سياسة

الشعبية الرقمية للسياسيين.. هل عدد المتابعين يعكس الثقل السياسي الحقيقي؟

في ظل التحول الرقمي هل أصبح ثقل الأحزاب والنواب والسياسيين يقاس بعدد متابعيها عالسوشيال ميديا ؟

بات التحول الرقمي تطور تكنولوجي يفرض نفسه على حياتنا اليومية، ويحاوطنا في كل مكان، ليمتد أيضًا ويصبح أداة أساسية في العمل العام وترويج السياسي لنفسه، حيث تمنح السوشيال ميديا السياسي قدرة غير مسبوقة على الوصول السريع إلى ملايين المواطنين.

ولم يكن الانتشار والظهور على منصات السوشيال ميديا المختلفة، مجرد وسيلة للتواصل مع الجمهور، بل أصبح أداة أساسية لرسم وصناعة الصورة العامة للسياسي، أو النائب، أو الحزب بشكل عام.

ومع اتساع هذا الحضور أصبح المواطن العادي في بعض الأحيان، يرسم صورة ذهنية قوية لنائب ما من خارج دائرته بمدى انتشاره على السوشيال ميديا، وعدد متابعيه، والتفاعلات على صفحاته ، وربما يقيس شعبيته ونفوذه، ويقيم حجمه السياسي من خلالها، رغم أن هذه التفاعلات قد تكون وراءها حملات إعلانية ممولة.

وهنا بات هناك سؤالا ملحا، هل كل حضور رقمي يعكس تأثيرًا سياسيًا حقيقيًا، أم أن الإعلانات الممولة تصنع شعبية وهمية؟، وهل في ظل التحول الرقمي أصبح ثقل الأحزاب والنواب يقاس بعدد متابعيها؟.

يؤكد خبراء وسياسيون أن الشعبية الرقمية لا تعني بالضرورة امتلاك ثقل سياسي، أو قاعدة جماهيرية حقيقية،بل يبقى التواصل الفعلي مع المواطنين ومدى تأثيرهم على حياتهم وتقديم خدمات لهم، خاصة مع انتشار ظاهرة العزوف عن السياسة داخل المجتمع المصري ككل.

السوشيال ميديا عنصر مؤثر على الرأي العام

أحمد سلام الشرقاوي
أحمد سلام الشرقاوي

أكد أحمد الشرقاوي، عضو مجلس النواب السابق، والسياسي البارز، أن السوشيال ميديا مؤثرة في انطباعات الناس عن النائب وعن السياسي، مضيفًا أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هي الأدوات الإعلامية التي بات يستخدمها النائب، والتي تستخدمها الكيانات والجهات لإعلام الجمهور بأخبارهم وأنشطتهم، وبالتالي أصبح عنصرًا مؤثرًا على الرأي العام وعلى انطباعات الناس، وخصوصًا مع انحصار أهمية الوسائل الأخرى، مثل الصحف الورقية، التي اختفت تقريبًا.

وأضاف “الشرقاوي” في تصريح خاص لـ”ليبرالي”، أن وسائل الإعلام التقليدية مثل  التلفزيون والراديو والوسائل الأخرى، تراجعت في مقابل وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة، حيث أصبح في يد كل مواطن عادي، أو نائب أو سياسي أو غيره، كأنه يمتلك أداة إعلامية.

وتابع أن سوء استخدام التعبير في السوشيال يؤدي إلى نتائج سلبية، وحسن استخدامها يؤدي إلى نتائج إيجابية، بإعلام دقيق وصحيح، والعبرة في النهاية تبقى باختيار النائب أو السياسي، بالدقة والحقيقة والرأي السديد، حتى تتحقق نتائج إيجابية.

ثقل النائب يصنعه أداؤه وتأثيره في الشارع

محمد عبدالعليم داوود
محمد عبدالعليم داوود

وقال النائب محمد عبدالعليم داوود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، إنه لا يعتقد أن الجمهور يقيس ثقل النائب أو السياسي بحجم متابعيه عالسوشيال ميديا.

وأوضح في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن هناك سياسيين ونواب لهم متابعين بالآلاف، لكن القياس الحقيقي بمدى فرض كل شخص بأدائه البرلماني والسياسي ووجوده وتأثيره في الشارع المصري.

