مقالات

مجتمع لا يحتمل الخطأ

لماذا أصبح الخطأ في زماننا يحتاج إلى محامي أكثر مما يحتاج إلى فرصة للتصحيح؟

سؤال يبدو بسيطا، لكنه يكشف شيئا أعمق عن الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى الإنسان. فقد أصبحنا نعيش في مجتمع يطالب بالكمال، بينما الكمال نفسه ليس من طبيعة البشر. نريد من الجميع أن يقولوا الشيء الصحيح دائما، وأن يتخذوا القرار الصحيح من المرة الأولى، وأن يعرفوا قبل أن يجربوا، وأن ينضجوا دون أن يمروا بمرحلة الخطأ.

وكأننا نريد من الإنسان أن يصل إلى نهاية الطريق.. دون أن نسمح له بأن يمشي فيه.

الخطأ ليس اكتشاف جديد في حياة البشر. فمنذ أن بدأ الإنسان يختار، بدأ يخطئ. ومنذ أن بدأ يفكر، بدأ يراجع أفكاره. ومنذ أن بدأ يتعلم، اكتشف أن بعض ما كان يعتقد أنه صحيح لم يكن كذلك. هكذا تتكون الخبرة، وهكذا ينضج العقل، وهكذا تتشكل الشخصية.

لكننا اليوم نبدو أقل استعداد لقبول هذه الحقيقة.

أصبح الخطأ أحيانا أكبر من صاحبه، وأصبح الموقف الواحد قادر على اختزال سنوات من حياة الإنسان، كلمة قيلت في لحظة غضب، قرار لم يكن موفق، رأي تغير بعد سنوات، أو موقف قديم أعيد تداوله، قد يتحول فجأة إلى تعريف كامل للشخص. وهنا تكمن المشكلة.

فالإنسان ليس موقف واحد، ولا صورة واحدة، ولا جملة واحدة، ولا أسوأ قرار اتخذه في حياته.

الإنسان رحلة طويلة من المحاولة والتجربة والتردد والسقوط والنهوض. وما يميز إنسان عن آخر ليس أنه لم يخطئ، وإنما الطريقة التي تعامل بها مع خطئه بعد أن اكتشفه.

لكن يبدو أننا أصبحنا أكثر اهتماما باللحظة التي أخطأ فيها الإنسان، وأقل اهتماما بما فعله بعدها.

وهذا واضح بصورة أكبر في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد للخطأ عمر طبيعي. ما كان يمكن أن ينتهي في يوم، أصبح قادر على أن يعيش سنوات. صورة قديمة، تصريح خارج سياقه، موقف لم نعرف ظروفه، أو جملة قيلت منذ زمن، يمكن أن تعود فجأة إلى الواجهة وكأن الإنسان لم يتغير منذ لحظة قولها.

وكأننا لا نعطي الإنسان حق في أن يكبر..نحن نطلب من الناس أن يتعلموا، ثم نحاسبهم على أنهم تعلموا متأخرين..نطلب الاعتذار، ثم لا نمنح الاعتذار قيمته.

نطالب بالمسؤولية، ثم نجعل الاعتراف بالخطأ مخاطرة.

وهنا نصل إلى مفارقة خطيرة: عندما يشعر الإنسان أن الاعتراف بخطئه لن يفتح له باب الإصلاح، بل سيستخدم ضده إلى الأبد، فإنه قد يختار الإنكار بدل من الاعتذار، والدفاع بدل من المراجعة، والصمت بدل من المواجهة.

فهل نريد بالفعل أن نربي مجمع مسؤول؟

إذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نفهم أن المسؤولية لا تبدأ بالعقوبة، وإنما تبدأ بالقدرة على الاعتراف.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن نتسامح مع كل الأخطاء أو أن نخلط بين الرحمة والتساهل. هناك أخطاء تستوجب المحاسبة، وهناك حقوق لا يجوز أن تضيع، وهناك أفعال لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان.

لكن المحاسبة شيء، والانتقام شيء آخر.

أن تقول للإنسان: «ما فعلته خطأ» فهذا حق المجتمع.

أما أن تقول له: «أنت خطأ» فهذا حكم على الإنسان كله، وقد يكون ظلم لا يقل خطورة عن الخطأ الذي نحاسبه عليه.

فالعدالة الحقيقية لا تبحث فقط عن عقاب المخطئ، وإنما تبحث  عن إصلاح ما يمكن إصلاحه، وحماية المجتمع من تكرار الخطأ، وترك مساحة للإنسان الذي أثبت أنه يريد أن يتغير.

وربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: لماذا أصبحنا أقل رحمة مع أخطاء الآخرين، رغم أن كل واحد منا يحمل في داخله قائمة طويلة من الأشياء التي يتمنى لو استطاع أن يعود إليها ويغيرها؟

كل إنسان تقريبا لديه قرار لم يكن موفقا، وكلمة يتمنى لو لم يقلها، وطريق اكتشف بعد السير فيه أنه لم يكن الطريق الصحيح.

الفرق فقط أن بعض أخطائنا لم تجد كاميرا، وبعضها لم يجد جمهور، وبعضها لم يجد وسائل التواصل الاجتماعي لتحتفظ به إلى الأبد.

ولعل أخطر ما في ثقافة عدم التسامح مع الخطأ أنها لا تتوقف عند الكبار، بل تصل إلى أطفالنا.

فالطفل الذي يتعلم أن الإجابة الخاطئة تستحق السخرية، قد يكبر وهو يخاف من السؤال. والطالب الذي يشعر أن الفشل فضيحة، قد يتعلم أن يخفي فشله بدل أن يتعلم منه. والشاب الذي يخشى نظرة الآخرين إلى محاولته الأولى، قد يختار ألا يحاول أصلًا.

وهكذا نصنع إنسانًا يخاف من الخطأ أكثر مما يحب التعلم. مع أن كل إنجاز كبير بدأ في مكان ما بمحاولة غير مكتملة.وكل شخصية ناضجة مرت بمرحلة لم تكن فيها ناضجة. وكل إنسان يعرف اليوم كيف يختار، كان في وقت ما لا يعرف كيف يختار.

لهذا، ربما نحن في حاجة إلى تغيير نظرتنا إلى الخطأ، لا إلى تبريره. أن نراه باعتباره مسؤولية يجب تحملها، أن نعلم أبناءنا أن الخطأ له ثمن، لكن له درسا أيضا.

أن نعلمهم أن الاعتذار ليس ضعف وأن تغيير الرأي ليس عيب، وأن الاعتراف بأننا كنا مخطئين لا ينتقص من قيمتنا، بل قد يكون من أكثر الأشياء التي تكشف نضجنا.

فالإنسان ليس نسخة ثابتة من نفسه.. من حقه أن يتغير.. ومن حقه أن يكتشف أنه كان مخطئا. ومن حقه أن يصبح بعد التجربة أكثر وعيا مما كان قبلها.

لكن في المقابل، عليه أيضا أن يدفع ثمن أخطائه، وأن يصلح ما يستطيع إصلاحه، وأن يفهم أن «الفرصة الثانية» ليست إعفاء من المسؤولية، وإنما فرصة لإثبات أن الدرس قد وصل.

ربما لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال الأهم عندما نرى إنسان أخطأ «كيف أخطأ؟» فقط. بل: «ماذا فعل بعد أن عرف أنه أخطأ؟»هل أنكر؟هل برر؟هل كرر؟

أم اعترف، وتعلم، وأصلح، وتغير؟ لأن الإنسان لا يقاس فقط بما فعله في لحظة ضعف، وإنما أيضا بما قرر أن يفعله بعد أن رأى خطأه بوضوح.

وفي النهاية، نحن لا نحتاج إلى مجتمع يغفر كل شيء، كما أننا لا نحتاج إلى مجتمع يعاقب كل شيء.نحتاج إلى مجتمع يعرف الفرق.

يعرف متى يحاسب، ومتى ينصح، ومتى يرفض، ومتى يمنح فرصة. مجتمع يستطيع أن يحمي الحق دون أن يفقد الرحمة، وأن يرفض الخطأ دون أن يلغي الإنسان، وأن يطالب بالمسؤولية دون أن يحول الماضي إلى سجن أبدي.

لأن أخطر شيء يمكن أن نفعله بالإنسان ليس أن نحاسبه على خطئه..بل أن نقنعه بأن خطأه هو نهايته.

فالناس لا يصبحون أفضل لأننا ذكرناهم دائما بما كانوا عليه، وإنما لأننا  منحناهم المساحة الكافية ليصبحوا ما يمكن أن يكونوا عليه.

وربما يكون السؤال الحقيقي الذي يستحق أن نتوقف أمامه ليس: هل أخطأ الإنسان؟ فالإجابة معروفة.

ولكن:هل أعطيناه فرصة ليتعلم؟

فالمجتمع الذي لا يسمح لأفراده بالخطأ، قد يبدو أكثر انضباطا…

لكن المجتمع الذي لا يسمح لهم بالتعلم من أخطائهم، قد يصبح في النهاية مجتمع يخاف فيه الجميع من الاعتراف، ويتقن فيه الجميع إخفاء الحقيقة.

وما نحتاجه اليوم ليس بشر لا يخطئون.. بل بشر يملكون شجاعة أن يقولوا: أخطأت.

ثم يملكون شجاعة أكبر: أن يتغيروا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى