فن ومنوعات

محفوظ عبد الرحمن.. 9 سنوات على رحيل “جبرتي الدراما العربية”

بعد 9 سنوات على رحيله، يظل اسم الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن حاضرا بقوة في ذاكرة الدراما العربية، بوصفه “جبرتي الدراما المصرية” وحارس بوابة التاريخ في التلفزيون والسينما والمسرح.

 عاش حياته يكتب “بمزاج” شديد، رافضا التنازل أو مجاملة السلطة، مؤمناً بأن الكلمة أمانة، وأن التاريخ ليس مجرد صفحات صامتة، وإنما حكايات وملاحم حية تنبض بالمشاعر والإنسان.

كان محفوظ عبد الرحمن يقول عن نفسه:” أتعامل مع النظام كما أنا، لا كما يريد النظام، ولم أمتدح أحداً”، وهي العبارة التي لخصت جانباً كبيراً من شخصيته وموقفه من الكتابة والسلطة.

ومن أبرز محطات حياته الفنية أزمة فيلم “القادسية”، الذي كان من أضخم الإنتاجات السينمائية في ذلك الوقت، قبل أن يواجه تعنت الرقابة والمنع، حيث رُفع الفيلم من دور العرض بقرار من الأزهر، بعد 3 أيام فقط من بدء عرضه. ورغم ذلك، لم يتراجع محفوظ عبد الرحمن عن أفكاره أو يتنازل عن رؤيته الفنية.

تخرج محفوظ عبد الرحمن في كلية الآداب، قسم التاريخ، عام 1960، وكان التاريخ بالنسبة إليه ونيساً دائماً في السفر والحياة، لكنه لم يكن معنياً بكتابة سير الملوك والحكام بقدر اهتمامه بحكايات الشعوب والبسطاء، الذين منحهم مساحة واسعة في أعماله، وجعل من حياتهم مدخلاً لفهم الأحداث الكبرى.

وفي التلفزيون، جاءت أعماله لتصبح علامات فارقة في تاريخ الدراما العربية، وفي مقدمتها مسلسل “بوابة الحلواني”، ذلك العمل الملحمي الذي رصد من خلاله تاريخ مصر وحكاية حفر قناة السويس، عبر عيون أسرة مصرية بسيطة، ليقدم التاريخ من زاوية الإنسان العادي، لا من منظور الأحداث الرسمية وحدها.

كما قدم مسلسل “أم كلثوم”، الذي تحول إلى واحدة من أبرز روائعه، وأرّخ من خلاله لقصة حياة «كوكب الشرق» ولعصرها الذهبي، في معالجة اتسمت بالأمانة والدقة والاهتمام بالتفاصيل.

أما في السينما، فكتب عدداً من الأفلام التاريخية الكبرى، من بينها “ناصر 56” و”أيام السادات”، ليؤكد مجدداً قدرته على تحويل الشخصيات والأحداث التاريخية إلى دراما نابضة بالحياة، تجمع بين التوثيق والبعد الإنساني.

وفي المسرح، ترك محفوظ عبد الرحمن بصمة لا تُنسى، من خلال أعمال مثل “حفلة على الخازوق” و”عريس لبنت السلطان”، مؤكداً تنوع تجربته وقدرته على الانتقال بين القضايا التاريخية والاجتماعية والسياسية بمشروع فني واضح.

وخلف الكاتب الكبير إرثاً فنياً وإنسانياً لا يقل أهمية عن أعماله، تمثل في قصة حبه وزواجه من الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز.

بدأت الحكاية عندما اعتذرت عن أداء دور صغير في أحد مسلسلاته، فطلب منها المخرج أن تقابل المؤلف، ليأتي رد محفوظ عبد الرحمن حاسماً: “أنا مبكبرش أدوار لحد”.

هذا الكبرياء الفني، الذي ربما كان صادماً في البداية، أعجب سميرة عبد العزيز بشدة، لتنشأ بينهما قصة حب تُوجت بالزواج، حيث كُتب عقد زواجهما أثناء سفرها لتصوير أحد الأعمال.

ووصفته زوجته بكلمات تختصر جانباً كبيراً من شخصيته، قائلة: “محفوظ عبارة عن كتلة من المشاعر والعقل والرقة، وكلماته غاية في العذوبة”.

وفي عام 2017، رحل محفوظ عبد الرحمن عن عالمنا إثر جلطة دماغية، تاركاً وراءه إرثاً فنياً كبيراً، وأعمالاً أصبحت جزءاً من ذاكرة المشاهد العربي، وتجربة استثنائية تُدرس في كيفية كتابة الدراما التاريخية بصدق وشغف، وكيف يمكن للكاتب أن يعيد الحياة إلى التاريخ دون أن يفقد الإنسان مكانه في قلب الحكاية.

وبعد 9 سنوات من غيابه، يبقى محفوظ عبد الرحمن حاضراً بأعماله، وبصوته الذي اختار أن يكتب التاريخ كما يراه، لا كما يُراد له أن يُكتب، ليظل واحداً من أبرز حراس الذاكرة المصرية والعربية.

زر الذهاب إلى الأعلى