رغم التحول الرقمي الذي يشهده العالم في شتى المجالات، إلا أن هناك سقطة في تطور الأداء الطبي في مصر، فما زال الأطباء يكتبون الروشتات الطبية بخط اليد وسط شكاوى عديدة من الصيادلة بعدم القدرة على قراءة محتوى الروشتة، ماوصفه الصيادلة بخط هيروغليفي ولوغاريتمات، يضع المريض في دائرة التخمينات ومنحنى الخطر، ويضع الصيدلي في مسئولية حل اللغز وهنا يبقى السؤال لماذا تأخرت وزارة الصحة.
وتكشف شهادات صيادلة وأطباء ومرضى عن وقائع لصرف أدوية أو جرعات غير صحيحة، في وقت يرى فيه متخصصون أن الروشتة الإلكترونية يمكن أن تكون أحد أهم الحلول للحد من هذه الأخطاء، شريطة ألا تقتصر على استبدال الورقة بشاشة، وإنما تأتي ضمن منظومة رقمية متكاملة تربط الطبيب والصيدلي والمريض، وتتيح مراجعة الجرعات والتداخلات الدوائية قبل وصول الدواء إلى المريض.
وفي إطار هذا الطرح، بات هناك عدة أسئلة ملحة، كيف تزال الروشتة الورقية حاضرة في عصر التحول الرقمي؟ ومتى تصبح الروشتة الإليكترونية منظومة متكاملة تضمن سلامة المريض؟ ولماذا تأخرت وزارة الصحة المصرية في تطبيقها؟
تجارب مؤلمة لضحايا روشتات باللوغريتمات
قالت “م. م” إنها خضعت منذ سنوات لعملية جراحية، وبعد عودتها إلى المنزل، فوجئت، رغم صرفها الأدوية من صيدلية شهيرة ومعروفة وجميع العاملين بها صيادلة، بصرف دواء خاطئ لها.
وأضافت أنه بعد ساعات، ومع استمرار ارتفاع درجة حرارتها، اضطرت الأسرة إلى الاتصال بالطبيب الجراح، الذي أبدى تعجبه من حالتها، وطلب منهم التوجه فورًا إلى قسم الطوارئ.
وتابعت أن أطباء الطوارئ اكتشفوا أن الصيدلية صرفت دواءً مختلفًا عن الدواء المدون في الروشتة والمخصص لخفض درجة الحرارة، موضحة أن الطبيب كان يؤكد أنه كتب خافضًا للحرارة، بينما أكدت هي وأسرتها أنها تناولت جميع الأدوية التي صرفتها الصيدلية، بالجرعات المدونة عليها، وأن الخطأ لم يكتشف إلا بعدما طلب طبيب الطوارئ مراجعة الأدوية التي تناولتها ومطابقتها مع الأدوية المكتوبة في الروشتة، ليتبين أن أحد الأدوية المصروفة لم يكن هو الدواء الذي وصفه الطبيب.
وشهدت مصر عددًا من الحالات التي ارتبط فيها صرف أدوية خاطئة بوجود أخطاء في قراءة الروشتات أو الالتباس بين أسماء الأدوية والجرعات، من بينها وفاة سيدة في الإسكندرية عام 2022، بعدما صرف لها دواء لعلاج ضغط الدم بدلًا من دواء الحساسية المدون في روشتة بخط غير واضح، ما أدى إلى هبوط حاد في الدورة الدموية، وطفل في إحدى قرى المنيا تناول مضادًا حيويًا بالخطأ، بعدما قرأ مساعد صيدلي اسم دواء آخر مشابهًا في الشكل والنطق، مريض بالسكري دخل في غيبوبة نتيجة صرف جرعة خاطئة من الأنسولين؛ إذ كتب على العبوة أن الجرعة تستخدم مرتين يوميًا، بينما كانت تعليمات الطبيب تشير إلى استخدامها مرة واحدة فقط، بسبب الالتباس في قراءة الروشتة.
