بلاغات إلكترونية بلا محاضر رسمية.. هل غيرت السوشيال ميديا علاقة المواطن بالأجهزة الأمنية؟  

“في إطار كشف ملابسات ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالفحص تبين عدم ورورد بلاغات بهذا الشأن أو ربما ورود بلاغات، لتعلن بعدها نتائج فحص واقعة أثارت جدلًا واسعًا عبر الإنترنت، سواء تعلقت باعتداء أو مشاجرة أو واقعة نصب أو مخالفة للقانون أو غيرهم من الجرائم”، هذا منشور اعتادت نشره الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.. واللافت أن بعض هذه الوقائع كما تشير بوستات الصفحة الرسمية لوزراة الداخلية، لم تكن محل بلاغات رسمية من الأساس، وإنما بدأت بمنشور أو مقطع فيديو انتشر على منصات التواصل قبل أن تتحرك الأجهزة المعنية لفحصه واتخاذ الإجراءات اللازمة.

ويضاف لذلك يوجد عدة مجموعات (جروبات) تضم آلاف المواطنين على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك تحمل اسم بلاغات وزارة الداخلية، والتي يتم نشر عبرها مئات البلاغات والاستغاثات لوزارة الداخلية مع إشارة للصفحة الرسمية لوزارة الداخلية.

مع تكرار هذه الأخبار وانتشار تلك المجموعات، يبرز تساؤلات عديدة ومهمة حول أسباب تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى وجهة أولى يلجأ إليها بعض المواطنين عند تعرضهم لمشكلة أو واقعة تستوجب التدخل الأمني، بدلًا من التوجه مباشرة إلى أقسام الشرطة وتحرير المحاضر الرسمية كما كان المعتاد سابقًا، مع التأكيد أن تحرك وزارة الداخلية يعد أمرا محمود وسيتحق القناء، في تعامل الأجهزة الأمنية مع أية بلاغات تمس المواطنيين بغض النظر عن مصدرها، للتأكد من حقيقتها والتحرك في ضوئها.

  ولذلك يطرح عدة أسئلة، هل بات المواطن يرى أن نشر شكواه عبر مواقع التواصل الاجتماعي أكثر فاعلية في الوصول إلى حقه أو يضمن تحركًا أسرع؟ أم أن السعي وراء الترند أصبح عاملًا مؤثرًا في هذا السلوك؟

هل يبحث المواطن عن حقه أم عن التعاطف؟ هل سهولة النشر عبر المنصات الرقمية وسعة الانتشار جعلتها بديلًا أقل تعقيدًا من الإجراءات التقليدية والذهاب للأقسم وتحرير المحاضر؟

وفي محاولة لفهم الأسباب التي تدفع بعض المواطنين إلى نشر شكاواهم عبر الإنترنت قبل اللجوء إلى الإجراءات القانونية التقليدية، تحدث “ليبرالي” إلى عدد من الخبراء القانونيين والاجتماعيين والأمنيين، ليضعوا تصورهم حول هذه ظاهرة البلاغات عبر مواقع التواصل.

شيئًا يدعو للتفاخر.. طوال عمره ما دخل قسم

وقال محمود عطية الخبير القانوني، أن المواطن المصري لا يحب الذهاب لقسم الشرطة والثقافة المصرية دائما تدعو للتفاخر بالقول “ده فلان عمره ما دخل قسم”، بالإضافة إلى أن الأشخاص الواقفين أمام باب القسم وطريقة استقبالهم تجعل أي مواطن يعيد التفكير في الذهاب إلى هناك مهما كان له من حق، فجأة تسمع صوتا عاليا “انت رايح فين وجاي تعمل إيه”، مشيرًا إلى أن المحاميين أنفسهم لا يفضلون الذهاب لقسم الشرطة إلا في أضيق الأمور لأرتباطه بعمله المهني وأكل عيشهم.

البحث عن سرعة الاستجابة

وفي معرض حديثه عن لجوء المواطنين إلى مواقع التواصل الاجتماعي، أكد عطية أن الكثيرين أصبحوا يلجأون إلى النشر عبر الإنترنت أملاً في سرعة الاستجابة، خاصة إذا شعروا بأن الإجراءات التقليدية قد تستغرق وقتًا أطول، وقال إن بعض الوقائع التي نُشرت عبر مواقع التواصل شهدت بالفعل تفاعلًا وتحركًا من الجهات المختصة مثل واقعة الفنان أحمد صيام الأخيرة، وهو ما شجع المواطنين على اعتبار هذه المنصات وسيلة إضافية لعرض مشكلاتهم، وأنه فعليا اتجه لهذا الأمر في قضية وتم التحرك الفوري في حين بلاغات أخرى لم يتم التحرك فيها.

