مقالات

حين أصبح العامل قوة يتصارع عليها الجميع

المقال الرابع من سلسلة العامل المصري.. حكاية وطن

لم يكن العامل المصري يعرف، وهو يقف في صفوف المظاهرات أو يتوقف عن العمل، أن شيئا أكبر كان يتشكل، قبل سنوات قليلة كان العامل يحتج، ثم بدأ ينظم نفسه، ثم تعلم أن يتضامن، ثم تعلم أن يضرب عن العمل.

ظهرت الجمعيات والنقابات، وأصبح هناك أعضاء واجتماعات واشتراكات ولوائح ومجالس، العامل الذي كان بالأمس مجرد فرد داخل مصنع أو ورشة، بدأ يكتشف أن تجمعه مع الآخرين يمنحه قوة

والقوة حين تظهر في أي مجتمع… لا تمر طويلا دون أن يلتفت إليها أحد

وفي مصر العشرينيات … التفت إليها الجميع

قبل أن يصل السياسيون… كان الاشتراكيون هناك

في عام1921ظهر أول اتحاد عام لنقابات العمال في مصر بجهود رجال الحزب الاشتراكي المصري.

بدأ الاتحاد في القاهرة بنحو ثلاثة آلاف عامل، ثم انتقل مركز نشاطه إلى الإسكندرية، واتسع نطاقه حتى أصبح في عام .1923قوة مؤثرة داخل الحركة العمالية

لم يكن الاشتراكيون يرون العامل مجرد مواطن يريد زيادة في الأجر.

كانوا يرونه طبقة.. لها مصالحها.. ولها تنظيمها.. ولها معركتها التي تخدم انتشار تنظيماتهم وسط المجتمع.

واتسع نشاط الاتحاد، وظهرت له نقابات في القاهرة والإسكندرية والمنصورة وطنطا وشبين الكوم، ودخل العمال في إضرابات واحتجاجات أصبحت تفرض نفسها على الدولة وأصحاب الأعمال.

كان الاشتراكيون قد دخلوا إلى العمال بالفعل، لكنهم لم يكونوا وحدهم .

والوفد اكتشف القوة الجديدة

كان الوفد ينظر إلى العامل من زاوية أخرى، العامل مواطن مصري، وهو أيضا جزء من الحركة الوطنية، وصوت يمكن أن يتحول إلى قوة في الشارع والانتخابات والبرلمان، وهكذا بدأ طريقان يقتربان من المكان نفسه.

الاشتراكيون يريدون العامل داخل مشروعهم، والوفد يريد العامل داخل مشروعه الوطني والسياسي .

أما العامل نفسه …

فكان يبحث عن شيء أبسط …  من يدافع عن حقه؟

لكن السياسة للأسف نادرا ما تظل بهذه البساطة.

مارس 1924… والاتحاد يدخل مرحلة جديدة

في مارس  1924بدأت شهادة ميلاد الاتحاد العام لنقابات عمال وادي النيل.

ظهر في المقدمة عبد الرحمن فهمي، السياسي الوفدي البارز، الذي تولى رئاسة الاتحاد، وعاونه الدكتور محجوب ثابت.

وكان محجوب ثابت طبيبا ونقابيا ورجلا وطنيا قريبا من الوفد وسعد زغلول، ونُفي معه، لكنه كان قد بدأ يرى الحركة العمالية باعتبارها أكثر من مجرد ورقة في يد السياسة.

لم يكن الاتحاد يريد أن يجمع العمال فقط، بل أراد أن يكون لهم صوت في المجال العام.

ولهذا أنشأ جريدته الأسبوعية “اتحاد العمال”.

جريدة تحمل صوت التنظيم الجديد، وتنقل أخبار العمال ومطالبهم، وتمنح الحركة العمالية منبرا تتحدث من خلاله إلى المجتمع.

لم يعد العامل يملك الإضراب فقط، أصبح يملك منبرا.

14 ابريل 1924

في 14 أبريل 1924 خرج نحو خمسة آلاف عامل في مظاهرة.

مرت الجموع أمام القصر الملكي، ثم أمام مجلس النواب، ثم اتجهت إلى دار عبد الرحمن فهمي، لم تكن مجرد مظاهرة.