أخطاء صرف الأدوية.. ملايين الإصابات وخسائر تتجاوز 40 مليار دولار عالميًا
تتراوح معدلات انتشار الأخطاء الدوائية وصرف الأدوية بشكل خاطئ في مصر بناءً على التقارير والجولات البحثية الميدانية بين 1.5% إلى أكثر من 10% بحسب نوع الدواء ونظام الرصد، وغالباً ما ترجع هذه الأخطاء إلى سوء خط يد الطبيب، تشابه أسماء الأدوية، أو غياب الصيدلي المرخص وإدارة الصيدلية بواسطة مساعدين غير متدربين.
وتبلغ نسبة الانتشار المجمعة لأخطاء صرف الأدوية في الصيدليات نحو 1.6% من إجمالي الوصفات الطبية، وفقًا للدراسات العالمية، بينما تتراوح معدلات الأخطاء الطبية المرتبطة بالتداوي في العيادات الخارجية بين 0.01% و55%، بحسب طبيعة وبيئة العمل.
وتتسبب هذه الأخطاء في ملايين الإصابات سنويًا حول العالم، فضلًا عن تكبد قطاع الرعاية الصحية خسائر مالية باهظة تتجاوز 40 مليار دولار سنويًا.
ووفقًا لدراسة أمريكية، يؤدي سوء خط الأطباء في الروشتات الطبية إلى أكثر من 7 آلاف حالة وفاة سنويًا في منطقة الشرق الأوسط، بينما يصل العدد إلى ضعف هذا الرقم في الدول الإفريقية.
أخطاء الروشتات.. معاناة يومية للصيادلة تهدد سلامة صرف الدواء
قالت الدكتورة نوران الشريف، إن الصيادلة يواجهون بشكل متكرر أخطاء في الروشتات الطبية، سواء في أسماء الأدوية أو تركيزاتها، موضحة: “نحن كصيادلة نواجه هذه المشكلة فبعض الأطباء يكتبون الدواء أو التركيز بشكل خاطئ،على سبيل المثال، قد يكتب الطبيب أوجمنتين 412، في حين أن التركيز الصحيح هو 425، وهنا أضطر إلى إقناع العميل بأن التركيز ليس 412، وأن الطبيب هو من كتب التركيز بشكل خاطئ، إلا أنه لا يقتنع إلا بعد جولات عديدة بالصيدليات، ثم يعود ليؤكد أن الطبيب بالفعل كتب التركيز بشكل خاطئ.
وأضافت، أنه في أحيانا أخرى يقوم الطبيب بكتابة حروف الدواء خطأ ويكون هناك فرق حرف واحد بين اسم دواء وآخر، وقد يأخذنا ذلك إلى نتيجة مختلفة تمامًا، لكن بحكم عملي الذي يمتد إلى 15 عامًا، أستطيع استبعاد بعض الاحتمالات، وأدرك أن الدواء المكتوب لا يمكن أن يكون المقصود، وأن الأرجح أن الطبيب يقصد دواءً آخر، خاصةً إذا كانت الروشتة واضحة في طبيعتها، مثل كونها روشتة أطفال أو روشتة باطنة.
وأشارت إلى أن سوء كتابة الروشتات قد يصل في بعض الحالات إلى درجة تجعل الصيدلي يرفض صرف الدواء خوفًا من وقوع خطأ، موضحةً: “اليوم جاءتني روشتة كانت كتابتها تشبه كويل سلك التليفون القديم، واعتذرت للعميل عن صرفها”.

وحول مدى قدرة الروشتة الإلكترونية على حل الأزمات التي يتعرض لها الصيدلي، أكدت الدكتورة نوران الشريف أنها يمكن أن تسهم بشكل كبير في الحد من هذه المشكلات، لأن الدواء سيكون واضح للمريض وللصيدلي، وإذا كان الطبيب يكتب التركيزات من خلال نظام إلكتروني، فستكون التركيزات صحيحة أيضًا.
ولفتت إلى عدد من الخلافات التي تحدث أحيانًا بين الصيدلي والعميل بسبب سوء قراءة الروشتة، فأحيانًا يكون العميل قد قرأ الروشتة بشكل خاطئ، ويصر على أن الطبيب كتب اسم دواء معينًا، بينما يكون الطبيب قد كتب اسمًا آخر، ولذلك فإن وضوح الروشتة سيجعل الأمر أكثر وضوحًا للعميل.
