هناك لحظات في حياة الدول لا يكون فيها الامتحان الحقيقي هو إصدار القوانين، بل القدرة على مراجعتها حين يتغير الواقع، فالقانون ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق العدالة، وإذا أصبح الواقع أوسع من النص، كان الواجب أن يتطور النص، لا أن يترك الواقع معلقًا بين الاعتراف والإنكار، وقضية معلمي الحصة هي إحدى تلك اللحظات.
لسنوات طويلة، وقف آلاف المعلمين أمام السبورة لا يحملون إلا إيمانهم برسالة التعليم، بينما كانت الوزارة تواجه عجزًا حقيقيًا في أعداد المعلمين، لم يكن وجودهم ترفًا إداريًا، بل ضرورة فرضتها احتياجات المدارس، وتحول مع الأيام إلى أحد أعمدة استمرار العملية التعليمية، وتشير التقديرات الرسمية إلى أن العجز في أعداد المعلمين يقترب من 470 ألف معلم، وهو ما دفع الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى التوسع في الاستعانة بمعلمي الحصة إلى جانب مسابقات التعيين، الأمر الذي يؤكد أن هذه الفئة لم تكن عبئًا على المنظومة، بل كانت أحد أسباب استمرارها في أداء رسالتها.
لكن المفارقة أن من اعترفت بهم الفصول الدراسية، لم يعترف بهم القانون بالقدر الكافي، وهنا لا أتحدث عن تعيين استثنائي، ولا عن تجاوز لمبدأ تكافؤ الفرص، وإنما أتحدث عن سؤال أعمق: هل يجوز أن نستهلك خبرة الإنسان ثم نعتبرها بعد سنوات كأنها لم تكن؟ إن العدالة ليست مساواة حسابية جامدة، وإنما هي القدرة على إعطاء كل ذي جهد قيمة جهده، وكل ذي خبرة مكانتها.
ولا يمكن فصل أزمة معلمي الحصة عن واقع الإنفاق على التعليم، فقد ألزم دستور عام 2014 الدولة، في المادة (19)، بتخصيص ما لا يقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي للتعليم قبل الجامعي، إلى جانب 2% للتعليم الجامعي، مع الزيادة التدريجية حتى الوصول إلى المعدلات العالمية، كما منح الدستور مهلة ثلاث سنوات لتوفيق الأوضاع، إلا أن العديد من الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز بحثية ومنظمات مجتمع مدني، استنادًا إلى بيانات الموازنات العامة، رأت أن الحكومات المتعاقبة لم تحقق هذه النسب وفق طريقة الاحتساب التقليدية المرتبطة بالناتج القومي، وهو ما انعكس على استمرار نقص أعداد المعلمين وتزايد الاعتماد على حلول مؤقتة، كان أبرزها نظام العمل بالحصة.
ولهذا فإن من لم تنطبق عليه شروط المسابقات الحالية لا ينبغي أن يعامل وكأنه لم يقدم شيئًا للوطن، فالمسابقة تقيس لحظة، أما سنوات العمل فتقيس مسيرة كاملة، إن الخبرة ليست رقمًا نكتبه في السيرة الذاتية، وإنما معرفة تراكمت داخل الفصول، وفهمًا لطبيعة الطالب، وقدرة على إدارة الموقف التعليمي، وهي أمور لا تكتسب بين ليلة وضحاها.
ومن هنا، فإنني أرى أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة تنظيمها، وأتقدم برؤية تقوم على عدة مرتكزات؛ أولها تقنين أوضاع العاملين بالحصة من خلال عقود مستقرة وطويلة الأجل تحقق لهم الحد الأدنى من الأمان الوظيفي والاجتماعي، وثانيها إنشاء مسار قانوني يراعي سنوات الخبرة الفعلية عند التقييم، وثالثها توفير برامج تدريب وتأهيل وفرص جديدة لمن لم يحالفهم التوفيق في المسابقات، حتى لا يتحول الإخفاق في اختبار إلى حكم دائم بالإقصاء.
كما أرى ضرورة إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للعاملين بالحصة وربطها باحتياجات كل إدارة تعليمية، بحيث يصبح سد العجز قائمًا على خبرة موجودة بالفعل، لا على البحث عن خبرات جديدة في كل مرة، إن الدولة القوية ليست التي تبدأ من الصفر كل عام، وإنما التي تعرف كيف تستثمر ما صنعته بيديها.
فالإنسان ليس ورقة امتحان، والخبرة ليست بندًا يمكن شطبه، والتعليم لا يُبنى فقط بالقوانين، وإنما يُبنى أيضًا بالوفاء لمن حملوا رسالته في أصعب الظروف، وأؤمن أن تقنين أوضاع معلمي الحصة ليس استجابة لفئة بعينها، بل هو دفاع عن فكرة أوسع، وهي أن العدالة لا تعني أن نعيد توزيع الفرص فقط، وإنما أن نعترف بما قدمه الإنسان قبل أن نطالبه بأن يبدأ من جديد.
وفي الختام فإن الدولة التي تحفظ ذاكرة العطاء، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر عدلاً واستقرارًا.





