الحرب تشعل الأسعار.. كيف يدفع المواطن المصري ثمن الصراع الأمريكي الإيراني؟

حالة من الاضطراب تشهدها الاقتصاديات العالمية والإقليمية مع أول العام الميلادي الحالي، بعد استمرار تجدد الصراع الإيراني الأمريكي وما تلاه من تداعيات جيوسياسية، بالرغم من محاولات التوصل لاتفاق يجمد التأثيرات السلبية التي تواجه الدول، إذ تسببت تلك الحرب في تكبد الاقتصاد العالمي خسائر تقدر بتريليونين و200 مليار دولار خلال الفترة من فبراير حتى يونيو من العام الجاري.

تأثيرات الحرب على الاقتصاد العالمي

وكشف تقرير صادر عن معهد الاقتصاد والسلام، عن تأثير الصراع الأمريكي الإيراني في تكبد الاقتصاد الأمريكي خسائر بلغت 25 مليار دولار، وفقًا لبيانات البنتاجون.

وتسببت الحرب في تدمير البنية التحتية والمنشآت والمرافق الاقتصادية والخدمية الإيرانية، وتكبدها خسائر تجاوزت 270 مليار دولار، وكذلك الاقتصاد الإسرائيلي الذي خسر 11.5 مليار دولار من ناتجه المحلي، إلى جانب تعرض المرافق العامة والبنية التحتية للتدمير جراء الاستهداف الإيراني.

شهية صعود النفط

وانخفض المعروض النفطي بعد تأثر سلاسل الإمداد والتموين نتيجة إغلاق مضيق هرمز، ليصل حجم الإنتاج اليومي من النفط إلى 2.4 مليون برميل يوميًا، بتراجع بلغ 1.5 مليون برميل منذ فبراير الماضي، ليتراجع الاحتياطي العالمي من النفط إلى 1.15 مليار برميل خلال النصف الأول من العام الجاري.

تكاليف الشحن ترتفع والتضخم في زيادة

وكشفت التقارير عن ارتفاع تكاليف الغذاء عالميًا بسبب زيادة أعباء النقل والشحن الجوي في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 14%، وارتفاع تكاليف تجارة الأسمدة النيتروجينية وواردات الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاجها بنسبة 33%، وما تبع ذلك من تأثر الإنتاج الزراعي بسبب إغلاق مضيق هرمز.

وخفض البنك الدولي توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.5% بنهاية عام 2026، مع توقعات بتراجعه إلى 1.3% حال استمرار وتيرة الصراع.

الذهب والدولار

وأثرت تلك التداعيات في ارتفاع أسعار النفط داخل البورصات العالمية، ليصعد خام برنت من 68.3 دولارًا للبرميل في مطلع يوليو الجاري إلى 88.13 دولارًا للبرميل حاليًا، بزيادة بلغت 19.83 دولارًا، وبنمو نسبته 29.03%.

وتراجع سعر الدولار أيضًا من 101.06 نقطة إلى 100.58 نقطة بنهاية تعاملات الجمعة الماضية، بانخفاض طفيف بلغ 0.44%، بينما صعدت أوقية الذهب إلى 4017 دولارًا.

وفي السوق المحلية، ارتفع سعر أوقية الذهب دولارًا واحدًا لتسجل 4005 دولارات للأوقية، وسط تذبذب في أسعار الأعيرة الذهبية داخل محال الصاغة المصرية، تراوح بين 20 و30 جنيهًا في المتوسط.

المواطن يدفع الفاتورة

وانعكست تلك التأثيرات على مستويات التكلفة التي يتحملها المواطن والاقتصاد، بعد سلسلة من الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بالتوازي مع حلول العام المالي الجديد، كان من بينها الانتقال إلى الدعم النقدي بصورة مكتملة، وحذف 850 ألف مواطن من أصل 60.8 مليون مواطن مقيدين بالبطاقات التموينية، مع إمكانية رفع تلك الأعداد.

ووفقًا لمصادر حكومية مطلعة، تدرس الحكومة رفع أسعار المحروقات مرة أخرى خلال يوليو الجاري، في ظل ارتفاع أسعار النفط عالميًا، لمواجهة تكلفة استيراد المواد البترولية على الخزانة العامة.