وتابعت هناك أيضًا مشكلة في كتابة الجرعات، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، فمثلًا قد يكتب الطبيب قرص مرتين، وتكون طريقة كتابة الجرعة غير واضحة، وأحيانًا تكون الجرعات نفسها مكتوبة بشكل خاطئ، فنضطر إلى توضيح أن الجرعة الصحيحة هي كذا، لذلك نأمل أن تسهم الروشتة الإلكترونية في الحد من مشكلات الـspelling، والتركيزات، ومواعيد الجرعات، سواء كانت الكتابة باللغة العربية أو الإنجليزية.
تشابه أسماء الأدوية وخط الأطباء يهددان سلامة المرضى
قال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية: “نحن الآن في عصر التكنولوجيا، ويجب أن تكون الروشتة واضحة المعالم، خاصة أن هناك أدوية كثيرة تتشابه في النطق والأسماء باختلاف حروف بسيطة، سواء تعلق الأمر بالمكملات الغذائية أو الأدوية السريعة أو الأدوية العادية والفيتامينات أو مستحضرات التجميل، قد يؤدي إلى مشكلات خطيرة، خاصة إذا تم صرف دواء بالخطأ لمريض يعاني من أمراض مزمنة أو نزيف أو صرع أو غيرها من الحالات المرضية، مؤكدًا أن الروشتة الإلكترونية هي الحل الأمثل لتقليل نسبة الأخطاء”.

وأوضح “عوف”، أن قراءة خط الأطباء قد تكون صعبة أحيانًا حتى على الصيدلي، مشددًا على ضرورة أن يكون من يقوم بصرف الدواء صيدليًا، لأن صرف الدواء لا يكون اعتمادًا على التشابه بين الأسماء فقط، وإنما وفقًا لحالة المريض والتشخيص، مؤكدًا أنه يفضل دائمًا قبل أن أصرف الروشتة أن أرى حالة المريض، حتى أكون على دراية بالدواء الذي سأصرفه له، وإذا لم أكن متأكدًا من شيء، أتواصل مع الطبيب وأسأله، وهذا هو الأفضل والمعتاد والمفترض.
وأكد، أن تطبيق الروشتة الإلكترونية سيحدث فارقًا كبيرًا في الحد من الأخطاء، قائلًا: «سيكون الكلام واضحًا، واسم الدواء واضحًا، وحالة المريض واضحة، والجرعات واضحة، مشيرًا إلى أن ضغط العمل لدى كثير من الأطباء قد يؤدي إلى كتابة الروشتات بسرعة، ما ينتج عنه أحيانًا أخطاء في أسماء الأدوية أو الجرعات، موضحًا أن دور الصيدلي هو مراجعة الروشتة والتواصل مع الطبيب في الحالات التي تستدعي ذلك، حفاظًا على سلامة المريض.
وطالب وزارة الصحة بسرعة اتخاذ قرار تطبيق الروشتة الإلكترونية وتعميمها على الأطباء، مؤكدًا أن النظام ليس بدعة مصرية، وإنما معمول به في دول مختلفة حول العالم، لافتًا إلى أنها مطبقة بالفعل في بعض المستشفيات الخاصة الكبرى داخل مصر، حيث يكتب الطبيب الروشتة وتنتقل بصورة آلية إلى الصيدلية من خلال النظام الإلكتروني.
وأوضح أن المقصود بالروشتة الإلكترونية لا يقتصر على مجرد كتابة الروشتة باستخدام الحاسب الآلي، وإنما يتطلب وجود نظام إلكتروني متكامل يربط بين الأطباء والصيدليات.
معاناة الصيادلة مستمرة
قال الدكتور أحمد غالي، صيدلي، إن عدم وضوح الروشتات الطبية يعتبر من أكبر التحديات للصيادلة، خاصة عندما يتعذر التعرف على اسم الدواء أو الجرعة الصحيحة، مؤكدًا أن الأولوية بالنسبة للصيدلي هي صرف الدواء السليم وتجنب حدوث أي تداخلات دوائية أو صرف دواء خاطئ.