وتابع أنه بالمقارنة هناك سياسيين ربما لا يكون لهم صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي أو غير نشطين على السوشيال  ميديا، ولكن لهم تأثير كبير في الشارع.

وأكد أن تقييم السياسي يجب ألا يرتبط بالانتشار التكنولوجي، في ظل إتاحة حملات إعلانية ممولة، ولكن هذا لا ينفي وجود سياسي يجمع بين الشعبية الرقمية والشعبية الحقيقية.

وتابع قائلًا:” يجب ألا ينخدع المواطن بالشعبية الرقمية الزائفة، فالنائب الحقيقي لا تصنعه الأرقام ولا التفاعل، وإنما يتحدث عنه جوهره ومضمونه وأداؤه”.

عدد المتابعين والنفوذ السياسي

وحول ما إذا كان عدد المتابعين يمكن اعتباره مؤشرًا على الشعبية أو النفوذ السياسي، أوضح “داوود” أن عدد المتابعات أو المتابعين والمشاهدات قد تشكل شعبية زائفة أحيانًا، بينما قد يكون في حالات أخرى مؤشرًا على شعبية حقيقية وإيجابية، ولذلك.

وتابع أن الحكم الأدق لا يكون بالأرقام وحدها، وإنما بالنظر إلى طبيعة المحتوى الذي يقدمه كل شخص، سواء كان سياسيًا أو نائبًا أو غير ذلك، ومدى تفاعل الجمهور معه وتأثيره الحقيقي، خاصة في ظل توافر خاصية المنشورات الممولة التي تزيد من التفاعل، بخلاف بعض العبث الإليكتروني الذي يظهر البعض منهم موجودين على الساحة، بالحياة السياسية والحياة الاجتماعية، بحجم أكبر من الطبيعي أحيانًا، وأحيانًا يحدث العكس أن يكون من لهم الأثر الإيجابي على الأرض وفي الواقع أكبر مما يبدون عليه على وسائل التواصل المتنوعة.

الشعبية الرقمية والثقل السياسي

وأكد أن الشعبية الرقمية قد تكون وهمية أحيانًا، أما الثقل السياسي فهو راسخ وثابت ومتحقق، سواء كان من يملك هذا الوزن الثقيل، لديه شعبية إلكترونية من عدمه، ولكن بكل الأحوال أن نهمل هذه الأداة وهذا المؤشر كمؤشر على الانتشار أكثر منه عن الشعبية.

إعادة تشكيل القوة والوزن السياسي

من جانبه قال علاء أبوالمجد، الخبير التكنولوجي والتحول الرقمي، أن المشهد السياسي يقخوض اليوم تحولاً جذرياً بفعل التطور الرقمي، حيث تحولت شبكات التواصل الاجتماعي من مجرد منصات لنشر الأخبار إلى ساحة رئيسية لإعادة تشكيل مفهوم “القوة والوزن السياسي”.

وأضاف “أبوالمجد” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن هذا التحول المتسارع يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة حول مدى حقيقة هذا التأثير، وما إذا كنا أمام قوة سياسية فعيلة أم مجرد “صورة وهمية” تُصنع عبر الشاشات والإعلانات الممولة.

وهم الأرقام وتحدي الشعبية المصنوعة.. فضول ومتابعة عابرة

وأشار إلى أن عدد المتابعين اليوم أصبح بمثابة الواجهة الاستعراضية الأولى للأحزاب والنواب، إلا أن الاعتماد عليه كمقياس وحيد للنفوذ السياسي يعد قراءة قاصرة ومضللة، لأن إن الحسابات الوهمية والجمهور العابر لا يبنون حزباً ولا يصنعون ثقلاً سياسياً حقيقياً،  فغالبية المتابعين على المنصات الرقمية يتحركون بداعي الفضول أو المتابعة العابرة، دون أن يمثلوا بالضرورة قاعدة تنظيمية أو كتلة تصويتية حقيقية.

وتابع أن الانفصال الجغرافي يبرز كأحد أكبر عيوب هذا المعيار، فقد يحظى السياسي بملايين المتابعين عبر الفضاء الرقمي المفتوح، بينما يفتقر إلى التأثير الفعلي داخل دائرك الانتخابية التي تحسم فيها المقاعد والأصوات الحقيقية.

الإعلانات الممولة وصناعة الوعي الزائف

وأوضح أن الخطورة الأكبر للتحول الرقمي في القدرة على التلاعب بالوعي العام من خلال الإعلانات الممولة وتقنيات الاستهداف الدقيق، إن الميزانيات الضخمة الموجهة للحملات الإعلانية تتيح للسياسي “شراء الوصول” واختراق شاشات الملايين دون أن يعكس ذلك دعماً شعبياً تلقائياً، وهو ما يؤدي إلى خلق “رموز زجاجية” وبطولات ورقية قد تسقط فور توقف الضخ المالي أو عند مواجهة أوّل اختبار جماهيري في الشارع.

وأكد على الاعتماد على الخوارزميات والرسائل الموجهة لتضخيم الحضور الرقمي يهدد بتشكيل رأي عام قائم على الوهم، حيث يُصنع التواجد السياسي كمنتج تسويقي يُصنع في الغرف المغلقة بدلاً من أن يكون نتاجاً لبرنامج عملي يلامس احتياجات المواطنين.

مؤشرات التأثير الحقيقي بعيداً عن عدد المتابعين

ولفت إلى أن قياس التأثير السياسي الرقمي بشكل أكثر دقة، بحسب اتجاه الخبراء إلى تجاوز أرقام المتابعين والتركيز على مؤشرات التفاعل العضوي والفعال من خلال عدة عناصرمتمثلة في نسب المشاركة وإعادة النشر والتي تعكس مدى اقتناع المتابع بالرسالة وتبنيها ونشرها في دوائره الخاصة بملء إرادته، و جودة التعليقات وتحليل الاتجاهات لتمييز التأييد الواعي عن الهجوم أو التعليقات الآلية والسطحية، والوصول العضوي Non-paid Reach لقياس مدى الانتشار الذي يحققه السياسي دون الاستعانة بالحزم الإعلانية المدفوعة، والمحتوى العفوي من الجمهورمن خلال قيام القواعد الجماهيرية بإنتاج محتوى داعم ومستقل تعبيراً عن إيمان حقيقي بالفكرة.

الحضور الرقمي وسرعة الانتشار

وتساءل عن مدى قدرة هذا الحضور الرقمي على التحول إلى قوة سياسية على الأرض؟، موضحًا  أن المنصات الرقمية تعمل كـ “مكبر صوت” يمنح السياسي سرعة انتشار وقوة ناعمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الشارع والتنظيم الحزبي والخدمة المباشرة للمواطنين.

وأوضح الفرق الجوهري بين السياسي الحقيقي والمؤثر الرقمي يكمن في قدرة الأول على الترجمة الميدانية، أي تحويل “اللايك” والتفاعل الافتراضي إلى صوت حقيقي في صندوق الانتخاب، وقواعد تنظيمية قادرة على حماية مكتسباته التشريعية والبرلمانية. وفي النهاية، تظل الصناديق والتواجد بين الجماهير هي المحك الفعلي لأي وزن سياسي.

 

عزوف المجتمع المصري عن السياسة

بينما رأى أحمد فوزي، القيادي بالحزب المصري الديمقراطي، والمرشح المحتمل لرئاسة الحزب، أن الأزمة أكبر بكثير من المتابعين للسياسيين والمتفاعلين، وهي أن المجتمع المصري منذ فترة طويلة، لم يعد مهتما بالسياسة أو الأحزاب أو الشخصيات العامة بشكل عام حتى المستقلين، فالمجتمع متجرد من الحياة السياسية تماما.

وأضاف “فوزي” في تصريح خاص لـ”ليبرالي” أن الأجيال الجديدة تنظر إلى السلاح الذي يمتلكونه بين أيديهم، لدرجة أن صناع المحتوى واليوتيوبرز أصبحوا مؤثرين أكثر من السياسيين، كما يمكن أن يحظى أشخاص  يتحدثون في مجالات الثقافة أو الفن أو الأدب  باحتمام يفوق السياسيين، مؤكدًا أن هناك أدوات كثيرة يمكن من خلالها لتواصل مع الجمهور.