كان هناك مشروع أكبراتحاد عام للنقابات

كان العامل ينتقل من الاحتجاج … إلى المؤسسة من الشارع … إلى المقر من الهتاف … إلى اللائحة

ومن التجمع المؤقت … إلى مجلس وقيادة .

لكن هنا ظهر السؤال الذي لم يكن بسيطا.

من سيقود هذه القوة؟.

من يملك حق أن يقول: إضراب؟.

بدأت اللجان تعمل ، النقابات تتصل ببعضها، اللوائح تراجع، النقابات المتوقفة تحاول العودة، ونقابات جديدة تظهر.

وأصبح للاتحاد دور في تنظيم الإضرابات وهنا ظهرت مفارقة جديدة.

العامل الذي اكتشف أن قوته الحقيقية في قدرته على أن يقول(لا) وجد نفسه أمام تنظيم جديد يقول :

يمكنك أن تقول لا… لكن ليس وحدك

بدأ الخلاف

هل التنظيم الموحد يقوي العامل؟

أم أن منح الاتحاد سلطة واسعة قد يحول القيادة نفسها إلى مركز قوة جديد؟

ومن هنا بدأ الصراع داخل الحركة العمالية .

الاتحاد الأصفر

لم يمر الاتحاد الجديد بلا خصومة، في إشارة إلى اعتقادهم بأنه قريب من القوى السياسية التي ساندت قيامه، وليس مستقلا عنها تماما، فقد أطلق بعض خصومه من التيارات اليسارية اسم  الاتحاد الأصفر وهنا لم يعد الصراع مجرد خلاف على اسم أو لائحةكان هناك سؤال أكبر :

هل النقابة للعمال… أم لمن يستطيع الوصول إلى العمال؟

الاشتراكيون يريدون العامل داخل مشروعهم.

والوفديون يريدونه داخل مشروعهم الوطني.

والطرفان يتحدثان عن مصلحة العامل.

لكن كل طرف يرى هذه المصلحة من زاويته.

وبينهما كان العامل نفسه يحاول أن يعرف:

أين مصلحتي أنا؟

لكن المعركة لم تكن خارج النقابة فقط

كانت هناك مشكلة أخرىأي قوة جديدة تظهر في المجتمع لا تواجه خصومها فقط، تواجه نفسها أيضا.

داخل التنظيم بدأ يظهر الصراع على القيادة والطموح ،واختلاف المصالح، ومن يرى النقابة وسيلة للدفاع عن العمال، ومن يراها طريقا للصعود السياسي، ومن يرى أن التحالف مع حزب قوة، ومن يرى أنه بداية لفقدان الاستقلال.

وهكذا أصبح التنظيم محاصرا من الخارج والداخل.

لكن الأخطر أن القوى المختلفة بدأت تكتشف أن السيطرة على التنظيم قد تكون أهم من السيطرة على الشارع.

حين يصبح مجلس النقابة هو ساحة المعركة

فالشركة لا تحتاج دائما إلى حل النقابة، قد يكون الطريق الأسهل هو التأثير فيمن يجلس داخل مجلسها.

فصل رئيس…الضغط على …عضواستمالة شخصية…دعم شخصية أخرى… تفرقة العمال بالفتنة بينهم .

وبذلك يصبح السؤال:

من سيفوز في الانتخابات؟.

ومن سيدخل المجلس؟.

ومن سيملك القرار؟.

ومن يستطيع أن يقول للإدارة لا؟.

ومن يمكن أن تجد الإدارة معه مساحة أكبر للتفاهم؟.

وهنا يصبح مجلس النقابة نفسه ساحة صراعلم تعد المعركة فقط على وجود النقابةبل على من يمثل العمال داخلها.

محجوب ثابت في قلب العاصفة

وبعد اعتقال عبد الرحمن فهمي واستقالته من رئاسة الاتحاد، تولى محجوب ثابت القيادة من بعده.

لكن وزارة أحمد زيور اتخذت إجراءات تعسفية انتهت بالإجهاز على الاتحاد واحتجاب جريدته الأسبوعية (اتحاد العمال).

كان يمكن أن تنتهي الحكاية هنا، اتحاد سقط، جريدة اختفت، وقيادة أُبعدت، لكن شيئا مهم لم يسقط بعد…ثقة العمال في الرجل.

لكن هنا لازم نفرق بين كيانين حتى لا تختلط الحكاية.

