أتمنى أن يدرك كل مسؤول، قبل أن يوقع قرارًا يمس ملايين المواطنين، أن خلف كل رقم في الموازنة أسرة تكافح، وعاملاً يسافر يوميًا، وطالبًا يطارد حلم التعليم، ومريضًا لا يملك سوى القطار ليصل إلى مستشفى يعالجه، فالقرار الاقتصادي لا يُقاس فقط بما يضيفه إلى الخزانة العامة، وإنما بما يقتطعه من قدرة المواطنين على الحياة الكريمة.
هذا التساؤل فرض نفسه بعد قرار وزارة النقل رفع أسعار تذاكر القطارات بنسبة تتراوح بين 12.5% و25%، وهي الزيادة الثانية خلال أقل من أربعة أشهر، بما يعني أن أسعار عدد كبير من التذاكر تضاعفت تقريبًا منذ نهاية مارس الماضي، وهي زيادة تأتي في وقت يواجه فيه المواطن المصري موجات متلاحقة من ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والسلع والخدمات، بما أدى إلى تراجع القوة الشرائية وزيادة الأعباء المعيشية على الأسر.
القضية هنا لا تتعلق بسعر تذكرة قطار فحسب، بل تمس ملايين المواطنين الذين يعتمدون على السكك الحديدية باعتبارها وسيلة الانتقال الرئيسية إلى أعمالهم وجامعاتهم ومستشفياتهم، وفي مقدمتهم أبناء محافظات الصعيد، حيث تقل البدائل وترتفع تكلفة وسائل النقل الأخرى، فيصبح أي ارتفاع في أسعار التذاكر عبئًا مباشرًا على فرص العمل والتعليم والعلاج.
ولنتخيل طالبًا من محافظة أسيوط يدرس في جامعة المنيا، ويضطر إلى السفر بالقطار الروسي خمسة أيام أسبوعيًا، هذا الطالب يقوم برحلتي ذهاب وعودة يوميًا، أي نحو 40 رحلة شهريًا، وإذا ارتفعت قيمة التذكرة عشرة جنيهات فقط في كل رحلة، فسيتحمل 20 جنيهًا إضافية يوميًا، أي نحو 400 جنيه شهريًا، وما يقرب من 3600 جنيه خلال العام الدراسي، قد تبدو هذه الزيادة محدودة على الورق، لكنها بالنسبة لأسرة محدودة الدخل في الصعيد تمثل عبئًا حقيقيًا، يضاف إلى مصروفات السكن والكتب والطعام والدروس والاحتياجات الأساسية، لتجد الأسرة نفسها أمام معادلة قاسية: كيف تستكمل تعليم ابنها في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة؟.
ومن هنا تقدمت بطلب إحاطة إلى السيد وزير النقل، ليس اعتراضًا على تطوير مرفق السكك الحديدية أو تحديثه، فالجميع يدرك أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وإنما للتساؤل عن الأساس الاقتصادي والاجتماعي الذي استندت إليه الوزارة في اتخاذ هذا القرار، خاصة مع تكرار الزيادات خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن ما تداولته وسائل الإعلام من تصريحات منسوبة إلى مصادر بوزارة النقل، تفيد بأن حصيلة الزيادة الأخيرة، والمقدرة بنحو مليار جنيه سنويًا، ستُوجه لسداد جزء من فوائد القروض التي تتحملها الوزارة، والمقدرة بنحو ثلاثة مليارات جنيه سنويًا، يثير تساؤلات مشروعة تستحق إجابة واضحة من الحكومة.
فإذا صحت هذه المعلومات، فإن السؤال يصبح: هل تحولت تذكرة القطار من مقابلٍ لخدمة النقل إلى وسيلة لسداد فوائد القروض؟، وهل من العدل أن يتحمل العامل والطالب وصاحب المعاش تكلفة خدمة دين لم يكن طرفًا في صنعها؟.
إن تطوير السكك الحديدية هدف وطني لا خلاف عليه، لكن العدالة تقتضي ألا يتحمل المواطن وحده فاتورة الإصلاح، خاصة إذا كان من محدودي الدخل، أو من أبناء المحافظات التي تعتمد بصورة شبه كاملة على القطارات في تنقلها اليومي.
كما أن الدستور المصري ألزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية، ورعاية الفئات الأولى بالرعاية، وعدم تحميل المواطنين أعباءً تمس حقهم في حياة كريمة، ولذلك يصبح من الواجب أن تسبق أي زيادة في أسعار الخدمات العامة دراسة حقيقية للأثر الاقتصادي والاجتماعي، وأن تُعلن نتائجها بشفافية أمام الرأي العام.
كما يحق للمواطن أن يعرف: ما تكلفة تشغيل مرفق السكك الحديدية؟، وما حجم الإيرادات التي تحققت بعد الزيادات السابقة؟، وهل حققت أهدافها المالية؟ وما أوجه إنفاق هذه الإيرادات؟، وهل هناك بالفعل علاقة بين الزيادات الأخيرة وسداد فوائد القروض؟.
ولا يقل أهمية عن ذلك معرفة الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها للتوسع في الاشتراكات المدعمة للعمال والطلاب والموظفين وأصحاب المعاشات، ووضع سياسة سعرية تراعي الطبيعة الخاصة لمحافظات الصعيد، باعتبارها الأكثر اعتمادًا على السكك الحديدية.
إن القضية ليست رفضًا للتطوير، وإنما دفاع عن العدالة في توزيع تكلفته، فالمواطن لا يرفض أن يرى قطارات حديثة وخدمة أفضل، لكنه يتساءل: هل من العدل أن يكون محدودو الدخل، وأبناء الصعيد على وجه الخصوص، هم أول من يدفع فاتورة هذا التطوير؟.
ولهذا يبقى السؤال قائمًا حتى تجيب عنه الحكومة بوضوح وشفافية: هل يدفع أبناء الصعيد فاتورة ديون السكك الحديدية؟.