وطالب “غالي” بتعميم الروشتة الإلكترونية، لأن الروشتة المطبوعة تسهل عملهم كصيادلة وتسهل قراءة الروشتة، لافتًا إلى هناك تطبيقات إلكترونية مجانية متاحة للطبيب، سواء على أجهزة الآيفون أو الأندرويد، يستطيع الطبيب كتابة الروشتة وإرسالها للمريض، وهذا يسهل عملية التعامل بالنسبة لنا، وكذلك عمل الطبيب.

وأشار إلى أن الاعتماد على الروشتات الورقية أصبحت شيئًا قديمًا جدًا، والتعامل معها أصبح أكثر صعوبة بسبب الأخطاء، وأحيانًا يكون اسم الدواء غير واضح، لدرجة أن الصيادلة أنشأوا مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل روشتة لوغاريتمات، ونطرح فيها صورة الروشتة لدرجة أن الصيادلة أنفسهم يختلفون على قراءة اسم الدواء.
وأضاف، أن المشكلة تزداد عندما يكون الدواء حديثًا في السوق ولم تتوافر عنه معلومات كافية، موضحًا أنه أحيانًا يكون الدواء جديدًا ولم يمر على طرحه سوى شهرين، فلا يكون معروفًا بالنسبة لي أو للصيدلي، ولا يكون موجودًا في البرامج التي نستخدمها أو حتى ظاهرًا بشكل واضح على محركات البحث، فإذا كان الطبيب قد كتب اسمه بطريقة غير واضحة، تبدأ عملية التخمين، وقد يخرج كل صيدلي باسم مختلف للدواء المقصود.

وأكد، أن هذه المشكلات قد تدفع الصيدلي إلى رفض صرف الروشتة حفاظًا على سلامة المريض، قائلًا: «كثيرًا ما رفضت صرف روشتات لأن اسم الدواء كان غير واضح، لأن الأهم بالنسبة لنا هو أن نصرف دواءً سليمًا، وألا يحدث تداخل دوائي أو يتم صرف دواء خاطئ للمريض، مشددً على أهمية التوسع في تطبيق منظومة الروشتة الإلكترونية، باعتبارها وسيلة للحد من أخطاء قراءة أسماء الأدوية والجرعات، وتسهيل التواصل بين الطبيب والصيدلي والمريض.
كتابة الدواء بالاسم العلمي.. وروشتة مميكنة
قال الدكتور محيي عبيد، إن مصر تشهد حاليًا تطبيقًا لمبادئ الحوكمة والتحول الرقمي، بما يعني أن مختلف القطاعات أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على الحاسب الآلي في أداء أعمالها، وبالتالي لا يجوز أن تستمر كتابة الدواء بخط غير واضح أو بجرعات غير واضحة.

وأوضح في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أنه في ظل وجود الحوكمة، من المفترض أن تتم كتابة الدواء بالاسم العلمي، وأن تكون الروشتة مميكنة ومكتوبة على الحاسب الآلي، بما يسهم في تلافي الأخطاء، مشيرًا إلى أن الصيدلي لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى تفسير ما وصفه بـ خبير في حل الرموز الهيروغليفية التي يكتبها بعض الأطباء.
وأكد أن عدم وضوح كتابة الدواء يضر جميع أطراف المنظومة، فالطبيب متضرر، والصيدلي متضرر، والمريض هو الأكثر تضررًا، مشددًا على أن كتابة الروشتة على الحاسب الآلي تحافظ في المقام الأول على سلامة المريض، وتقلل احتمالات الخطأ في صرف الدواء، سواء كان من يقوم بالصرف صيدليًا أو مساعد صيدلي.
وتابع أنه لا يوجد طبيب اليوم ليس أمامه جهاز كمبيوتر عندما يأتي لكتابة الروشتة، مؤكدًا أن الاعتماد على الروشتة الإلكترونية ليس رفاهية، وإنما ضرورة في إطار التحول الرقمي والحوكمة التي تشهدها الدولة، وأن التعنت في عدم تطبيقها هو نوع من أنواع التعنت في الاستهتار بحياة البشر.
