
قراءة سياسية في تفاعلات المشهد الإثيوبي وتحولات ميزان القوى بعد اتفاق بريتوريا
لم يكن اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، نهاية للصراع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي، بقدر ما كان نقطة انتقال من الحرب العسكرية المباشرة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع السياسي والأمني.
فقد نجح الاتفاق في وقف واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا خلال العقود الأخيرة، لكنه لم ينجح في إزالة الأسباب البنيوية التي قادت إليها، الأمر الذي جعل السلام هشًا وقالباً للاهتزاز مع كل أزمة جديدة.
وتأتي التطورات الأخيرة؛ سواء من خلال تصريحات المتحدث باسم جبهة تحرير تيجراي، ميكائيل أسقدوم، بشأن المسيرة المزمع تنظيمها في أديس أبابا، أو البيانات الصادرة عن فعاليات شبابية داخل الإقليم، أو التحذيرات التي أوردتها الدراسة الصادرة عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، لتؤكد أن الأزمة الإثيوبية لا تزال بعيدة عن الوصول إلى تسوية نهائية، وأن البلاد تقف أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والعسكرية والإنسانية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإثيوبية في تصريحاتها الرسمية التزامها باتفاق بريتوريا ومسار السلام، بينما تختلف الأطراف في تقييم مدى تنفيذ بنود الاتفاق، وهو ما يعكس استمرار التباين في الرؤى بشأن طبيعة المرحلة الراهنة ومستقبلها.
التصعيد الأخير.. هل هو مجرد حرب تصريحات؟
التصريحات التي أدلى بها المتحدث باسم جبهة تحرير تيجراي لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي الذي تشهده إثيوبيا منذ عدة أشهر، فقد اتهم الحكومة الفيدرالية بالوقوف وراء تنظيم مسيرة في العاصمة أديس أبابا بهدف تعبئة الرأي العام ضد تيجراي، واعتبر أن هذه التحركات تمثل محاولة لخلق بيئة سياسية تبرر أي تصعيد عسكري مستقبلي ضد الإقليم.
ورغم أن هذه الاتهامات تعبر عن موقف الجبهة ولم تؤكدها الحكومة الإثيوبية، فإنها تعكس حجم انعدام الثقة بين الطرفين، وهو العامل الذي ظل حاضرًا حتى بعد توقيع اتفاق السلام.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها صدرت في توقيت يشهد عودة لغة التعبئة السياسية داخل تيجراي، بالتزامن مع استمرار الجدل حول عدد من الملفات العالقة، وفي مقدمتها عودة النازحين، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وترتيبات الأمن المحلي.
ومن منظور سياسي، فإن الخطاب الذي تتبناه الجبهة لا يستهدف الداخل التيجراوي فقط، وإنما يحمل رسائل موجهة أيضًا إلى المجتمع الدولي، في محاولة لإبقاء ملف تيجراي حاضرًا على أجندة الاهتمام الدولي، خاصة مع تراجع التغطية الإعلامية للأزمة مقارنة بسنوات الحرب.
لماذا عاد الخطاب التعبوي؟
اللافت خلال الأسابيع الأخيرة هو عودة مفردات مثل “الصمود، الدفاع عن تيجراي، الاستعداد الوطني”، وهي مفردات ارتبطت خلال سنوات الحرب بمرحلة التعبئة العامة.
ورغم أن استخدام هذه اللغة لا يعني بالضرورة اقتراب اندلاع مواجهة عسكرية، فإنه يعكس وجود شعور متزايد داخل قطاعات من المجتمع التيجراوي بأن عملية السلام لم تحقق حتي الآن النتائج المنتظرة.
ورغم أن استخدام هذه اللغة لا يعني بالضرورة اقتراب اندلاع مواجهة عسكرية، فإنه يعكس وجود شعور متزايد داخل قطاعات من المجتمع التيجراوي بأن عملية السلام لم تحقق حتي الآن النتائج المنتظرة.
ويعزز هذا الشعور استمرار معاناة مئات الآلاف من النازحين، وبقاء عدد من الملفات السياسية دون تسوية، فضلاً عن التحديات الاقتصادية التي تواجه الإقليم.
وفي المقابل، ترى الحكومة الفيدرالية أن تنفيذ الاتفاق يتم بصورة تدريجية، وأن تعقيدات المرحلة الانتقالية تتطلب وقتًا، وهو ما يجعل الفجوة في تقييم الواقع أحد أبرز مصادر الخلاف بين الطرفين.
اتفاق بريتوريا.. أين تكمن نقاط التعثر؟
بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع الاتفاق، لا تزال عدة ملفات تمثل مصدرًا دائمًا للتوتر.
أول هذه الملفات هو مستقبل المناطق المتنازع عليها، وعلى رأسها غرب تيجراي، الذي لا يزال يمثل إحدى أكثر القضايا حساسية، نظرًا الداخل أبعادها السياسية والقومية والأمنية.
أما الملف الثاني، فيتعلق بعودة النازحين، إذ تشير تقديرات منظمات دولية إلى أن أعدادًا كبيرة لم تتمكن حتى الآن من العودة إلى مناطقها الأصلية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي داخل الإقليم.