وتابع أن المواقع الصحفية على سبيل المثال، والصحف والظهور الإعلامي، ظهر بديلهم “البودكاست” ويحظى بمشاهدة أوسع، لكن في النهاية الشخص الذي يشاهد شخصية سياسية أو عضوا في البرلمان قد يعرف اسمه أو لا يعرفه أو ينسى هذه الشخصية، قد يشعر بالإعجاب أو الاحتقار أو الغضب تجاهه لكن هذا التفاعل لا يعني بالضرورة حدوث تأثير حقيقي.

 وأضاف أن هناك نوابا يبرز أداؤهم داخل البرلمان، لكنهم لا يتمتعون بالقدر نفسه من التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن حتى المهتمين بالشأن العام والسياسة أصبحوا أقل متابعة للمشهد السياسي، مستشهدًا بأنه ينتمي إلى جيل كان معظم المواطنين فيه يتابعون جلسات مجلس النواب على الهواء أو مسجلة، وكانوا يعرفون أسماء الوزراء والسياسيين، لكن اليوم رغم مشاركته القوية في العمل العام إلا أنه لا يعرف سوى عدد محدود من أسماء الوزراء.

وأكد أن الأزمة أصبحت أكبر وأعمق من مجرد قدرة السياسيين أو النواب على الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تتمثل في أن المواطن لم يعد يشعر بأن البرلمان يقوم بدور مؤثر في حياته اليومية، مشددا  على  أنه لا يوجد ما يؤثر في وعي الناس وتشكيله، بسبب غياب الربط بين أهمية السياسة وتأثيرها على الحياة اليومية،

وأشار إلى أن الوضع كان مختلفًا في فترات سابقة، حيث كان البرلماني يستطيع في الماضي تقديم بعض الخدمات المباشرة للمواطنين، بينما لم يعد الأمر كذلك في الوقت الحالي، مؤكدًا أن هذه ليست مشكلة النواب أو البرلمان، وإنما مشكلة مرتبطة بعدم حصول السلطة التشريعية على المساحة الكافية التي تمكنها من ممارسة دورها بصورة مؤثرة.

وفيما يتعلق بالمواطن العادي، وتقييمه لشعبية نائب أو سياسي من خلال متابعيه عالسوشيال ميديا ، قال أن المواطن العادي لا يهمه أي شيء بل يمكن أن يشاشهد مقطع وينسى اسم صاحبه، أو في أضيق الحدود سيقول “فلان كويس”.

الشعبية الرقمية والثقل السياسي

وأوضح “فوزي” أنه لا يوجد ثقل سياسي لأي شخصية سياسية في مصر ولا لأي حزب في مصر، وهذه لم تكن أزمة السياسيين بل بسبب ضيق المساحة للسياسيين والأحزاب بأن يكون لهم تأثير مباشر على المواطنين لا من خلال الأدوات البرلمانية ولا من وسائل الإعلام المختلفة، لافتاً إلى أن ما يهم المواطن ليس النائب القوي أو النائب ذوو الشعبية الرقمية في ظل عدم إحساسه بتأثير أي منهما.

ولفت إلى أن هذه الفجوة جعلت تيارات وأطرافًا أخرى أكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين والتواصل معهم، مستشهدًا بقدرة التيار الإسلامي في فترات سابقة على بناء حالة من التواصل مع المجتمع ونشر ثقافته.

وأضاف أن حالة الفراغ الموجودة والتي كان سببها تأبين الحياة العامة والسياسية أسهمت في ظهور أشكال مختلفة من التواصل المجتمعي، مؤكدًا أن الأزمة لا تكمن في النواب أو الأحزاب وحدهم، وإنما في الطريقة التي يتم بها التواصل مع المواطنين.

واختتم حديثه بالتأكيد على ضرورة تطوير أدوات التواصل، باعتبار ذلك واجبًا على الأحزاب والسياسيين، خاصة في ظل الحاجة إلى الوصول إلى المواطنين والاستماع إليهم، ومنح البرلمان والأحزاب السياسية مساحة أكبر تمكنها من ممارسة أدوارها.

زر الذهاب إلى الأعلى