وأشار  “عطية” في حديثه لـ”ليبرالي” إلى أن هذه الظاهرة لها جوانب إيجابية وسلبية في الوقت نفسه، موضحًا أن البعض قد يعتقد أن الاهتمام بالقضية لن يتحقق إلا إذا تحولت إلى قضية رأي عام أو تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي، وهو تصور قد يخلق انطباعًا خاطئًا لدى المواطنين بأن الاستجابة ترتبط بحجم التفاعل الإلكتروني أكثر من ارتباطها بالإجراءات القانونية المعتادة، لكن الأمر في إجماله إيجابي ويوثق الحقائق.

وأضاف أن هناك انتقادات تُوجَّه أحيانًا إلى الجهات التنفيذية عندما لا يتم الإعلان عن نتائج المتابعة أو الإجراءات المتخذة، ما يدفع البعض إلى الاعتقاد بعدم وجود تحرك، رغم أن الأجهزة المعنية قد تكون بالفعل تباشر عملها في إطار القانون.

كما لفت إلى أن بعض الوقائع التي تُثار على مواقع التواصل لا تستند إلى بلاغات رسمية من الأساس، وإنما تعتمد على منشورات أو روايات متداولة بين المستخدمين، وهو ما يجعل التعامل معها مختلفًا عن القضايا التي يتم تحرير محاضر رسمية بشأنها.

السوشيال ميديا تضفي تأثير أوسع

وأوضح الخبير القانوني محمود عطيه، أن المواطن في كثير من الأحيان يرى أن النشر على مواقع التواصل يمنح قضيته انتشارًا أكبر وتأثيرًا أوسع من مجرد تحرير محضر في قسم الشرطة، وهو ما يفسر تزايد الاعتماد على هذه الوسائل خلال السنوات الأخيرة.

علاقة الشرطة بالمواطنين

وتحدث الخبير القانوني عن العلاقة بين المواطن وأقسام الشرطة، مؤكدًا أن جانبًا من عزوف بعض المواطنين عن اللجوء المباشر إلى الأقسام يرتبط بتجارب سابقة أو تصورات ذهنية متراكمة حول طبيعة التعامل داخل بعض الجهات الخدمية، مستشهدًا بموقف يعود إلى ما قبل عام 2011 خلال إحدى اللجان التي شُكلت لتحسين العلاقة بين الشرطة والمواطنين، حيث دار نقاش حول أسباب وجود فجوة بين الطرفين، واختصار الأمر في فكرة بسيطة مفادها أن حسن الاستقبال واحترام المواطن عند دخوله أي جهة خدمية يمكن أن يترك أثرًا إيجابيًا كبيرًا في تعزيز الثقة المتبادلة.

وأكد أن تحسين جودة التعامل مع المواطنين وتبسيط الإجراءات يمثلان عاملين مهمين في تشجيع المواطنين على اللجوء إلى القنوات الرسمية لحل مشكلاتهم، مشددًا على أن القانون والمؤسسات الرسمية يظلان الأساس في حفظ الحقوق وضمان تحقيق العدالة.

ورغم تفهمه لأسباب لجوء بعض المواطنين إلى المنصات الرقمية، يؤكد عطية أن الحل لا يكمن في استبدال القنوات الرسمية، وإنما في تطويرها وتعزيز ثقة المواطنين به وتحسين العلاقات بين الطرفين.

البلاغ السهل

ويرى الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، أن لجوء المواطنين إلى مواقع التواصل الاجتماعي للإبلاغ عن المخالفات والجرائم لم يعد مجرد سعي وراء “الترند”، بل يمثل تحولًا طبيعيًا فرضته التطورات التكنولوجية ورغبة الأفراد في الوصول السريع إلى الجهات المعنية.

وأضاف المواطن يسأل نفسه “أنا لسه هركب عربيتي وأروح قسم الشرطة لعمل بلاغ” وتفاصيل هذه الرحلة العظيمة الممتعة خاصة أن أقسام الشرطة تكون مزدحمة كما أن الذهاب إليها فكرة ثقيلة على المواطن.

