
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في القارة الأفريقية، تعود منطقة تيجراي شمال إثيوبيا إلى واجهة المشهد السياسي والأمني مع تصاعد غير مسبوق في تبادل الاتهامات بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مستقبل اتفاق بريتوريا للسلام وإمكانية انزلاق البلاد مجددًا نحو مواجهة عسكرية جديدة، قد تمتد تداعياتها إلى مجمل منطقة القرن الأفريقي.
ففي تطور لافت؛ اتهمت جبهة تحرير شعب تيجراي الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالتحضير لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية داخل الإقليم، مشيرة إلى ما وصفته بتكثيف عمليات الحشد العسكري وتنفيذ ضربات بواسطة الطائرات المسيّرة واستمرارالقيود المفروضة على حركة السلع والأدوية والمساعدات الإنسانية.
واعتبرت الجبهة أن هذه التحركات تمثل مؤشرات واضحة على الاستعداد لجولة ثانية من الحرب التي انتهت رسميًا بتوقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في “بريتوريا” خلال نوفمبر 2022.
هذه الاتهامات جاءت بعد أيام قليلة من تصريحات مسؤولين بارزين في الحكومة الفيدرالية، من بينهم مدير جهاز الاستخبارات والأمن الوطني الأثيوبي رضوان حسين ومستشار رئيس الوزراء لشؤون شرق أفريقيا جيتاشيو ردا، اللذين حذرا من وجود استعدادات عسكرية داخل تيجراي، واتهموا أطرافًا داخل الجبهة بالتنسيق مع إريتريا بهدف تقويض عملية السلام وإعادة إشعال الصراع في شمال البلاد.
أزمة ثقة متصاعدة
في جوهر الأزمة الحالية لا تبدو المشكلة مقتصرة على خلافات أمنية أو عسكرية فحسب، بل تعكس أزمة ثقة عميقة بين الطرفين لم تنجح اتفاقية بريتوريا في معالجتها بشكل كامل، فالاتفاق الذي أوقف العمليات العسكرية الواسعة لم يتمكن حتى الآن من معالجة العديد من الملفات الجوهرية التي كانت سببًا مباشرًا في اندلاع الحرب.
ومن أبرز هذه الملفات قضية عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وحسم وضع المناطق المتنازع عليها بين تيجراي وإقليم أمهرة، وإعادة دمج المقاتلين السابقين، فضلاً عن إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب.
وترى قيادة تيجراي أن الحكومة الفيدرالية لم تلتزم بصورة كاملة بتنفيذ بنود الاتفاق، خاصة ما يتعلق بالملفات الإنسانية وإعادة النازحين، وفي المقابل، تتهم أديس أبابا بعض الفصائل داخل الجبهة بمحاولة استغلال حالة الهشاشة السياسية والأمنية لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
هذا التباين في تفسير الالتزامات المتبادلة خلق بيئة سياسية مشحونة، باتت معها أي تحركات أمنية أو تصريحات سياسية تُقرأ باعتبارها مؤشرات على نوايا عدائية، وهو ما يفسر سرعة تصاعد الاتهامات خلال الأسابيع الأخيرة.
العامل الإريتري.. متغير حاضر في المعادلة
لا يمكن فهم التطورات الحالية بمعزل عن الدور الإريتري الذي لا يزال يشكل أحد أهم العوامل المؤثرة في المشهد الأمني بشمال إثيوبيا، فخلال حرب تيجراي لعبت القوات الإريترية دورًا محوريًا إلى جانب الجيش الإثيوبي، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لقيادات الجبهة.
وتشير اتهامات المسؤولين الإثيوبيين الأخيرة إلى وجود مخاوف داخل أديس أبابا من احتمال تنسيق بعض القوى المرتبطة بتيجراي مع أسمرة في إطار ترتيبات إقليمية معقدة تشهدها منطقة القرن الأفريقي.
وفي المقابل، ترى جبهة تحرير تيجراي أن الحكومة تستخدم “الورقة الإريترية” لتبرير الضغوط السياسية والعسكرية المفروضة على الإقليم.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية في ظل التوترات القائمة بين إثيوبيا وإريتريا منذ أشهر، خاصة بعد الخلافات المتعلقة بالوضع في البحر الأحمر والطموحات الإثيوبية للوصول إلى منفذ بحري، وهو ما يجعل أي تطور أمني في تيجراي مرتبطًا بحسابات إقليمية تتجاوز حدود الإقليم نفسه.

الوضع الإنساني.. الحلقة الأضعف
رغم الطابع السياسي والعسكري للأزمة، يبقي الجانب الإنساني الأكثر تأثرًا بأي تصعيد محتمل، فالحرب التي استمرت عامين خلفت أوضاعاً إنسانية كارثية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن ملايين السكان ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما يعيش مئات الآلاف في أوضاع نزوح طويلة الأمد، كما أن بطء عملية إعادة الإعمار واستمرار التحديات الاقتصادية يفاقمان من معاناة السكان ويحدان من فرص تحقيق استقرار دائم.
وتحذر العديد من الجهات الدولية من أن أي انهيار لاتفاق السلام سيؤدي إلى موجة جديدة من النزوح والتدهور الإنساني، في وقت تعاني فيه إثيوبيا بالفعل من أزمات أمنية متعددة في أقاليم أخرى مثل أوروميا وأمهرة.
دلالات زيارة أوباسانجو
في هذا السياق؛ تكتسب الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس النيجيري الأسبق والوسيط الأفريقي أولوسيغون أوباسانجو إلى مدينة “ميكيلي” عاصمة إقليم تيجراي أهمية خاصة، إذ تعكس إدراك الاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين لحجم المخاطر التي تهدد عملية السلام.
فالزيارة لم تكن مجرج متابعة تقنية لتنفيذ اتفاق بريتوريا، بل حملت رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمعين الإقليمي والدولي ينظران بقلق إلى المؤشرات المتزايدة على عودة التوتر بين الطرفين، كما أنها تمثل محاولة استباقية لاحتواء الأزمة قبل تحولها إلى مواجهة مفتوحة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة
في ضوء المعطيات الحالية؛ تبدو المنطقة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول يتمثل في نجاح الوساطات الإقليمية والدولية في خفض مستوى التوتر وإعادة تفعيل آليات تنفيذ اتفاق بريتوريا، وهو السيناريو الأكثر إيجابية لكنه يتطلب تنازلات متبادلة وإرادة سياسية حقيقية.
أما السيناريو الثاني فيقوم على استمرار حالة التوتر الحالية دون اندلاع حرب شاملة، مع بقاء الاتهامات المتبادلة والحشود العسكرية كأدوات ضغط سياسية، وهو السيناريو الأقرب للتحقق على المدى القصير.
في حين يبقي السيناريو الثالث والأكثر خطورة هو انهيار الثقة بشكل كامل وعودة المواجهات العسكرية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من العنف ليس فقط في تيجراي، بل في مجمل شمال إثيوبيا، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن القرن الأفريقي واستقرار البحر الأحمر.
وفي المحصلة، فإن الأزمة الراهنة تكشف أن السلام في تيغراي لا يزال سلاماً هشاً لم يترسخ بعد في مؤسسات الدولة ولا في حسابات الأطراف المتصارعة.
وبينما تبدو الحرب خياراً مكلفاً للجميع، فإن استمرار الملفات العالقة دون حلول جذرية قد يجعل من اتفاق بريتوريا مجرد هدنة مؤقتة أكثر منه تسوية نهائية للصراع الإثيوبي المعقد.







