محمد توفيق مؤسس «چمنستيك» لـ«ليبرالي»: الموسيقى أنقذتني من الاكتئاب.. ونسعى لتغيير حياة الناس بالارتجال الفني

-
محمد توفيق: «چمنستيك» مساحة آمنة للجميع.. ولا نشترط الاحتراف أو الدراسة الموسيقية
-
نجمع 20 عازفًا لا يعرف بعضهم بعضًا لصناعة مقطوعة موسيقية في 10 دقائق
-
نمنع عزف الأغاني المعروفة ونعتمد على ابتكار الموسيقى من الصفر
-
«لغتنا الرسمية هي الموسيقى».. ونجمع عازفين من جنسيات وثقافات مختلفة
-
التمويل الذاتي أكبر عقبة أمام «چمنستيك» ونسعى لتقديم فعاليات مجانية
-
نجحنا في تحويل شباب من مجرد مشاركين في الارتجال إلى مؤلفين لأغانيهم الخاصة
لم تكن الموسيقى بالنسبة لمحمد توفيق، مؤسس مشروع «چمنستيك» مجرد ألحان أو نغمات، بل كانت طوق نجاة أعانه على تجاوز فترات صعبة من الاكتئاب، لتتحول تجربته الشخصية إلى فكرة تسعى لمنح الآخرين فرصة لاكتشاف أنفسهم والتعبير عنها من خلال الفن، ومن هنا، وُلد مجتمع «چمنستيك» عام 2021، ليقدم تجربة موسيقية مختلفة تقوم على الارتجال اللحظي، وتجمع عازفين من خلفيات وثقافات ومستويات موسيقية متنوعة، في مساحة آمنة ومفتوحة لا تعترف بالفوارق ولا تشترط الاحتراف أو الدراسة الأكاديمية.
على مدار خمس سنوات، لم يقتصر دور «چمنستيك» على تنظيم لقاءات للعزف الجماعي، بل امتد إلى ورش تعليمية وتدريبية، والمساهمة في تكوين فرق موسيقية شابة بدأت في تأليف أعمالها الخاصة، ليصبح المجتمع مساحة لاكتشاف المواهب وبناء جسور التواصل بين الناس بلغة تتجاوز اختلاف الجنسيات والأعمار والثقافات.
وفي حوارنا مع محمد توفيق، مؤسس «چمنستيك»، نتعرف على فلسفة الارتجال الموسيقي، وكيف يمكن لعشرين عازفًا لا يعرف بعضهم بعضًا أن يصنعوا مقطوعة موسيقية متكاملة في دقائق معدودة ودون أي تحضير مسبق، كما يكشف عن أبرز التحديات التي تواجه المجتمع، وحلمه بالتوسع خارج القاهرة، وإتاحة تجربة الموسيقى للجميع مجانًا، إيمانًا منه بأن الفن ليس رفاهية، بل مساحة للتعافي والتواصل واكتشاف الذات، وإلى نص الحوار:

عرفنا بنفسك وبفكرة مشروع «چمنستيك»؟
أنا محمد توفيق، مؤسس مشروع أو مجتمع «چمنستيك»، وأفضل دائما أن أطلق عليه وصف «مجتمع» بدلاً من مشروع، بدأنا الفكرة في عام 2021، وكان السبب الأساسي وراءها تجربة شخصية؛ حيث مررت بفترة صعبة من الاكتئاب وكانت الموسيقى هي السبب الأساسي في إنقاذي، فشعرت أنني بحاجة إلى رد الجميل للموسيقى، من خلال نقل أثرها إلى الآخرين، ومساعدتهم على التعبير عن أنفسهم من خلالها.
وتقوم الفكرة على توفير مساحة آمنة ومفتوحة للجميع، بغض النظر عن مستواهم الموسيقي أو دراستهم، حتى لو كان الشخص يعزف بمفرده في المنزل، أو مجرد فرد من الجمهور يريد الحضور والمشاركة.

أفهم من ذلك أنه ليس من الضروري أن يكون المشاركون دارسين للموسيقى أو أن تكون هناك مجموعة ثابتة من الأعضاء؟
لا، ليس شرطًا إطلاقًا، فالمجتمع متغير باستمرار، ولا يتطلب وجود عازفين ثابتين لآلات موسيقية معينة، بل هو دعوة مفتوحة للجميع، سواء كانوا من الجمهور أو العازفين، للمشاركة في تجربة «الارتجال اللحظي».
نحن نساعد الناس ونعلمهم كيفية الارتجال معًا على المسرح. تخيل أن يجتمع نحو 20 شخصًا لا يعرف بعضهم بعضًا، وتختلف مستوياتهم الموسيقية، ليعزفوا معًا ويخلقوا مقطوعة موسيقية وليدة اللحظة، دون أي تحضير مسبق.

ذكرت أنكم لا تُجرون أي بروفات مسبقة، فما أبرز التحديات التي تواجهكم في هذه التجربة؟
تتمثل أبرز التحديات، أولًا، في اختلاف المستويات الموسيقية بين المشاركين، وثانيًا، في ضرورة تحقيق التوافق والانسجام بين العازفين بشكل فوري، حتى لو كانوا يتمتعون بمستوى موسيقي مرتفع.
أما التحدي الثالث، فهو رهبة الصعود على المسرح أمام الجمهور، والعزف مع أشخاص يلتقون بهم للمرة الأولى، دون وجود نوتة موسيقية أو أي تحضير مسبق، لكن بالنسبة لي، هذا هو الجزء الأكثر متعة، وفي الوقت نفسه يمثل التحدي الأكبر في التجربة.

كيف تدير هذه المجموعة على المسرح، وما دورك في توجيه العازفين؟
يتمثل دوري في تحقيق التوافق والانسجام بين العازفين، وتوجيههم وتجميع العناصر الموسيقية معًا، مثل قطع اللغز التي تكتمل لتشكل صورة واحدة، أو كأننا نبني عمارة، فنضع طبقة فوق الأخرى حتى يتشكل المقطع الموسيقي، بعد ذلك، يبدأ كل عازف في الارتجال والتعبير عن نفسه، ولكن في إطار جماعي متكامل، وأقول لهم دائمًا:« نحن اليوم في اجتماع، ولغتنا الرسمية هي الموسيقى».
ويأتي إلينا عازفون من جنسيات مختلفة، من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والسودان وغيرها، فضلًا عن تنوع الأعمار والمستويات الموسيقية، من المبتدئين إلى المحترفين، واختلاف الثقافات والخلفيات، ورغم كل هذه الاختلافات، يجتمع الجميع ويتحدثون لغة واحدة يفهمها العالم أجمع، وهي لغة الموسيقى.

كيف تتعاملون مع رهبة المسرح والتفاوت في المستويات الموسيقية بين العازفين أثناء العزف أمام الجمهور؟
وضعنا صيغة ونظامًا نعمل وفقًا لهما لتجاوز هذه العقبات، فالشخص الذي يشارك معنا للمرة الأولى قد يحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب النظام والتأقلم معه، وهنا يأتي دوري في تقديم الدعم والتشجيع والتوجيه، ومساعدته على الاندماج مع بقية العازفين، حتى نصل إلى حالة من الانسجام الموسيقي، بحيث لا يستطيع المستمع من الجمهور التمييز بين العازف المحترف والشخص المبتدئ.

ما أبرز الصعوبات التي تواجه «چمنستيك» بوصفه كيانًا مجتمعيًا؟
أكبر صعوبة تواجهنا هي أن «چمنستيك» مجتمع غير هادف للربح، ويقدم خدمة للمجتمع، وبالتالي فإن الاعتماد على التمويل الذاتي يمثل أكبر عائق أمامنا، أما الصعوبة الثانية، فهي لوجستية، حيث نحتاج باستمرار إلى توفير أماكن واسعة ومجهزة بالمعدات والآلات الموسيقية اللازمة لاستضافة اللقاءات وتنظيم الفعاليات بالشكل الذي نطمح إليه.