من الناحية الاجتماعية، يرى الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، أن الظاهرة تعكس تحولًا طبيعيًا في سلوك المواطنين فرضته التكنولوجيا وسرعة تداول المعلومات.

وأشار أبوحسين في حديثه لـ”ليبرالي” إلى أن إجراءات تقديم البلاغات التقليدية قد تستغرق وقتًا وجهدًا، بدءًا من التوجه إلى قسم الشرطة مرورًا بتحرير المحضر واستدعاء الأطراف المعنية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع حماس المبلغ أو فقدان الواقعة لزخمها بمرور الوقت “فالشر إنا بات مات”، أما توثيق المخالفة بالصوت والصورة ونشرها عبر المنصات الرقمية أو الصفحات الرسمية للجهات المختصة فيوفر وسيلة أسرع لنقل الواقعة والتعامل معها ويكبد عناء التنقل وزحم المواصلات.

توثيقًا للحق العام

وأكد أن العديد من المقاطع المتداولة لا ترتبط بحقوق شخصية فقط، وإنما تكشف مخالفات تمس المجتمع بأكمله، مثل السير عكس الاتجاه أو جرائم السرقة والخطف أو التعدي على الممتلكات العامة، وهو ما يجعل المواطن شريكًا في حماية الأمن المجتمعي من خلال التوثيق والإبلاغ.

واعتبر أبو حسين أن هذه الظاهرة تمثل شكلًا من أشكال “الرقابة المجتمعية”، حيث تسهم في تضييق فرص الإفلات من المساءلة، خاصة مع وجود أدلة مرئية تدعم البلاغ، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة وضع ضوابط قانونية تحمي المبلغين من أي مضايقات أو اعتداءات محتملة.

وأوضح أن ليس كل ما يصور واقعة يكون صاحب الشكوى، لكن البعض قد يقوم بالتصوير في واقعة لصالح الحق العام، مثل خطف شنطة من إحدى المارات أو شخص يسير في اتجاه مخالف، مؤكدًا أن الاعتماد على التوثيق الرقمي قد يحد من البلاغات الكيدية، لأن وجود الصور ومقاطع الفيديو يوفر قدرًا أكبر من الأدلة الأولية التي يمكن الاستناد إليها عند فحص الشكاوى، مقارنة بالبلاغات الشفوية التي قد تفتقر إلى الإثبات.

مقترح بإنشاء الشرطة القضائية

واقترح أن يكون في وزارة الداخلية ما يسمى بالشرطة القضائية، والتي تقوم الشرطة في ذات اللحظة إن أمكن ذلك بضبط الشخص ومعاقبته وشحنه إلى تنفيذ العقوبة يواء كانت عقوبة مادية أو مسلكية “يحبس مدة معينة”.

ويختتم أستاذ علم الاجتماع رؤيته بالتأكيد على أن تفاعل الجهات الرسمية السريع مع ما يُنشر عبر المنصات الرقمية يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات، ويسهم في مواجهة السلوكيات السلبية التي تهدد الأمن والنظام العام، شريطة أن يتم ذلك في إطار قانوني منظم يحافظ على حقوق جميع الأطراف.

تأثير السوشيال ميديا على تشكيل الرأي العام

أما من الناحية أكد مساعد وزير الداخلية الأسبق اللواء شرف أمين، أن الأجهزة الأمنية باتت تتعامل مع مواقع التواصل باعتبارها مصدرًا مهمًا للمعلومات التي تستوجب الفحص والتحقق، خاصة أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلك تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام، موضحًا أن الإعلام بمختلف وسائله كان ولا يزال يلعب دورًا مهمًا في توجيه الرأي العام وإبراز بعض القضايا والظواهر المجتمعية.

وأضاف “أمين” في حديثه لـ”ليبرالي” أن العمل الأمني يجب أن يواكب دائمًا تطور الجريمة وأساليب ارتكابها، مشيرًا إلى أن الجرائم الإلكترونية وجرائم الإنترنت بمختلف صورها أصبحت جزءًا من الواقع الذي يستوجب المتابعة الدقيقة من الجهات المختصة.

