توفيق صالح.. صاحب أهم فيلم سياسي مصري ومخرج “سينما المثقفين”

يُعد توفيق صالح واحدًا من أبرز المخرجين في تاريخ السينما المصرية والعربية، وأحد رواد السينما الواقعية، ومخرج ما عُرف بـ”سينما المثقفين” في الوطن العربي، وعلى الرغم من قلة عدد أفلامه، فإن أعماله تميزت بعمقها الفكري وجرأتها، وانحيازها الواضح إلى قضايا المجتمع وهموم الإنسان البسيط.
النشأة والبدايات
وُلد توفيق صالح في الإسكندرية، ودرس في كلية فيكتوريا، وكان من زملائه المخرج يوسف شاهين، التحق بعد ذلك بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية، وتخرج في قسم الأدب الإنجليزي عام 1949.
وخلال سنوات دراسته، أخرج مسرحية “رصاصة في القلب” للكاتب توفيق الحكيم، قبل أن يسافر إلى فرنسا عام 1950 لدراسة السينما، وهناك عمل مساعدًا للمخرج في عدد من الأفلام الفرنسية، قبل أن يعود إلى مصر عام 1953، حاملاً معه خبرة سينمائية وثقافية انعكست لاحقًا على أعماله.
أفلام قليلة.. وقيمة استثنائية
أخرج توفيق صالح سبعة أفلام روائية طويلة، إلى جانب سبعة أفلام قصيرة، ورغم محدودية إنتاجه، اختيرت أربعة من أفلامه ضمن قائمة أفضل مئة فيلم مصري، بما يعكس المكانة الكبيرة التي احتلتها تجربته في تاريخ السينما المصرية.
ومن أبرز أفلامه: درب المهابيل (1955): أول أفلامه، وشهد تعاونه الشهير مع الكاتب الكبير نجيب محفوظ، وصراع الأبطال (1962): دراما واقعية ترصد صراع القيم الطبية والإنسانية في الريف المصري، والسيد البلطي (1967): مأخوذ عن رواية للكاتب صالح مرسي، ويتناول الصراع والأساطير الشعبية في إطار إنساني وفكري، والمتمردون (1968): فيلم يحمل إسقاطات سياسية وفكرية عميقة، ويعكس بوضوح نزعة توفيق صالح إلى تقديم سينما تتجاوز الترفيه إلى مساءلة الواقع، ويوميات نائب في الأرياف (1969): مأخوذ عن رواية توفيق الحكيم، ويُعد من العلامات البارزة في مسيرة السينما الواقعية المصرية، والمخدوعون (1972): مأخوذ عن رواية “رجال في الشمس” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، ويُصنف باعتباره درة أعمال توفيق صالح، لما حمله من تعبير عميق ومؤثر عن القضية الفلسطينية، والأيام الطويلة (1980): آخر أفلامه، وصُور بين سوريا والعراق، ليكون ختامًا لمسيرة سينمائية قصيرة من حيث عدد الأعمال، لكنها غنية من حيث التأثير والقيمة الفنية والفكرية.
سينما منحازة للإنسان
عرف توفيق صالح بموقفه الرافض للسينما الاستهلاكية التجارية، وبإيمانه العميق بالسينما الملتزمة بقضايا التغيير الاجتماعي، لذلك جاءت أفلامه محملة بالأسئلة السياسية والفكرية، ومتصلة بقضايا الإنسان والعدالة والواقع العربي.
ودفع ثمن جرأة أفكاره طويلًا، حيث عانى من التعطيل الرقابي والإنتاجي، وهو ما أسهم في محدودية عدد أعماله، لكنه في المقابل جعل كل فيلم من أفلامه حدثًا فنيًا وفكريًا له خصوصيته ومكانته.
نال توفيق صالح العديد من التكريمات العربية والمحلية، وظل اسمه مرتبطًا بتجربة سينمائية استثنائية آمنت بأن الفيلم يمكن أن يكون أداة للوعي وطرح الأسئلة، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
وفي 18 أغسطس 2013، رحل توفيق صالح عن عالمنا عن عمر ناهز 86 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا سينمائيًا قليل العدد، عظيم الأثر، وواحدًا من أهم الفصول في تاريخ السينما السياسية والواقعية المصرية والعربية.






