مقالات

بين ضياء رشوان والبلشي وأديب وأميرة العادلي والمادة 12

في أقل من أسبوع تقاطعت أربع لحظات في ملف واحد رغم اختلاف مواقعها ولغتها وجمهورها تمامًا، وأولها لم يكن كلامًا بل خطوة فعلية حين توجه وفد من قيادات حزب العدل يوم 18 أغسطس إلى مقر نقابة الصحفيين ليجلس مع النقيب خالد البلشي ويتفق معه على حزمة تشريعية محددة، قبل أن يخرج د. ضياء رشوان بعدها بيومين بنداء “فضفضة ضرورية واقتراحات للمهنة والوطن”، وقبل أن تكتب النائبة أميرة العادلي بعدها بيوم واحد ردًا مهنيًا هادئًا لكنه دقيق على نفس البيان، في الوقت الذي طرح فيه عمرو أديب من جهته تساؤلًا موازيًا حول حدود الرأي الآخر ومدى استعداد الجميع لتحمّله.

وأذكر هذا الترتيب الزمني بدقة لأنه مهم في ذاته، فنحن في حزب العدل لم نتحرك ردًا على نداء الوزير ولا استجابة لسجال لاحق دار بين إعلاميين ونواب، بل كنا هناك في مقر النقابة قبل أن يبدأ أي من هذا النقاش العام، لأننا نرى في حرية تداول المعلومات قضية اقتصادية قبل أن تكون قضية صحفية بحتة، ونؤمن أن الجدل الذي شهدته الأيام التالية يظل قاصرًا ما لم يترجم لنص قانوني يتغير على الأرض.

فحين وجّه د. رشوان نداءه المفتوح كان صريحًا في أنه ابن هذه المهنة وأن دعوته تنبع من انتمائه لا من موقعه الحكومي، وهذا صادق فعلًا، لكن النداء ظل في مستوى الخطاب من مساحات أوسع وحوار موضوعي واجتماع سنوي موسع في 3 ديسمبر، وهذا المستوى من الكلام له قيمته لكنه ليس كافيًا وحده، لأن أي مسؤول إعلامي يمكنه أن يطلب مساحة أوسع دون أن يغيّر حرفًا واحدًا في نص قانوني يقيّد هذه المساحة فعليًا كل يوم.

وجاءت أميرة العادلي، وهي نائبة يشهد لها بالبنان بخلفيتها الصحفية، لتضع يدها على نفس الثغرة بأسئلة محددة لا مجاملة فيها: من وُجِّه إليه الخطاب أصلًا، ما دام الصحفي لا يملك سياسته التحريرية بمفرده؟ وما الضمانات التي تجعل الحديث عن الرأي والرأي الآخر انفتاحًا حقيقيًا لا شعارًا، ما دامت عبارات مثل المحددات الموضوعية وثوابت الوطن تظل فضفاضة قابلة لأكثر من تفسير؟ وهل ما ورد في البيان رؤية شخصية للوزير أم سياسة عامة للدولة، خاصة أنه نُشر على الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء؟ وميّزت بوضوح بين النقد والتشهير، مؤكدة أن الصحافة المهنية لا تعني أن تكون مؤدبة فقط، بل أن تكون دقيقة ومستقلة وقادرة على المساءلة. وهذا قريب جدًا مما طرحه عمرو أديب من زاوية أخرى حين تساءل عن حدود الرأي الآخر وهل هناك تعهد بالتحمل والمواجهة، وحين يتفق مدافع ومتسائلة على أن السؤال نفسه لم يُحسم بعد فهذا مؤشر أهم من أي نقد مباشر كان يمكن أن يُقال.

وكل هذا النقاش بجماله وصدقه يبقى في مستوى الكلمات ما لم يُختبر على أرض واقعية، وهنا بالتحديد تأتي المادة 12 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام لتكون هذا الاختبار، فنصها يمنح الصحفي حق التصوير في الأماكن العامة بعد الحصول على التصاريح اللازمة في الأحوال التي تتطلب ذلك، وهي عبارة تحولت في التطبيق، بشهادة نقيب الصحفيين نفسه خلال لقائنا به، إلى عبء يمنع الصحفي أحيانًا من توثيق واقعة فور وقوعها، دون أن تُحدد شروط هذا التصريح أو الجهة المخوّلة به.

ولا يمكن أن يتحقق حق المواطن في المعرفة الذي طالبت به أميرة العادلي إذا كان الصحفي نفسه يحتاج تصريحًا مسبقًا ليصوّر واقعة أمام عينيه، ولا يمكن أن نتحدث عن حدود الرأي الآخر بجدية كما تساءل أديب إذا كانت أدوات نقل هذا الرأي أصلًا مقيّدة بنص فضفاض لم يُعدّل منذ 2018، ومن هنا فهمنا في حزب العدل، وقبل أن يبدأ هذا النقاش العام أصلًا، أن الخطوة الأولى الحقيقية ليست تصريحًا يُضاف لسلسلة تصريحات بل تحركًا تشريعيًا فعليًا يبدأ من مقر النقابة نفسها.

ولهذا اتفقنا مع نقيب الصحفيين على حزمة تحرك ملموسة تشمل دعم قانون حرية تداول المعلومات، وهو نفس القانون الذي وصفت أميرة العادلي غيابه بأنه أزمة ممتدة منذ سنوات لا يمكن أن تقوم صحافة حقيقية دونها، والدفع لإلغاء العقوبات السالبة للحرية في أكثر من ثمانية قوانين، وفي مقدمة كل ذلك تعديل المادة 12 بصورة منفردة تحديدًا لأنها الأكثر التصاقًا بحياة الصحفي اليومية والأسهل تقنيًا لتسريع إقرارها.

ونحن لا ندّعي أننا نملك إجابة كاملة عن كل ما طرحته العادلي أو أديب أو نقيب الصحفيين خلال لقائنا به، لكننا نرى أن أصدق رد على هذه الأسئلة مجتمعة ليس مزيدًا من الكلام بل نص قانوني واحد يُعدَّل، ومؤتمر ديسمبر سيكون محكًا حقيقيًا لكل هذا النقاش، وهو تحديدًا نفس السؤال الذي طرحته العادلي حين تساءلت هل ستُنشر توصياته وهل ستكون له مؤشرات قياس واضحة، أم يتحول إلى مناسبة سنوية أخرى بينما تظل مشكلاته الأساسية قائمة.

ونحن في حزب العدل نفضّل أن نصل لهذا الموعد وقد بدأنا الطريق فعليًا منذ أسبوعين، لا أن نصل إليه لنطرح فيه الأسئلة نفسها وكأن الوقت توقف عند حدود السؤال ولم يصل بعد إلى حدود الإجابة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى