فن ومنوعات

في ذكرى ميلاده.. كيف صنع محمد خان مدرسة سينمائية خارج الاستوديوهات؟

لم يكن المخرج الراحل محمد خان مجرد صانع أفلام، بل كان عينًا سينمائية استثنائية رصدت نبض القاهرة وتفاصيل الحياة اليومية، وحولت حكايات الشارع البسيطة إلى أعمال خالدة في ذاكرة السينما المصرية، فمن شوارع الأحياء الشعبية إلى صراعات الإنسان وأحلامه وانكساراته، استطاع خان أن يؤسس لأسلوب سينمائي متفرد، جعله أحد أبرز رواد تيار «الواقعية الجديدة»، ومخرجًا امتلك قدرة نادرة على اكتشاف الصدق الإنساني وتفجير الطاقات التمثيلية، وفي ذكرى ميلاده، نفتح صفحات رحلته الفنية، لنستعيد حكاية مخرج ظل انتماؤه الحقيقي للشارع المصري أكبر من أي جنسية، وبقيت أفلامه شهادة حية على عشق القاهرة.

أجنبي في الأوراق.. مصري حتى النخاع

وُلد المخرج الراحل في حي «السكاكيني» الشعبي بالقاهرة عام 1942 لأب باكستاني وأم مصرية، وعاش عقودا طويلة يحمل جواز سفر أجنبيا، ولم يُمنح الجنسية المصرية رسميا إلا بقرار جمهوري عام 2014 قبل وفاته بعامين.

وهذا لم يمنع «خان» من أن يلتقط روح الشارع المصري بكل تفاصيلة، حيث عبر «خان» عن الحارة، والمقهى، وتفاصيل الطبقة المتوسطة برؤية بصرية تفوق كثيرا من المخرجين الذين ولدوا مصريين فتعد سينماه الوثيقة الأهم لعشق القاهرة وتفاصيلها الحية.

الشارع  «بطولة أولى»

في ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت السينما المصرية تتنازعها موجات تجارية ، شكل «خان» برفقة أبناء جيله (عاطف الطيب، وخيري بشارة، وداود عبد السيد) مدرسة «الواقعية الجديدة»، لم يعامل «خان» الشارع كمجرد خلفية أو ديكور ثانوي، بل جعله شخصية رئيسية تنبض بالحياة.

ومن خلال عين تدربت في معهد السينما بلندن وتأثرت بموجات السينما الأوروبية الحديثة، مزج «خان» بين الصرامة البصرية والتلقائية المصرية فوضع المشاهد في أفلام مثل «طائر على الطريق» و«خرج ولم يعد» و«الحريف» وجها لوجه أمام صراع الفرد مع الشارع والأسفلت، مانحا السينما لغة جديدة تعتمد على التصوير الخارجي والإضاءة الطبيعية دون رتوش.

صانع الصدق

لا تُذكر سينما محمد خان إلا وتُذكر قدرته الاستثنائية على تفكيك نجومية الفنان وإعادتها لثوب الإنسان العادي، فهو من استخرج من النجم الراحل أحمد زكي في «زوجة رجل مهم» أداءً سيكولوجيا مرعبا لتفكك الشخصية السلطوية، وجعله في «أيام السادات» يتنفس الشخصية التاريخية بصدق مذهل.

وفي «أحلام هند وكاميليا» جرد البطولة من الاستعراض ليقدم حكاية خادمتين بحس إنساني رفيع، كما ظل حتى أواخر حياته راهنا على طاقات الشباب العفوية، باحثا دائما عن الصدق الذي يتجاوز افتعال التمثيل، وصولا إلى فيلمه «فتاة المصنع».

بصمة خالدة

يوثق النقاد مسيرة «خان» باعتبارها الحجر الأساس لسينما «الواقعية» في مصر، إذ علمت مدرسته الأجيال اللاحقة أن الفن الحقيقي يتغذى على التفاصيل الصغرى التي تأتي من الشارع من نظرة عابرة، بائع متجول في خلفية المشهد، إيقاع زحمة المرور، أو حلم بسيط يصارع واقعا قاسيا.

يرحل المخرجون وتتبدل تقنيات السينما من شريط الفيلم التقليدي إلى أفق المنصات الرقمية، لكن محمد خان يظل حاضرا كعلامة فارقة وضمير سينمائي حي، وفي يوم ميلاده، لا نحتفي لمجرد استعادة الماضي، بل نجدد العهد مع سينما حقيقية، سينما تخرج من قلب الشارع، وتحترم عقل المشاهد، وتنحاز دائما للإنسان وأحلامه.

زر الذهاب إلى الأعلى