيل الاشتراكية ذات الخصائص الصينية.
ومن المرجح أن تثبت السنوات القليلة المقبلة أنها فترة حاسمة لجهود الرئيس شي وبكين قبيل ولايته الرابعة المتوقعة في مؤتمر الحزب العام المقبل، لترسيخ مكانتها في سلسلة التوريد العالمية للتكنولوجيا المتقدمة واكتساب ميزة على الولايات المتحدة. حيث لا تزال بكين تخوض منافسة استراتيجية حادة مع واشنطن تشمل التعريفات الجمركية والأمن الإقليمي والتكنولوجيا المتقدمة.
ماذا يعني ذلك لتايوان؟
أشاد الرئيس شي جين بينج بجيانج زيمين لإشرافه على تسليم هونغ كونج وماكاو ومعارضته استقلال تايوان، وأضاف الرئيس شي أن جيانج “قاد عملية العودة السلسة لهونغ كونج وماكاو”، ودفع جانبي مضيق تايوان للتوصل إلى “توافق 1992″، وهو اتفاق أقر بموجبه الطرفان بمبدأ “الصين الواحدة” مع احتفاظ كل منهما بحق استخدام اسمه الخاص.
تعتبر بكين تايوان جزء من الصين، ويجب إعادة توحيدها بالقوة إذا لزم الأمر، ولا تعتبر معظم الدول بما فيها الولايات المتحدة تايوان دولة مستقلة، لكنها تعارض تغيير الوضع الراهن بالقوة.
إعادة توحيد تايوان.. هدف استراتيجي لبكين
إذن ما ينبغي على المجتمع التايواني أن يستوعبه جيدًا من هذا الخطاب ليس فقط الأهمية التاريخية لإحياء ذكرى مرور مئة عام على ميلاد الزعيم الصيني جيانج زيمين، بل أيضًا عبارة بالغة الأهمية وردت فيه وهي “ستبعث نهضة الأمة الصينية بفضل إعادة توحيد الوطن الأم بالكامل، وبناء دولة اشتراكية حديثة مزدهرة وقوية وديمقراطية ومتقدمة ثقافيًا”.
وهو ما يتطابق مع التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، الذي أوضح أن حل قضية تايوان وتحقيق إعادة توحيد الصين بالكامل يمثلان للحزب مهمة تاريخية والتزامًا راسخًا، كما أنهما تطلع مشترك لجميع أبناء وبنات الأمة الصينية، وشرط أساسي لتحقيق نهضة الأمة الصينية.
وأعاد الرئيس شي جين بينج التأكيد على هذه الفكرة، مشيرًا إلى أن حلم النهضة الوطنية يتحول إلى حقيقة، كما أكد على أن مسار النهضة الوطنية في منعطف تاريخي جديد، ومع دخول النهضة الوطنية مرحلة حاسمة، لم تعد إعادة التوحيد مجرد قضية تنتظر النقاش، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العملية التاريخية نفسها.

من إرث “جيانج” إلى مشروع “شي” لمستقبل الصين
تولى جيانج السلطة عقب قمع أحداث ميدان تيانانمين عام 1989 متجاوزًا العقوبات الغربية، وانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، والأزمة المالية الآسيوية 1997-1998، كما أنه كسر الجمود الأيديولوجي حول ما إذا كانت إصلاحات السوق “اشتراكية أم رأسمالية” في أوائل التسعينيات، ممضيًا قدمًا في إصلاحات اقتصادية موجهة نحو السوق، مما مهد الطريق لانضمام البلاد إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، كما أعلن البنك المركزي الصيني في الأسبوع الماضي عن خطط لإصدار مجموعة من العملات التذكارية التي تحمل صورة جيانج في وقت لاحق من هذا الشهر بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده، مما أسعد قاعدة معجبيه الشباب على الإنترنت.