وأوضح أن ما يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد يُنظر إليه باعتباره بلاغًا أو استغاثة تستدعي الفحص والتحقق، إلا أن مجرد تداول الواقعة لا يكفي لاتخاذ إجراءات قانونية مباشرة، إذ يتعين أولًا جمع الاستدلالات والتحريات اللازمة قبل اتخاذ أي قرار بشأنها.

وأكد أن الجهات الأمنية لا تتعامل مع ما يُنشر على مواقع التواصل باعتباره مجرد محتوى للمشاهدة، وإنما تتحرك للتحقق من الوقائع التي قد تنطوي على شبهة جريمة، فإذا ظهرت واقعة مصورة أو منشور يتضمن ادعاءً بحدوث جريمة، فإن الجهات المختصة تبدأ في فحصها والتحري بشأنها، وعند ثبوت صحتها تُتخذ الإجراءات القانونية اللازمة وتُحال إلى النيابة العامة.

التطور التكنولوجي يغير من شكل البلاغات المعتاد

وأشار إلى أن التطور التكنولوجي غيّر من طبيعة تلقي البلاغات، موضحًا أن أقسام الشرطة كانت في السابق تستقبل البلاغات بشكل مباشر من المواطنين، بينما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي اليوم مصدرًا إضافيًا للمعلومات والبلاغات التي تتطلب المتابعة والتحقق.

وأضاف أن وزارة الداخلية طورت من أدواتها وآلياتها لمواكبة هذا التطور، سواء من خلال الأنظمة الإلكترونية أو الوحدات المختصة بمتابعة المحتوى المنشور على الإنترنت، مؤكدًا أن هناك جهات فنية وقانونية تتولى فحص ما يُنشر والتمييز بين الوقائع الحقيقية والبلاغات الكيدية أو الادعاءات غير الصحيحة.

التطور التكنولوجي بين الإيجابيات والسلبيات

وفيما يتعلق بظاهرة السعي وراء الترند، أوضح أن لكل تطور إيجابياته وسلبياته، لافتًا إلى أن القانون وضع ضوابط واضحة للتعامل مع البلاغات الكيدية، ويعاقب كل من يثبت تعمده تقديم بلاغ كاذب أو استخدام وسائل التواصل للإضرار بالآخرين.

وأكد أن تصوير الوقائع ونشرها على الإنترنت قد يكون مفيدًا في بعض الحالات، خاصة إذا كان الهدف منه توثيق جريمة أو واقعة تستوجب التدخل، لكنه حذر في الوقت ذاته من تجاوز حدود القانون أو انتهاك خصوصية الأفراد، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص قد يتعرضون للمساءلة القانونية إذا قاموا بتصوير أو نشر محتوى يمس حقوق الآخرين أو يسبب لهم أضرارًا مادية أو معنوية.

وأشار إلى أن سرعة انتشار المعلومات عبر مواقع التواصل تجعل الكثير من الوقائع محل متابعة من الرأي العام، وهو ما يدفع الجهات المختصة إلى سرعة التحقق والرد على ما يُثار بشأنها، خاصة في القضايا التي تتضمن شبهة عنف أو اعتداء أو جرائم جسيمة.

ورأى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت أداة مهمة في كشف بعض الوقائع وتوثيقها بالصوت والصورة، وهو ما قد يساعد في دعم إجراءات التحقيق وكشف الحقيقة، إلا أن ذلك لا يعني أن النشر على الإنترنت يمكن أن يكون بديلًا عن التقدم ببلاغ رسمي للجهات المختصة.

وأوضح أن المواطن الذي يتعرض لاعتداء أو مشكلة قانونية يجب أن يلجأ في المقام الأول إلى الطرق القانونية الطبيعية، وعلى رأسها تحرير محضر رسمي وإخطار الجهات المعنية، مؤكدًا أن التعامل المؤسسي والقانوني يظل الضمانة الأساسية لحفظ الحقوق.

الحد من البلاغات الكيدية

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن بعض المواطنين قد يلجؤون إلى مواقع التواصل الاجتماعي بدافع شعورهم بأن نشر الواقعة قد يضمن اهتمامًا أكبر بها أو يمنع أي محاولة للتأثير على سير الإجراءات، إلا أنه شدد على أهمية الاعتماد على الأدلة والإجراءات القانونية الرسمية، مع الإقرار بأن التوثيق بالصوت والصورة أصبح عنصرًا مؤثرًا في التعامل مع العديد من القضايا والوقائع في الوقت الحالي، كما أنه يحد من البلاغات الكيدية.