الاتحاد العام لنقابات عمال وادي النيل كان مظلة اتحادية تسعى إلى جمع النقابات المختلفة تحتها.

بينما كانت نقابة العمال المصريين كيانا نقابيا قائما بذاته، انتخب عماله محجوب ثابت رئيسا لهم، وتظهر سجلات الحركة العمالية أن النقابة كانت تضم نحو 420 عضوا، وكان أغلبهم من عمال السكك الحديدية.

لذلك، عندما سقط الاتحاد واحتجبت جريدته، لم يكن سقوط الاتحاد نهاية محجوب ثابت.

فعندما حاولت الحكومة، وسط محاولات القصر والإنجليز السيطرة على الحركة العمالية، إعادة ترتيب المشهد، اختار أعضاء «نقابة العمال المصريين» محجوب ثابت رئيسا لهموكأن العمال كانوا يقولون

قد يسقط الاتحاد… لكننا نختار من يمثلنا

وهنا تظهر شخصية محجوب ثابت بشكل مختلف.

الرجل الذي كان قريبا من الوفد، لم يكن مستعدا لأن تتحول النقابة إلى ذراع لحزب

والرجل الذي عرف السياسة، كان يعرف أيضا خطورتها حين تدخل إلى التنظيم العمالي.

ثم تدخل رئيس الوزراء بنفسه

وفي عام 1928، لم يعد الاستقطاب مجرد محاولة من حزب للوصول إلى نقابة هذه المرة دخل محمد محمود باشا إلى المشهد.

لم يكن محمد محمود مجرد زعيم لحزب الأحرار الدستوريين، كان رئيسا لمجلس الوزراء، واستدعى محجوب ثابت.

بدأ الحديث عن العمال ماذا يريدون؟.

كيف يمكن إصلاح أحوالهم؟.

فقدم محجوب مطالب واضحة:

حماية العمال من أصحاب الأعمال، معاش للعاجزين عن العمل بسبب السنوتعويضات عن إصابات العمل.

كل شيء كان يبدو وكأنه نقاش حول حقوق العمال حتى تغير اتجاه الحديث جاء العرض السياسي الانضمام إلى الحزب.

رئيس الوزراء أمام نقابي له نفوذ بين العمال والباب مفتوح والسياسة تستطيع أن تمنحه مكانا أقرب إلى مركز القرار.

لكن محجوب ثابت … رفض.

ولم يحتفظ بالحديث لنفسه عاد إلى العمال، وجمع ممثليهم، وأخبرهم بما دار ثم دعاهم إلى ألا يكونوا أتباعا للأشخاص والأحزاب وقال لهم:

أيها العمال جانبوا الأحزاب لمصلحتكم ومصلحة وطنكم، ولا تكونوا مطايا للأشخاص“.

كانت لحظة صغيرة في ظاهرهالكنها كانت تحمل سؤالا كبيرا.

هل يمكن أن تدخل السياسة إلى النقابة دون أن تمتلكها؟.

وإذا رفض الرجل… هل ينتهي الأمر؟.

وظهر داوود راتب

لم ينته الصراع برفض محجوب ثابت ففي أبريل 1930

أعيد نشاط الاتحاد العام لنقابات عمال القطر المصري، وأسندت رئاسته إلى داود راتب بك، وكان عضوا في حزب الأحرار الدستوريين، وجاء ظهوره في سياق محاولة الحزب إعادة بناء نفوذه داخل الحركة العمالية لكن التجربة لم تصمد طويلا.

فقد ظل الاتحاد محدود النفوذ، وبدأت الخلافات داخله، بل طالب بعض أعضائه داود راتب نفسه بقطع صلته بالحزب حتى يستطيع الاتحاد كسب ثقة العمال.

وفي ديسمبر 1930 عزل أعضاء الاتحاد داود راتب من رئاسته، واختاروا عباس حليم مكانه.

حتى العمال أنفسهم كانوا قد بدأوا يدركون أن النقابة التي تحمل صوتهم لا يمكن أن تحمل معها ولاء حزب.

وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحا، إذا لم أستطع أن أجذب التنظيم الموجود، فربما أنشئ تنظيما آخر.

لم تعد المسألة فقط كيف ننظم العمال؟.

بل من يستطيع أن يجذب العمال إلى صفه؟.

