الليبرالية في عقل أبو الليبرالية المصرية (2ـ3)
استكمالا لحديثنا عن الديمقراطية كما كان يراها أستاذ الجيل وأرسطو المصري، وأحد رواد النهضة والتنوير أحمد لطفي السيد، (1872-1963) الذي اقترن اسمه بالديمقراطية الليبرالية، والتي برزت في أعماله الأدبية، والتي هي بطبيعتها مختلفة عن اشتراكية عهد عبدالناصر.
حيث قدم فيها الفرد على المجتمع، ولم تسمح ليبراليته المنشودة بتدخل الدولة في قطاعات الحياة إلا في حدودها الأدنى، وأن دور الدولة هو المراقب والمنظم، وأن عليها مسئولية البوليس والجيش والقضاء والذي يجب أن يكون له استقلاليته الكاملة، وماعدا ذلك يدخل في نطاق الأفراد أو الجماعات.
كما نادى معلم الأجيال بالحكومة البرلمانية وتشكيلها من حزب الأغلبية الذي اختار الشعب نوابه من منطلق أن الشعب هو مصدر السلطات.
كما طالبها بتحقيق الرفاهية للمواطن وإزابة الفوارق بين الطبقات، وأن على الأحزاب السياسية أن تمتلك البرامج والكوادر القادرة على خدمة المجتمع، مع ضرورة الانتباه الى التمثيل النسبي للأقليات بقدر المستطاع.
وكان يرى أرسطو المصري،كما كان يطلق عليه عميد الأدب العربي، طه حسين، أن الحكومة تاجر فاشل، ولا يجب عليها مزاحمة المواطنيين والتنافس معهم وأن دورها يبدأ عندما تعجز الأفراد أو الجماعات عن القيام به.
ثم يبدى نصائحه للنواب وأن عليهم الإصغاء لصوت المواطنيين، وأن يعبروا عن مشاكلهم وطموحاتهم ويكونوا صوتهم، وتكون تشريعاتهم لصالح جميع المواطنين، وأن يكونوا قادرين على رقابة الحكومة، وتصحيح مساراتها الخاطئة وتعديل أولوياتها.
وأن الحرية هي أصل الديمقراطية وعمودها، وأن تطلق الدولة الحريات في التعليم والصحافة وفي كافة المجالات لتصنع عالم من المبدعين والمفكرين.
ومن أغرب المواقف التي حدثت لأحمد لطفي السيد، وهو من كان يحمل لقب الفيلسوف الديمقراطي، عندما كان مرشحًا لعضوية الجمعية التشريعية عام 1914 ، حاربه خصمه عند ناخبيه في دائرته الريفية وقال:” يبقي نائب عننا إزاى؟، دا راجل ديمقراطي!” -أي يقبل أن تعاشر زوجته رجالا آخرين، وحين زار لطفي السيد الدائرة أخذ الناس يسألونه:”هل أنت ديمقراطي؟”، فكان يجيب بكل ثقة:” نعم أنا ديمقراطي”، فيضرب الناس كفًا بكف منصرفين عنه، فخاف الناخبين، وسقط الفيلسوف في الانتخابات بسبب ديمقراطيته.
تنوعت مجالات وإسهامات أبو الليبرالية المصرية، وأفلاطون الأدب العربي، كما كان يطلق عليه أديبنا الكبير العقاد، فعمل وزيرًا للخارجية، ونائبًا لرئيس الوزراء، في حكومة إسماعيل صدقي، ونائبًا في مجلس الشيوخ، ورئيسًا لمجمع اللغة العربية، وأسس العديد من المجامع اللغوية والعلمية، ومديرًا للجامعة المصرية، ورئيسًا لدار الكتب المصرية، كما عرض علية ضباط حركة 23 يوليو رئاسة الوزارة ولكنه رفض.
وهو صاحب المقولة الشهيرة “الاختلاف في الرأى لايفسد للود قضية”.
كان رحمه الله صاحب مشروع فكرى وثقافي كبير لنهضة الأمة المصرية وخاض في سبيلها معارك كثيرة لتحديد ملامح مصر وهويتها.
نستكمل في المقال القادم