على مدار خمس سنوات من الاستمرارية، كيف تطورت أنشطة المجتمع الموسيقي؟
تمثل الحفلات والعروض أحد أشكال التطوير والتجديد في المجتمع، ونعمل من خلال ثلاثة محاور رئيسية، المحور الأول هو «لقاءات الارتجال المفتوح»، والمحور الثاني يتمثل في «الورش التعليمية والعملية»، التي نقدم من خلالها الموسيقى بأسلوب مبسط، ونستضيف عازفين متخصصين لتقديم دورات تدريبية للشباب.
أما المحور الثالث، فهو «تكوين الفرق الموسيقية»، الذي يُعد ثمرة السنوات الخمس الماضية، حيث استطاع الشباب تكوين فرق موسيقية صغيرة، أصبحوا من خلالها يكتبون أغانيهم الخاصة ويوزعونها ويؤلفونها، وهو ما يعكس تطور تجربتهم وانتقالهم من مرحلة المشاركة في الارتجال إلى صناعة موسيقاهم الخاصة.

هل يعتمد الارتجال لديكم على إعادة تقديم أغانٍ معروفة، أم على ابتكار موسيقى جديدة تمامًا؟
القواعد لدينا تمنع تمامًا عزف أي مقطوعات موسيقية معروفة، فالارتجال في «چمنستيك» يعتمد على الابتكار اللحظي وخلق الموسيقى من الصفر بنسبة 100%، يصعد العازفون إلى المسرح، ويكون أمامهم تحدٍ يتمثل في ابتكار وتأليف مقطوعة موسيقية متكاملة خلال عشر دقائق فقط، دون أي تحضير مسبق.
هذا تحدٍ شاق، خاصة أن تأليف مقطوعة موسيقية متكاملة قد يستغرق من الفنانين شهورًا، لكننا نجحنا في ترسيخ هذه الفكرة لدى الجمهور والعازفين، وأصبحوا قادرين على خوض التجربة وصناعة موسيقى جديدة وليدة اللحظة.
هل يوجد كيان أو نموذج مشابه لـ«چمنستيك» في مصر؟
لا يوجد، كيان يقدم الفكرة نفسها بالتنظيم والأسلوب اللذين نعتمدهما في «چمنستيك»، هناك بعض الجهات التي تنظم جلسات عزف مفتوحة تجمع العازفين، لكنها تختلف عن تجربتنا في عدم وجود هدف تعليمي أو توجيهي واضح يساعد المشاركين على التفاعل معًا، والاستماع إلى بعضهم البعض، وتحقيق الانسجام من خلال الموسيقى.

ما الرسالة التي تود توجيهها للجمهور، وما مطالبكم لدعم هذا للمشروع؟
رسالتي لكل الناس هي أن يأتوا ويكتشفوا أنفسهم ويعبّروا عنها من خلال الموسيقى، خاصة الأشخاص الذين يعزفون بمفردهم أو يمرون بضغوط نفسية، وأتمنى أن يمنحوا أنفسهم فرصة لخوض هذه التجربة واكتشاف ما يمكن أن تقدمه لهم الموسيقى.
أما فيما يتعلق بمطالبنا من الجهات الداعمة والرعاة ووزارة الثقافة، فنتمنى الحصول على دعم يساعدنا على تقديم هذه الفعاليات مجانًا للجميع، والتوسع خارج القاهرة للوصول إلى أسوان ومحافظات الصعيد والإسكندرية، فمواردنا حاليًا تعتمد على التمويل الذاتي، وهو ما يجعل السفر وتغطية التكاليف أمرًا صعبًا للغاية.
نحن مجتمع يهدف إلى إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس، وإتاحة فرصة للتعافي والتعبير عن الذات من خلال الفن، وقد رأينا بالفعل كيف تغيرت حياة الكثيرين بفضل هذه التجربة، حتى إن بعضهم أصبحوا موسيقيين محترفين بعد انضمامهم إلى هذا المجتمع الموسيقي، وهو ما يدفعنا إلى الاستمرار والسعي للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس.