لكن الحكومة كانت ترى شيئا آخر

الحكومة لم تكن تقف بعيدا فهي ترى قوة عمالية تكبر، وتجمعات تستطيع أن تحشد الآلاف، ونقابات تتوسع، وأحزابا تتنافس على الوصول إليها، وأصحاب أعمال يحاولون احتواء قياداتها، وكان من الصعب على الدولة أن تتجاهل كل ذلك.

لذلك بدأت تتحرك أيضا، ليس فقط لحماية العامل، بل لتنظيم هذه القوة الجديدة ووضع حدود لحركتها.

وفي 2يوليو1927 وافق مجلس الوزراء على تشكيل لجنة لبحث نظام العمل والعمال وبدأ القانون يقترب.

لكن القانون هذه المرة لم يكن مجرد ورقة تعترف بالعامل، كان سيحدد أيضا من يحق له أن ينظم؟.

كيف ينتخب؟.

من يمثل العمال؟.

ما حدود النقابة؟.

وأين تنتهي حرية التنظيم؟.

وأين تبدأ سلطة الدولة؟.

القوة التي أصبحت مطمعا للجميع

خلال سنوات قليلة تغير المشهد بالكامل، الاشتراكيون رأوا في العامل قوة طبقيةوالوفديون رأوا فيه قوة وطنية وسياسية.

الأحرار الدستوريون أرادوا الاقتراب من هذه القوة، أصحاب الأعمال أرادوا احتواءها، والحكومة أرادت تنظيمها وتحجيم قدرتها على التحول إلى قوة مستقلة.

أما العامل، فكان يحاول أن يحتفظ بشيء واحد صوته، لكن الاحتفاظ بالصوت لم يعد سهلا، فقد أصبح هناك من يريد أن يتحدث باسمه، ومن يريد أن يقوده، ومن يريد أن يؤثر في قيادته، ومن يريد أن يختار له من يجلس في مجلسه، وهنا أصبح الصراع أعمق من مجرد علاقة بين عامل وصاحب عمل أصبح صراعا على من يملك القرار داخل القوة العمالية نفسها.

لكن القوة وحدها لا تكفي

كانت التجربة قد علمت العامل المصري الكثيرعلمته الاحتجاج، وعلمته الاضراب، وعلمته التضامن، وعلمته التنظيم.

وعلمته أن صوته يمكن أن يصبح قوة، لكنها علمته أيضا أن القوة نفسها يمكن أن تصبح محل صراع، من الخارج، ومن الداخل.

وبين الأحزاب، وبين أصحاب الأعمال، وبين الحكومة، وبين الطامحين داخل الحركة نفسها، وهكذا أصبح السؤال أكبر

من يملك هذا التنظيم؟.

من ينتخب؟.

من يقود؟.

من يفاوض؟.

من يملك المال؟.

ومن يتحدث باسم آلاف العمال؟.

لقد أصبح للتنظيم أسم، وأصبح له مجلس، وأصبح له نفوذ، ولذلك…

أصبح له خصوم، وأصبح له طامحون، وأصبح هناك من يريد أن يقوده من الأمام، ومن يريد أن يقوده من الخلف.

وفي وسط كل ذلك، ظل العامل يحاول أن يحتفظ بحقه في أن يقول هذا صوتي.

وهنا نعود إلى الحقيقة التي ستظل معنا في كل ما هو قادم.

لم تكن المعركة فقط من أجل أن تكون للعمال نقابة… بل من أجل أن تكون النقابة للعمال.

لكن بقي السؤال الذي سيقودنا إلى المرحلة القادمة

متى تضطر الدولة إلى الاعتراف بهذا الكيان الذي صنعه العمال بأنفسهم؟

وهل جاء القانون ليحمي صوت العامل…

أم ليضع لهذا الصوت حدودا؟.

الحكاية مستمرة.

فالعامل الذي أصبح قوة يتصارع عليها الجميع…

كان على وشك أن يدخل معركة جديدة:

معركة الاعتراف.

ومعركة القانون.

ومعركة من يضع القواعد التي سيعمل داخلها صوت العمال.

والنضال الوطني… كان ينسج مرحلة جديدة

لقد وصل العامل إلى باب الاعتراف القانوني ،لكنه لم يكن يعرف أن وراء هذا الباب معركة جديدة.
من يكتب قواعد النقابة… العمال أم الدولة؟

الإجابة… في المقال القادم من العامل المصري… حكاية وطن

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى