
لم يكن فوز حزب الازدهار الإثيوبي بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد مجرد نتيجة انتخابية، بل هو تطور سياسي يحمل تداعيات إقليمية تتجاوز حدود إثيوبيا، الدولة التي تمثل أحد أهم مراكز القوة في شرق أفريقيا، فالحصول على أغلبية ساحقة داخل البرلمان يمنح آبي أحمد مساحة واسعة لإعادة تشكيل سياسات الدولة خلال المرحلة المقبلة، لكنه في نفس الوقت يضعه أمام اختبارات صعبة، لأن إثيوبيا اليوم ليست فقط دولة تبحث عن التنمية، بل دولة تواجه أزمات داخلية معقدة وتشابكات أمنية تمتد من إقليم تيجراي إلى أوروميا والبحر الأحمر والسودان.
ماذا يعني استمرار آبي أحمد؟
منذ وصوله إلى السلطة عام 2018، سعى آبي أحمد إلى تقديم نفسه باعتباره قائد مشروع إصلاحي قادر على إعادة صياغة المشهد السياسي الإثيوبي، غير أن حصيلة سنوات حكمه تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا، فبينما نجح في تفكيك الترتيبات السياسية التي حكمت البلاد لعقود وإنشاء حزب الازدهار كوعاء سياسي جديد، فإن هذه الخطوات ترافقت مع تصاعد غير مسبوق في حدة الانقسامات الداخلية والصراعات المسلحة.
ورغم ما حققته حكومته من مشروعات بنية تحتية وإصلاحات اقتصادية، فإن تلك الإنجازات ظلت مهددة بفعل حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي شهدتها البلاد، فقد ارتبط عهد آبي أحمد بحرب تيجراي الدامية التي مثلت واحدة من أكثر المحطات كلفة في تاريخ إثيوبيا الحديث، كما أن اتفاق السلام الذي أنهى القتال لم ينجح في معالجة جذور الأزمة أو إنهاء حالة الاحتقان بين القوى السياسية والعرقية المختلفة.
كما تواجه حكومته اتهامات متزايدة بالفشل في احتواء التمردات المسلحة في أوروميا وأمهرا، في وقت تتسع فيه دائرة الانتقادات بشأن تراجع الحريات السياسية وتغليب المقاربة الأمنية على الحلول السياسية، ولذلك؛ فإن استمرار آبي أحمد في الحكم لا يُنظر إليه من قبل كثير من المراقبين باعتباره مؤشرًا على استقرار الدولة الإثيوبية، بل قد يُفسر باعتباره استمرارًا لنهج سياسي ساهم في تعميق الانقسامات الداخلية وأبقى البلاد في حالة من الأزمات المتلاحقة والصراعات المفتوحة.
تيجراي .. الملف الأخطر أمام آبي أحمد
يبقي إقليم تيجراي الاختبار الحقيقي للحكومة الإثيوبية الجديدة، فالاتفاق الذي أنهى الحرب لم يعالج كل جذور الأزمة، خاصة الخلافات حول النفوذ السياسي، وترتيبات الأمن، ووضع القوات المختلفة داخل الإقليم.
عودة التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوى تيجراي قد تعني أن إثيوبيا تدخل مرحلة “سلام هش”، حيث لا توجد حرب شاملة لكنها أيضًا لم تصل إلى مصالحة وطنية كاملة.
أي تصعيد جديد في تيجراي لن يكون أزمة إثيوبية داخلية فقط، بل سيؤثر على إريتريا والسودان والقرن الأفريقي بأكمله، خاصة أن الحرب السابقة أظهرت حجم التشابك بين الأطراف الإقليمية.
إريتريا والبحر الأحمر.. هل تتحول الطموحات إلى مواجهة؟
أحد أكبر الملفات التي ستحدد مستقبل إثيوبيا هو ملف الوصول إلى البحر الأحمر، إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عاك 1993، وتعتمد بشكل كبير على موانئ دول الجوار، وعلى رأسها جيبوتي.