ويعني رفع أسعار المواد البترولية، بحسب محللين، زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة للمواطنين، بما في ذلك أسعار المواد الغذائية، والمواصلات، والخدمات العامة الموجهة لمحدودي ومتوسطي الدخل.

ومع بدء العام المالي الجديد، أعلنت وزارة المالية رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه شهريًا للعاملين بالدولة، بالإضافة إلى زيادة المعاشات بنسبة 15%، إلا أن أسعار السلع الغذائية ارتفعت منذ أبريل الماضي، أي قبل ثلاثة أشهر من إقرار الزيادات الأخيرة، بمتوسط بلغ 25%.

التضخم يرتفع

وعلى صعيد متصل، كشفت أحدث بيانات البنك المركزي المصري عن توقع ارتفاع معدلات التضخم خلال الفترة من يوليو حتى سبتمبر من العام الجاري، مؤكدة أن تحركات سعر الدولار في مايو الماضي ساهمت في تقليص تلك التوقعات.

وذكر البنك المركزي أن معدلات التضخم في مصر من المتوقع أن تتحسن خلال النصف الثاني من عام 2027، لتقترب من المستهدف البالغ 7% في المتوسط، بالرغم من وجود مخاطر قد تدفع التضخم إلى الارتفاع بسبب تفاقم الصراع الإقليمي، باعتباره عائقًا أمام أي فرص للتحسن، نتيجة ارتفاع المخاطر وزيادة حالة عدم اليقين.

طريق سهل

من جانبه، قال الدكتور سمير رؤوف، المحلل والخبير الاقتصادي، إن الاضطرابات الجيوسياسية واستمرار تجدد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما تبعه من ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى نحو 88 دولارًا للبرميل، بزيادة تجاوزت 22% خلال أسبوع، زاد من حدة التذبذب واستمرار حالة عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية.

وأشار إلى أن تلك المؤثرات انعكست بشكل كبير على حركة السلع والطاقة والأسواق المالية، مع عودة الذهب إلى حالة من التذبذب المرتفع حول مستوى 4000 دولار للأوقية، نتيجة تداخل العوامل الجيوسياسية مع توقعات أسعار الفائدة الأمريكية وقوة الدولار.

وأوضح “رؤوف” أن تلك التداعيات تسببت في زيادة الضغوط التضخمية، وما تبعها من ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والإنتاج والتأمين على حركة السفن التجارية، وهو ما أجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تمهيدًا لرفعها مستقبلًا.

وأضاف أن الحكومة لم تجد بديلًا سوى التفكير في عدد من الإجراءات المؤثرة على حياة المواطنين، من بينها تحميلهم تكلفة ارتفاع أسعار المحروقات، وتقليص الدعم على المواد التموينية، باعتبار ذلك جزءًا من الاتفاق على برنامج التسهيل الممدد مع صندوق النقد الدولي، لاستكمال الحصول على شريحة تمويل بقيمة 1.6 مليار دولار.

وأوضح رؤوف أن الحكومة تحاول اختيار الآليات الأسرع دون دراسة كافية لتأثيرات تلك القرارات على حياة المواطنين، من بينها تنقية البطاقات التموينية، وعدم التدخل في فرض تسعيرة جبرية على السلع، ومحاسبة المحتكرين، باعتبارها وسائل تلقائية للسيطرة على الأزمة المحتملة.

وأشار إلى أن الحكومة نجحت بالفعل في رفع مستويات الأجور، بالرغم من أنها لا تزال غير كافية، لكنها لم تحدد ضوابط داخل الأسواق لمحاسبة التجار الجشعين أو فرض تسعيرة جبرية، بما يحمي محدودي الدخل.

وقال “رؤوف” إن تجاوز الأزمة الاقتصادية الراهنة يتطلب إتاحة مناخ حقيقي ومواتٍ لدعم القطاع الخاص، وإقرار تشريعات محفزة للاستثمار، بما يفتح آفاقًا جديدة لتوسعات الشركات القائمة، وزيادة معدلات التشغيل والتوظيف لمواكبة احتمالات التضخم والركود.