ويأتي ملف نزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين في المرتبة الثالثة، حيث يعد نجاح هذه العملية شرطًا أساسيًا لترسيخ السلام، إلا أن تنفيذها يواجه تحديات سياسية وأمنية معقدة.
كما أن إعادة الخدمات العامة والبنية التحتية ما تزال تسير بوتيرة أبطأ من تطلعات السكان، الأمر الذي ينعكس على مستوى الثقة في العملية السياسية برمتها.
حكومة آبي أحمد.. تحديات تتجاوز تيجراي
من الخطأ النظر إلى الأزمة الحالية باعتبارها نزاعًا منفصلاً عن بقية المشهد الإثيوبي، إذ تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد تحديات متعددة في أكثر من إقليم.
ففي إقليم أمهرة لا تزال التوترات الأمنية مستمرة، بينما تشهد مناطق في أوروميا مواجهات متقطعة مع جماعات مسلحة، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع الديون والتضخم وتحديات إعادة الإعمار.
وتعني هذه المعطيات أن أي قرار يتعلق بتيجراي لا يخضع فقط لحسابات العلاقة مع الجبهة، وإنما يرتبط أيضًا باعتبارات الأمن الداخلي، والتوازنات السياسية والحفاظ على تماسك الدولة الفيدرالية.
وفي الوقت نفسه، تسعى الحكومة إلى تقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها ملتزمة باعتبارها ملتزمة بمسار السلام، خاصة في ظل حاجتها إلى استمرار الدعم الاقتصادي والاستثماري، وهو ما يجعل العودة إلى حرب واسعة خيارًا يحمل تكلفة سياسية واقتصادية مرتفعة.
الأزمة الإنسانية.. السلام الذي لم يصل إلى المدنيين
ورغم توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، فإن آثار الحرب لا تزال حاضرة بقوة في الحياة اليومية لسكان تيجراي.
فالنازحون الذي يعيشون داخل المخيمات أو في مناطق اللجوء لم يشعروا حتي الآن بأن الحرب انتهت فعليًا، كما أن آلاف الأطفال نشأوا خلال السنوات الماضية في بيئة تفتقر إلى التعليم المنتظم، والرعاية الصحية، والاستقرار النفسي.
ولا تقتصر خطورة الأزمة الإنسانية على بعدها الأخلاقي، بل تمتد إلى بعدها السياسي أيضًا، إذ إن استمرار المعاناة يوفر بيئة خصبة لتجدد الاحتقان، ويؤثر في المزاج العام داخل الإقليم، ويزيد من صعوبة بناء الثقة بين السكان والسلطات.
وتشير تقارير المنظمات الدولية إلى أن تراجع التمويل الإنساني خلال العامين الأخيرين زاد من تعقيد الأوضاع، وهو ما يجعل معالجة الملف الإنساني جزءًا لا يتجزأ من أي تسوية سياسية مستدامة وليس مجرد استجابة إغاثية مؤقتة.
البعد الإقليمي.. لماذا لا تبقى أزمة تيجراي داخل الحدود الإثيوبية؟
يصعب النظر إلى أي تطور أمني في إثيوبيا باعتباره شأنًا داخليًا بحتًا، فالموقع الجغرافي للبلاد يجعلها محورًا رئيسيًا في معادلات الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي.
وتتقاطع حدودها مع السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا، فيما تمثل شبكة الطرق والموانئ وخطوط التجارة المرتبطة بها عنصرًا مؤثرًا في حركة الاقتصاد الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد عسكري جديد في تيجراي ستكون له انعكاسات تتجاوز الإقليم، سواء من خلال موجات نزوح جديدة، أو اضطراب حركة التجارة، أو تعقيد الأوضاع الأمنية في دول الجوار، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد الذي تبديه القوى الإقليمية والدولية بتطورات المشهد الإثيوبي.
ويكتسب هذا البعد أهمية مضاعفة في ظل استمرار الحرب في السودان، والتوترات المتعلقة بالبحر الأحمر، وتزايد المنافسة الدولية على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي، حيث أصبحت المنطقة إحدى الساحات الرئيسية للتنافس الجيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية.
إريتريا.. اللاعب الأكثر تأثيرًا
لا يمكن تحليل مستقبل تيجراي دون التوقف عند الدور الإريتري، باعتبار أن العلاقات بين أسمرة وأديس أبابا شهدت تحولات كبيرة منذ توقيع اتفاق السلام بين البلدين عام2018.
ففي أثناء الحرب في تيجراي، كانت إريتريا طرفًا مؤثرًا في المعادلة العسكرية، غير أن المشهد تغير بصورة ملحوظة بعد اتفاق بريتوريا، مع بروز تباينات في الرؤى بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية تجاه المرحلة التالية للحرب.
ولا تعني هذه التباينات بالضرورة وجود مواجهة وشيكة بين البلدين، لكنها تضيف مستوى جديدًا من التعقيد إلى الأزمة، خاصة إذا تزامنت مع أي انهيار لمسار السلام داخل تيجراي.