آبي أحمد يرى أن امتلاك منفذ بحري يمثل قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي والتنمية الاقتصادية، لكن هذا الطموح يصطدام بحساسية إريتريا الشديدة تجاه أي وجود إثيوبي على سواحلها.
العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة انتقلت من تحالف خلال حرب تيجراي إلى مرحلة توتر بسبب قضايا الحدود والموانئ والنفوذ الإقليمي، لذلك فإن استمرار خطاب الحصول على منفذ بحري قد يفتح بابًا لأزمة جديدة بين البلدين إذا فشلت الحلول السياسية.
ومن منظور مصري، فإن أي صدام إثيوبي–إريتري سيكون له تأثير مباشر على أمن البحر الأحمر، المنطقة التي أصبحت مسرحًا لتنافس دولي واسع بسبب موقعها الاستراتيجي وحركة التجارة العالمية.

السودان.. الجار الأكثر تأثرًا
السودان يمثل ملفًا حساسًا بالنسبى لإثيوبيا، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة، بل بسبب ملفات متداخلة مثل أزمة سد النهضة، منطقة الفشقة، والحرب الداخلية السودانية.
استمرار الاضطرابات في السودان يخلق بيئة أمنية معقدة على حدود إثيوبيا، بينما تحتاج أديس أبابا إلى سودان مستقر لتأمين تجارتها وتحركاتها الإقليمية.
وفي المقابل، فإن أي توسع في نفوذ إثيوبيا الإقليمي قد يثير مخاوف بعض الأطراف السودانية والعربية من تغير موازين القوى في شرق أفريقيا.
بالنسبة لمصر، فإن المشهد الإثيوبي لا يمكن فصله عن ملف مياه النيل، لأن استقرار إثيوبيا أو اضطرابها بنعكس مباشرة على طريقة إدارة ملف سد النهضة والعلاقات بين القاهرة وأديس أبابا.
أوروميا.. الأزمة الداخلية التي لا تختفي
إقليم أوروميا يمثل تحديًا آخر، فهو أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث السكان، ويشهد نشاطًا مسلحًا ومطالب سياسية مرتبطة بالهوية والتمثيل السياسي.
إذا تمكن آبي أحمد من تحقيق تسوية سياسية مع القوى المحلية، فقد يشكل ذلك بداية لاستقرار طويل، أما استمرار الحلول الأمنية فقط فقد يؤدي إلى دورة جديدة من العنف.
المشكلة الأساسية في إثيوبيا أن الصراع لم يعد فقط حول السلطة، بل حول شكل الدولة نفسها: هل تكون دولة مركزية قوية أم نظامًا فيدراليًا يمنح الأقاليم مساحة أكبر؟
ماذا تتوقع المنطقة من ولاية جديدة لآبي أحمد؟
هناك سيناريوان رئيسيان:
السيناريو الأول: أن يستخدم آبي أحمد الأغلبية السياسية لفتح مرحلة مصالحة داخلية، وإنهاء ملفات تيجراي وأوروميا، والتركيز على الاقتصاد والاستثمار، وهو ما قد يحول إثيوبيا إلى قوة استقرار في القرن الأفريقي.
أما السيناريو الثاني: استمرار النهج الأمني مع تصاعد التوترات الداخلية والخارجية، وهو ما قد يجعل إثيوبيا تدخل مرحلة استنزاف طويلة تؤثر على البحر الأحمر والسودان وجوارها.
في النهاية، فوز آبي أحمد يمنحه القوة السياسية، لكنه لا يمنحه إجابات جاهزة لأزمات بلاده، الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات: هل يستطيع تحويل الأغلبية البرلمانية إلى مشروع سلام داخلي، أم أن إثيوبيا ستظل عالقة بين طموح القوة وصراعات الهوية؟







