اقتصاد

كيف تخرج مصر من دائرة الاقتراض؟.. ورقة بحثية تضع خريطة لإعادة بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على الديون

لم يعد الدين العام في مصر مجرد رقم يظهر في بيانات وزارة المالية أو تقارير المؤسسات الدولية، وإنما تحول إلى أحد أكثر الملفات الاقتصادية ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن، بعدما أصبحت تكلفة الاقتراض وخدمة الدين والضغوط على الموازنة جزءًا من المشهد الاقتصادي الذي ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاستثمار والإنفاق العام والخدمات ومستويات المعيشة.

وطرحت ورقة بحثية تحت عنوان «كيف تخرج مصر من دائرة الاقتراض؟»، أعدتها مجموعة «دوائر»، مجموعة من التساؤلات التي تتجاوز الحساب التقليدي لحجم الدين: لماذا تحتاج الدولة إلى الاقتراض بصورة متكررة؟ وكم تدفع مقابل هذا الاقتراض؟ ومتى تستحق الديون؟ والأهم، هل يؤدي الاقتراض الحالي إلى زيادة قدرة الاقتصاد على إنتاج الموارد التي تمكّنه من خدمة ديونه وتقليل الاحتياج إلى اقتراض جديد مستقبلًا؟

وذكرت الدراسة، أن أزمة الدين لا يمكن اختزالها في رقم واحد، حتى لو كان هذا الرقم هو نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وإنما يجب النظر إلى أربعة عناصر مترابطة: حجم الدين، وتكلفة خدمته، وهيكل آجاله وعملاته، والاحتياجات التمويلية التي تحتاج الدولة إلى تدبيرها كل عام.

الدين ليس أزمة

قالت الدراسة، إن الإقتراض في حد ذاته ليس أزمة  فمعظم الدول تستخدم الدين كأداة من أدوات السياسة المالية والاقتصادية، سواء لتمويل مشروعات واستثمارات طويلة الأجل، أو مواجهة أزمات وصدمات استثنائية، أو سد فجوات مؤقتة بين الإيرادات والإنفاق، وقد يكون الاقتراض قرارًا اقتصاديًا رشيدًا عندما يوجه إلى استثمارات ترفع الإنتاجية، أو تزيد القدرة التصديرية، أو تولد إيرادات مستقبلية، أو تخفض تكاليف اقتصادية في المستقبل.

لكن الفارق يبدأ عندما يتحول الدين من أداة لتمويل النمو إلى آلية دائمة لسد فجوات متكررة، دون أن تنمو قدرة الاقتصاد على توليد الموارد بالقدر نفسه، متسائلة عن التوقيت الأمثل للإقتراض و تكلفته و استخدامات التمويل وتأثيره على الاقتصاد والموارد مستقبلًا.

أضافت الدراسة، أنه ينبغي معرفة الحد الفاصل بين الدين باعتباره أداة اقتصادية، والدين باعتباره مصدرًا للضغط المالي، إذ تشير بيانات وزارة المالية إلى تحسن واضح في مسار دين قطاع الموازنة، حيث  تراجعت نسبته إلى الناتج المحلي من 89.4% خلال العام المالي 2023/2024 إلى 83.8% في 2024/2025؛ في الوقت الذي تستهدف الحكومة استمرار هذا المسار النزولي، مع وصول النسبة إلى 81.8% في 2025/2026، ثم نحو 78.1% في 2026/2027 و75.2% في 2027/2028، وصولًا إلى نطاق يتراوح بين 71% و73% في 2028/2029.

كما تستهدف الدولة إطالة متوسط أجل الدين من نحو 3.5 سنوات إلى 4.5–5 سنوات، إلى جانب زيادة الاعتماد على أدوات الدين بالعملة المحلية، مشيرة إلى انخفاض نسبة الدين إلى الناتج لا يعني بالضرورة انتهاء مشكلة الدين.

أوضحت الدراسة، أن المؤشر يقيس العلاقة بين حجم الدين وحجم الاقتصاد، لكنه لا يجيب وحده عن أسئلة أخرى أكثر ارتباطًا بالسيولة وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، مثل حجم الديون التي تستحق سنويًا، وتكلفة الفائدة، وحجم التمويل الجديد المطلوب لإعادة تمويل الديون القائمة، وبالتالي فإن نسبة الدين للناتج المحلي قد تتحسن بينما تظل الدولة مضطرة إلى تدبير مبالغ ضخمة كل عام لسداد استحقاقات سابقة وتمويل العجز الحالي.

تكلفة الدين قلب المشكلة

وتضع ورقة «مجموعة دوائر» تكلفة خدمة الدين في قلب الأزمة؛ فالحكومة لا تدفع أصل الدين فقط، وإنما تدفع فوائد على هذا الدين، وكلما ارتفعت أسعار الفائدة أو زادت الحاجة إلى إعادة تمويل أدوات قصيرة الأجل، ارتفعت تكلفة الاقتراض، وتزايد الضغط على الموازنة؛ إذ تشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن مدفوعات الفائدة في مصر تستحوذ على نحو 73% من الإيرادات، وهو ما يمثل قيدًا كبيرًا على الحيز المالي المتاح أمام الدولة للإنفاق على الأولويات الأخرى.

حسابات الفوائد

تقول الدراسة إنه كلما ارتفعت فاتورة الفوائد، تقل الموارد التي يمكن توجيهها في الوقت نفسه إلى الاستثمار العام، أو الخدمات، أو البنية الأساسية، أو برامج الحماية الاجتماعية، حيث يمكن أن تصبح تكلفة الدين أكثر أهمية من حجم الدين نفسه؛ فحتى إذا نجحت الحكومة في خفض نسبة الدين إلى الناتج، فإن استمرار ارتفاع تكلفة التمويل قد يبقي الموازنة تحت ضغط شديد.

و ترى  الدراسة، أن خفض رصيد الدين يجب ألا يكون الهدف الوحيد، وإنما يجب أن يتزامن مع خفض تكلفة الاقتراض، وإطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل، وتقليل مخاطر إعادة التمويل، خصوصا وأن الاحتياجات التمويلية، باعتبارها مؤشرًا لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به نسبة الدين إلى الناتج، و لا تتعلق الاحتياجات التمويلية بالعجز الجديد فقط، وإنما تشمل كذلك الأموال المطلوبة لسداد الديون التي يحين موعد استحقاقها.

وقالت الدراسة، إن الخزانة العامة  يمكن أن تحقق فائضًا أوليًا، ومع ذلك تظل بحاجة إلى الاقتراض؛ لأن الفائض الأولي لا يعني بالضرورة امتلاك الموارد الكافية لتغطية كامل فوائد الدين وأصل الدين المستحق.

ووفق أحدث تقديرات صندوق النقد، تظل الاحتياجات التمويلية الإجمالية لمصر مرتفعة، وهو ما يجعل خفضها وإطالة آجال الاستحقاق وتقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل عناصر أساسية في أي استراتيجية للخروج من دائرة الاقتراض.

ومن هنا تقترح الورقة ألا يكون خفض نسبة الدين إلى الناتج هو المؤشر الوحيد الذي يحظى بالمتابعة، وإنما تصبح الاحتياجات التمويلية السنوية هدفًا اقتصاديًا معلنًا، بحيث تعرف الدولة والمجتمع حجم الأموال التي تحتاج إلى تدبيرها كل عام، وما إذا كانت هذه الاحتياجات تتراجع أم تتزايد.

هيكل الدين يحدد حجم المخاطر

تشير الدراسة إلي زاوية أخرى في فهم أزمة الدين، وهي أن حجم الدين لا يكفي لتحديد مستوى المخاطر؛ فالدين قصير الأجل يفرض على الدولة إعادة تمويل متكررة، بينما يمنح الدين طويل الأجل مساحة زمنية أكبر قبل الاستحقاق، حيث تختلف المخاطر بين الدين المحلي والدين بالعملة الأجنبية، وبين الاقتراض ذي التكلفة الثابتة والاقتراض المتغير، فضلًا عن اختلاف تكلفة التمويل باختلاف ظروف الأسواق.

وتستهدف استراتيجية وزارة المالية رفع حصة الدين بالعملة المحلية إلى نحو 80% من إجمالي دين قطاع الموازنة بحلول 2028/2029، بالتوازي مع إطالة متوسط أجل الاستحقاق، وتكمن أهمية هذه الخطوة في تقليل تعرض المالية العامة لصدمات سعر الصرف وتقليل الحاجة إلى إعادة التمويل المتكرر.

زر الذهاب إلى الأعلى