وتشير بعض مراكز الدراسات إلى أن استمرار التوتر بين أديس أبابا وأسمرة قد يزيد من هشاشة البيئة الأمنية في شمال إثيوبيا، في حين تؤكد الحكومتان في مناسبات مختلفة أهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يجعل قراءة المشهد بحاجة إلى التمييز بين المؤشرات والتحليلات من جهة، والمواقف الرسمية من جهة أخرى.
البحر الأحمر.. البعد الذي يغير قواعد اللعبة
خلال السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن تيجراي منفصلاً عن ملف البحر الأحمر، خصوصًا بعد أن أصبحت قضية الوصول إلى منفذ بحري إحدى أولويات السياسة الإثيوبية.
فإثيوبيا، بوصفها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، تنظر إلى قضية الموانئ باعتبارها مسألة استراتيجية طويلة المدى، بينما تنظر دول المنطقة إلى أي تحركات في هذا الملف باعتبارها جزءًا من توازنات الأمن الإقليمي.
ومن هنا، فإن أي اضطراب داخلي في إثيوبيا قد ينعكس بصورة مباشرة على الحسابات المرتبطة بالبحر الأحمر، سواء بالنسبة لدول الجوار أو للقوى الدولية التي تمتلك مصالح اقتصادية وعسكرية في هذا الممر الحيوي.
المجتمع الدولي بين الوساطة والأجواء
رغم أن اتفاق بريتوريا جرى برعاية الاتحاد الأفريقي، فإن الحفاظ عليه لم يعد مسؤولية الاتحاد وحده، فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وعدد من الشركاء الإقليميين يواصلون دعم جهود تثبيت السلام، سواء عبر المساعدات الإنسانية أو المساعي الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، حذرت الدراسة الصادرة عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، من أن الاكتفاء بالحفاظ على وقف إطلاق النار دون معالجة القضايا السياسية والإنسانية العالقة قد يؤدي إلى عودة التوترات.
وتوصي الدراسة بتكثيف الجهود الدبلوماسية، ودعم تنفيذ بنود اتفاق بريتوريا بصورة متوازنة، مع تعزيز دور الاتحاد الأفريقي في متابعة الالتزامات الميدانية، وتشجيع الحوار بين جميع الأطراف.
إلا أن قدرة المجتمع الدولي على التأثير تبقى مرتبطة بإرادة الأطراف الإثيوبية نفسها، إذ إن أي اتفاق لا يحظى بإرداة سياسية داخلية سيكون معرضًا للتعثر مهما بلغت مستويات الدعم الخارجي.
هل تشير المؤشرات إلى حرب وشيكة؟
رغم تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، لا توجد حتى الآن مؤشرات قاطعة تؤكد أن العودة إلى حرب واسعة أصبحت أمرًا وشيكًا.
فالطرفان يدركان حجم الخسائر التي خلفتها الحرب السابقة، سواء على المستوى الإنساني أو الاقتصادي أو السياسي، كما أن البيئة الإقليمية الحالية تختلف جذريًا عن تلك التي سبقت اندلاع حرب عام 2020.
إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة الإثيوبية تواجه تحديات داخلية متعددة، تجعل فتح جبهة واسعة في الشمال قرارًا بالغ الكلفة، بينما تدرك سلطات تيجراي أن أي مواجهة جديدة قد تزيد من تعقيد أوضاع الإقليم الإنسانية والاقتصادية.
لكن في المقابل، فإن استمرار التصعيد الإعلامي، وتبادل الاتهامات، وتعثر تنفيذ الملفات الجوهرية لاتفاق بريتوريا، قد يزيد من احتمالات وقوع احتكاكات ميدانية أو مواجهات محدودة إذا لم تُحتوَ عبر القنوات السياسية.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية:-
السيناريو الأول: استمرار الوضع الراهن
يبقي اتفاق بريتوريا قائمًا، مع استمرار الخلافات السياسية دون تحولها إلى مواجهة عسكرية شاملة، وبعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، نظرًا لارتفاع كلفة الحرب بالنسبة لجميع الأطراف.
السيناريو الثاني: تصعيد محدود
قد تشهد بعض المناطق احتكاكات أو مواجهات محدودة نتيجة التوترات الميدانية أو سوء التقدير، لكن مع تدخل وساطات إقليمية ودولية لمنع توسعها.
السيناريو الثالث: انهيار تدريجي لمسار السلام
إذا استمرت القضايا الجوهرية دون معالجة، وارتفع مستوى التعبئة السياسية والعسكرية، فقد يتعرض اتفاق بريتوريا لضغوط متزايدة تؤدي إلى تآكل فعاليته تدريجيًا، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
السيناريو الرابع: تسوية سياسية أوسع
وهو السيناريو الأكثر إيجابية، لكنه يتطلب إرادة سياسية من جميع الأطراف، وتسريع تنفيذ البنود العالقة، وإعادة بناء الثقة، وضمان عودة النازحين، وتعزيز دور المؤسسات الوطنية والوساطة الأفريقية.