وشدد مرة أخرى على ضرورة كتابة الدواء بالاسم العلمي إلى جانب تطبيق الروشتة الإلكترونية، موضحًا أن ذلك من شأنه أيضًا الحد من المصالح التجارية المرتبطة بين بعض شركات الأدوية والأطباء، فضلًا عن المساهمة في معالجة مشكلة نواقص الأدوية وتراكم الأصناف على أرفف الصيدليات، مشيرًا إلى أن السوق المصرية تضم نحو 29 إلى 30 ألف صنف دوائي، موضحًا أن الصيدلي إذا أراد توفير علبة واحدة من كل صنف، فإنه سيحتاج إلى نحو 3 ملايين جنيه، وهو ما يمثل عبئًا كبيرًا على الصيدليات.
الروشتة الإلكترونية تكشف أخطاء الدواء قبل وصولها للمريض
قال الدكتور محمد عز العرب، استشاري الجهاز الهضمي والكبد، إن الروشتات الإلكترونية تمثل أهمية كبيرة في الحد من أخطاء كتابة الوصفات الطبية، خاصة الأخطاء المرتبطة بصعوبة قراءة خط الطبيب، سواء في أسماء الأدوية أو تركيزاتها، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بصعوبة قراءة الخط، وإنما يمتد إلى الأخطاء التي قد تحدث في الوصفات الطبية، من حيث اسم الدواء وتركيزه والتفاعلات الدوائية بين الأدوية المختلفة.

وأضاف “عزالعرب” في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أن هناك دراسة مصرية أُجريت في عام 2019، قارنت بين فترة زمنية قبل استخدام الوصفات الإلكترونية والفترة نفسها بعد استخدامها، حيث امتدت المقارنة إلى خمسة أشهر قبل تطبيق النظام وخمسة أشهر بعده، وأظهرت انخفاضًا في أخطاء وصف الدواء بنحو 2%، وانخفاضًا في أخطاء صرف الدواء من جانب الصيدلي بنحو 1.2%، إلى جانب زيادة بنحو 18% في سرعة اكتشاف الوصفات الخاطئة، وهو ما يعكس أهمية النظام الإلكتروني في تقليل الأخطاء.
وأوضح عز العرب، أن مفهوم الروشتة الإلكترونية لا يعني مجرد أن يكتب الطبيب الوصفة على جهاز الكمبيوتر ثم يطبعها ويعطيها للمريض، وإنما يجب أن تكون جزءًا من نظام متكامل، مشيرًا إلى أن كتابة الوصفة إلكترونيًا تقلل الأخطاء الناتجة عن صعوبة قراءة الخط أو الالتباس في أسماء الأدوية وتركيزاتها، وتضمن اختيار التركيز المطلوب بصورة صحيحة، وهناك أيضًا أخطاء قد تحدث عند صرف أدوية متشابهة، نتيجة تشابه الكثير من الحروف بين أسماء دواء وآخر، وهذه الأخطاء قد تكون قاتلة في بعض الحالات.
وأشار إلى أن الحل يكمن في ربط الروشتة الإلكترونية بنظام متكامل يعرف باسم Clinical Decision Support، أو نظام دعم القرار السريري، موضحًا أن الطبيب يدخل إلى النظام البيانات الأساسية الخاصة بالمريض، مثل اسمه وعمره ووزنه وتشخيصه ونوعه والأمراض الأخرى التي يعاني منها، إلى جانب الأدوية التي يتناولها.
وأوضح، أن هذا النظام يستطيع اكتشاف الأخطاء الدوائية قبل صرف الدواء، سواء كانت أخطاء في اسم الدواء أو الجرعة، أو وجود أدوية لا تتناسب مع بعض الأمراض، وضرب مثالًا، في حالة وجود اختلال في وظائف الكلى، لا يمكن وصف أنواع معينة من المضادات الحيوية أو بعض الأدوية إلا وفق ضوابط وجرعات محددة.
وأكد، أن الوصفة الإلكترونية، عند تطبيقها بالشكل المأمول، لا تكون مجرد وسيلة لكتابة الروشتة على الكمبيوتر، وإنما تدخل في نظام متكامل يبدأ من الطبيب، ثم يمر عبر نظام دعم القرار السريري الذي يساعد على اكتشاف الأخطاء، وصولًا إلى الصيدلي المرتبط إلكترونيًا بالوصفة والمريض.
وأضاف، أن الطبيب، عند إدخال الدواء في النظام، يظهر أمامه الاسم العلمي والتجاري والتركيز والشكل الصيدلي، ثم يختار الجرعة والمدة المناسبة، وهو ما يقلل من الأخطاء المطبعية وأخطاء وصف الدواء، فضلًا عن تقليل أخطاء الجرعات والتفاعلات الدوائية والحساسية والتكرار الدوائي، أو ما يعرف بـ”الازدواجية الدوائية”، عندما يتم وصف دواءين يؤديان الغرض نفسه دون داعٍ.
ولفت إلى أن النظام المتكامل يمكنه كذلك المساعدة في تخصيص الجرعات للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة في الكلى أو الكبد أو أمراض القلب وغيرها، مؤكدًا أن تطبيق هذه المنظومة بصورة متكاملة يمكن أن يمنع عددًا كبيرًا من الأخطاء التي قد تكون لها عواقب كارثية على المرضى.
وقال عز العرب، إن بعض المستشفيات الخاصة والاستثمارية بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات جيدة في هذا الاتجاه، من خلال التعاون بين الطبيب والصيدلي الإكلينيكي، بحيث يتم الوصول إلى الوصفة الأنسب للمريض وفقًا لطبيعة مرضه، والأمراض الأخرى التي يعاني منها، والأدوية التي يتناولها، والتفاعلات المحتملة بينها وبين الدواء الجديد.
وفيما يتعلق بدور الصيدلي في صرف الأدوية، أوضح أن الصيدلي يمكنه، وفقًا للنظم المعمول بها عالميًا، صرف بعض الأدوية التي تُعرف باسم OTC (Over The Counter)، وهي الأدوية التي تُستخدم لتخفيف بعض الأعراض البسيطة، مثل الصداع أو المغص أو ارتفاع درجة الحرارة أو أعراض البرد الخفيفة، لحين الكشف لدى الطبيب، مشددًا على أن هناك أعراضًا أخرى لا يجوز التعامل معها بمجرد صرف دواء من الصيدلية، لأنها قد تكون مؤشرًا على حالة مرضية خطيرة، موضحًا: “إذا كان شخص كبير في السن يعاني من ألم شديد وقيء وتعرق، فلا يمكن التعامل مع الحالة على أنها مجرد مشكلة في المعدة، فقد تكون أزمة ذبحة صدرية أو مشكلة في القلب”.
وتابع، أن المريض الذي يعاني من ارتفاع ضغط الدم ويشكو من صداع، لا ينبغي الاكتفاء بصرف دواء للصداع، لأن ارتفاع الضغط قد يكون شديدًا وقد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، كما أن الصداع المستمر قد يكون مؤشرًا على وجود مشكلة صحية خطيرة، مثل التهاب داخل المخ أو التهاب السحايا.
وأكد، أن صرف الأدوية بناءً على الأعراض فقط قد يمثل خطورة على المريض، وقد وقعت بالفعل مشكلات كبيرة بسبب ذلك، مشيرًا إلى أن دور الصيدلي مهم جدًا في التوعية بالاستخدام الأمثل للدواء والتأكد من صرف الدواء الصحيح للمريض والجرعة المناسبة، وكذلك مراجعة التفاعلات بين الأدوية الموجودة في الوصفة.
واختتم عز العرب بالتأكيد على أن دور الصيدلي لا ينبغي أن يمتد إلى صرف الأدوية التي تتطلب تشخيصًا طبيًا دون إحالة المريض إلى الطبيب، مشيرًا إلى أن قانون الصيدلة رقم 127 لسنة 1955، باعتباره القانون المنظم لمهنة الصيدلة في مصر، يتضمن تنظيمًا لصرف الأدوية والوصفات الطبية، مؤكدًا أهمية الالتزام بالكشف الطبي قبل صرف الأدوية التي تستلزم وصفة طبية.
تخوفات حول تطبيق الروشتات الإليكترونية
قالت الدكتورة صافيناز طلعت، الصيدلانية وعضو مجلس النواب، إن تطبيق نظام الروشتة الإلكترونية يمثل خطوة مهمة في إطار التحول الرقمي بالمنظومة الصحية، مؤكدة أن مصر تأخرت كثيرًا في هذا المجال، وأنها تؤيد التحول الرقمي بصورة كبيرة، لكن الأهم هو أن يتم تنفيذ المنظومة بشكل متكامل ومدروس.

وأوضحت “طلعت” في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أن أهمية الروشتة الإلكترونية لا يجب أن تقتصر فقط على التغلب على مشكلة سوء قراءة خط الطبيب، وإنما يجب أن تكون جزءًا من منظومة صحية متكاملة، مشيرة إلى أن المريض يمكن أن يكون له ملف صحي مرتبط بالرقم القومي، يتضمن حالته الصحية، والمستشفيات التي دخلها، والأمراض التي يعاني منها، والأدوية التي يتلقاها، بما يتيح متابعة حالته بصورة أكثر دقة.
وأضافت، أن تطبيق المنظومة بصورة صحيحة يمكن أن يسهم في ضمان سلامة التشخيص، وصحة الدواء والجرعات والمواد الفعالة، إلى جانب وجود صيدلي مؤهل في الصيدلية لصرف الدواء والتعامل مع أي تحذيرات أو تداخلات دوائية، فضلًا عن إمكانية متابعة المريض في حال ظهور أي آثار جانبية أو اكتشاف وجود حساسية تجاه أحد الأدوية.
مخاطر التحول الرقمي في المنظومة الصحية
وشددت على أهمية التأكد من جاهزية البنية التحتية والشبكات والأنظمة الإلكترونية قبل التطبيق الكامل، محذرة من أن تحول الروشتة الإلكترونية إلى إلزام كامل دون وجود نظام قادر على العمل باستمرار قد يؤدي إلى مشكلة جديدة، تتمثل في تعطل صرف الدواء حال سقوط النظام أو انقطاع الشبكة.
وتابعت حديثها قائلة: “الموضوع الذي يخيفني هو أن يصبح السيستم نفسه عقبة أمام المريض، فلا نريد أن يصل المريض إلى الصيدلية، ثم يقال له إن الروشتة لم تصل بسبب تعطل الشبكة أو وقوع النظام، ونجد أنفسنا أمام عقبة أكبر من المشكلة التي نحاول حلها”.
وأشارت إلى أن الأولوية بالنسبة لها ليست سرعة تطبيق الروشتة الإلكترونية بقدر جودة التنفيذ، قائلة إن المطلوب هو التأكد من أن المنظومة تعمل بكفاءة قبل تعميمها، حتى لا تظهر مشكلات في إحدى حلقات المنظومة تؤدي في النهاية إلى تعطيل حصول المريض على علاجه.
وأكدت، أن التأخر في معالجة مشكلة الروشتة الورقية له أيضًا آثار سلبية، خاصة مع احتمالات سوء قراءة الخط الطبي وصرف دواء أو جرعة بصورة غير صحيحة، موضحة أن سرعة التنفيذ مهمة، لكن يجب أن تتزامن مع ضمان جودة التطبيق وعدم خلق عقبات جديدة أمام المرضى.
وأختتمت حديثها، أن الروشتة الإلكترونية فكرة جيدة جدًا وأن مصر متأخرة في هذا المجال، لكن يجب دراسة المعوقات المحتملة والتأكد من عدم تحول النظام الجديد إلى عقبة أمام وصول الدواء إلى المريض، مشددة على أن الهدف في النهاية هو تحقيق منظومة صحية أكثر أمانًا وكفاءة، وليس مجرد الإسراع في تطبيق نظام جديد.






