عبدالغني الحايس
عبدالغني الحايس

أصل الحكاية.. هوية ورؤية ومبادئ وانتصار للمصلحة العامة

كثير من اجتماعاتي مع الزملاء المنضمين إلى حزب العدل، أتحدث عن رؤية الحزب وأهدافه، وأننا حزب ليبرالي اجتماعي، مؤمن بأن العمل السياسي يجب أن يُمارس عبر طرق شرعية، في ظل احترام القانون والدستور، ونحلم بدولة مدنية ديمقراطية قوية وناهضة، قائمة على العدل والمساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، وتمكين المجتمع المدني بتسهيل عمله الاجتماعي والتنموي وكثير من الأمور الأخرى الكثيرة التي يتبناها الحزب من خلال رؤيته وأهدافه وبرامجه وخريطته التشريعية.

وبما أننا حزب يتخذ الليبرالية الاجتماعية منهجًا سياسيًا، يرى أن الدولة يجب أن ينحصر دورها في المراقبة وتكون منظم للسوق وليس منافس، بل تتيح المنافسة الاقتصادية العادلة، وحماية الطبقات الأقل انتفاعًا من الحرية الاقتصادية، عبر توفير السلع الأساسية والخدمات العامة ومنع الأمور الاحتكارية.

وعندما أصدرت الحكومة وثيقة ملكية الدولة، وأن لديها النية للتخارج من الأمور الاقتصادية، وإفساح المجال للقطاع الخاص، كان هذا من الأمور الجيدة، ووقتها طرحنا رؤيتنا حول الوثيقة، وما يجب على الدولة أن تفعله كمنظم للسوق والمجالات التي لا يمكن الاستغناء عن دورها فيه، وضرورة إفساح المجال للقطاع الخاص.

ومازلنا في انتظار مزيد من وضوح الرؤية وتحقيق الأهداف المنوطة بالإصلاح الاقتصادي لكي نعبر من عنق الزجاجة، بعد أن تحمل الشعب الكثير من المعاناة، وعاش جحيم تلك الإجراءات القاسية من أجل إصلاح اقتصادي لم نجنِ ثماره حتى الأن.

وفي الآونة الأخيرة أدركنا اشتعال المواقع الإخبارية بمشروع قدمته الحكومة لتنظيم جهاز مستقبل مصر، مع العلم أن الجهاز مؤسس بقرار جمهوري عام ٢٠٢٢، بوصفه جهاز اقتصادي يساهم في التنمية الاقتصادية ويحافظ على أمن مصر الغذائي.

وبين عشية وضحاها تقرر نقل تبعية الجهاز من القوات المسلحة إلى جهاز قومي متعدد الاختصاصات والمجالات التي يعمل فيها تابع إلى رئاسة الجمهورية، لذلك قررت الحكومة تقنين وضع الجهاز بقانون يعيد إعادة تنظيمه.

عندما تم الإعلان عن القانون في صورته الأولى أنه خارج الموازنة العامة للدولة، وخارج الرقابة، ولا يخضع للمساءلة، وخارج قانون الخدمة المدنية ولا يخضع للضرائب، وكثير من الاستثناءات والإعفاءات، ولديه استقلال مالي وإداري، ويعمل خارج النظام الحكومي وأشياء أخرى صادمة.

ومن هنا تبدأ حكاية حزب العدل ونواب الحزب في التصدي للقانون بعد دراسة مستفيضة ومتأنية لمواده وما مدى تأثيرها مستقبلاً وأثناء التطبيق، وكان موقفهم إيجابيا كعادتهم بأنه يجب ألا يمر هذا القانون بصيغته الحالية المعروضة للمناقشة، والتي تتعارض مع مبادئ الحزب، وكان هناك خيار أخر أمامهم كما تفعل المعارضة دائمًا أن ترفض القانون تحت قبة البرلمان، ودون أن تكلف من نفسها عناء الدراسة والبحث وإبداء المقترحات، وبما أن شعارنا في حزب العدل أننا مختلفين، وأننا ندافع عن حق المصريين، ونمثل الطبقة الوسطي كان القرار الاشتباك مع مواد القانون، ومحاولة التأثير للتغير، ولأننا دائمًا في اختلافنا مع الحكومة نؤكد أننا نقدم البديل وليس الرفض من أجل الرفض، ولم يحدث في تاريخ عدم موافقتنا على قانون أو أي إجراء لا نرى فيه الصالح العام إلا أننا نقدم البديل المنطقي والواقعي.

فتم تقديم مذكرة توضيحية بواسطة الهيئة البرلمانية للحزب تعليقًا على مشروع القانون، وتضمن الملاحظات والمقترحات على المشروع، وكانت المفاجأة هو الاستجابة لمناقشة المقترحات المقدمة والنقاش المستفيض حول الورقة التي تداولها بين السادة النواب والمشاركين في القانون، سواء في اللجان أو الجلسات العامة، وشارك أعضاء الهيئة البرلمانية للحزب بفاعلية في كل الجلسات العامة أثناء مناقشة القانون.

 وعلى الجانب الأخر، تحركات رئيس الحزب ورئيس الهيئة البرلمانية  لتوضيح، ماهية المذكرة المقدمة للسادة النواب، ورؤساء الهيئات البرلمانية تحت قبة البرلمان، لكسب أصوات داعمة للمقترحات، ونجح النائبان عبدالمنعم إمام، ومحمد فؤاد، بتحركاتهما السياسية بكسب دعم زعيم الأغلبية النائب أحمد عبدالجواد، في دعم المقترحات المقدمة في القانون.

ونجح حزب العدل في إبراز أهم ملاحظاته، وكسب تأييد برلماني، وهي استحداث مكتب تنفيذي للصندوق السيادي، ومكتب للصندوق الخدمي، يعزز الحوكمة ويمنع تركز السلطات، وإخضاع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وتطوير حوكمة الصناديق التابعة له، وقياس الأثر التنموي للصندوق الخدمي، وتنظيم التظلمات والتقاضي.

وكان من المهم ألا تتحمل الخزانة العامة أو الموازنة العامة أي التزامات للجهاز، فتم إخضاع جميع أنشطة الجهاز لكافة أنواع الضرائب، وكذلك الصناديق التابعة له للقواعد الضريبية العامة، وكذلك إخضاع إنشاء مناطق التنمية المستدامة لموافقة مجلس النواب، وضبط نصوص وتأسيس وتسجيل الشركات، وتقليص الاستثناءات والامتيازات الخاصة وتعزيز مبادئ الشفافية والمساواة.

كان بالإمكان كما ذكرت أن يكتفي الحزب برفض القانون، ولكن اتساقا مع مبادئ الحزب وكعادته، قرر الاشتباك ومحاولة الحصول على مكاسب لصالح الشعب والمحافظة على حقوقه وثرواته، بمحاولته تحسين القانون وتعديل صيغته، وإبراز ملاحظاته من حيث الحوكمة أو الاستثناءات وعلاقته مع خزينة الدولة، وبتنظيم مناطق التنمية المستدامة، وذلك اتساقًا مع رؤيته حول مسألة إدارة الأصول العامة للدولة واقتصار دورها لمراقب ومنظم للسوق، وقد نجح ذلك وعن جدارة واستحقاق.

تحية تقدير لنواب حزب العدل ورئيسه ورئيس هيئته البرلمانية وأعضاء الهيئة البرلمانية، على دورهم الوطني والمخلص، وفخور بكوني من مؤسسي الحزب، وأحد أعضاءه المؤمنين بمبادئه وأهدافه، وأننا من اليوم الأول كنا صادقين ومستمرين على العهد والوعد بأن نكون صوتًا لمن لا صوت له.

ورسالتي إلى كل المعاتبين لنا على موقفنا من موافقتنا على القانون بشكله النهائي بعد أن نجحنا في تعديل الكثير من مواده طبقًا لقناعتنا، بأننا مختلفين لا نهرب من معاركنا ونؤدي دورنا الوطني كحزب إصلاحي من أجل دولة عادلة ومؤسسات قوية ونؤدي دورنا بمسؤولية ووطنية مخلصة للوطن وبما فيه صالح المواطنين.