أنظمة التعليم في مصر بين إيجابيات التعدد وسلبيات التشتت
يُعد التعليم ركيزة أساسية في بناء الأمم، وقد نص الدستور على أنه حق لكل مواطن، واقع التعليم في مصر اليوم يشهد الأن تنوعاً كبيرًا في الأنظمة والمدارس، مما يثير تساؤلات حول مدى جدوى هذا التعدد وما يترتب عليه من مزايا وعيوب، تؤثر على مستقبل العملية التعليمية في مصر.
لا يمكن إنكار أن تعدد أنظمة التعليم في مصر يحمل بعض الجوانب الإيجابية، فهو يتيح لأولياء الأمور والطلاب خيارات متعددة تناسب قدراتهم المالية واحتياجاتهم التعليمية، فهناك المدارس الحكومية العربية واللغات، والمدارس القومية والدولية، ومدارس النيل والمصرية اليابانية، ومدارس المتفوقين STEM، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، فضلاً عن المعاهد الأزهرية والمدارس الخاصة.
هذا التنوع يمنح فرصة للتميز للطلاب الموهوبين، ويفتح آفاقاً للتعليم الفني والمهني الذي يحتاجه سوق العمل، كما يسمح بنماذج تعليمية مستوردة قد تحمل خبرات جديدة كالتعليم الياباني القائم على الانضباط والأنشطة.
وقد وصل التعدد إلى الشهادات العامة وأهمها الشهادة الثانوية العامة والشهادة الثانوية الفنية، والتي تم استحداثهم بنظام البكالوريا سواء في الثانوية العامة أو الدبلومات الفنية ليصبح الطالب وولي الأمر في حيرة الاختيار بين نظام قديم يتم قطع الأكسجين عنه ليموت إكلينيكياً ثم يعلن عن موته الرسمي، وبين نظام البكالوريا الذي يتم الترويج له ودعمه بكل الوسائل ليصبح النظام الرسمي في المستقبل.
هذا وقد امتد ذراع التعدد أيضًا ليشمل تطبيق جديد للعام القادم وهو مناهج العلوم والرياضيات اليابانية بعد تجربة مناهج العلوم، والرياضيات القديمة، التي كانت تستخدم من قبل، ودرس وتخرج منها عباقرة ، حصلوا على جوائز نوبل ومنهم من تقلد مناصب عالية في مؤسسات دولية.
وإذا تأملنا المشهد عن كثب، نجد أن سلبيات التعدد حاضرة أيضًا، فإدارة هذا العدد الهائل من الأنظمة – والذي يصل إلى اثنى عشر نوعاً من المدارس الحكومية وحدها، بالإضافة إلى المدارس الخاصة والأزهرية – يمثل عبئًا إداريًا هائلاً على وزارة التربية والتعليم. فهناك أكثر من 58 ألف مدرسة وحوالي 540 ألف فصل دراسي يستوعبون أكثر من 25 مليون طالب، غالبيتهم في المدارس الحكومية التي تئن تحت وطأة الكثافة وضعف الإمكانيات، بينما تنصرف جهود الوزارة لمتابعة أنظمة متعددة بدلاً من تركيز الموارد على تحسين النظام الأساسي.
كما أن تعدد الجهات المسؤولة يزيد الأمور تعقيدًا، فهناك وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، ووزارة التعليم العالي، والأزهر الشريف الذي يدير معاهده بشكل مستقل، فضلاً عن المدارس الخاصة التي تعمل تحت إشراف الوزارة ولكن برسوم متفاوتة.
هذا التعدد يؤدي إلى تضارب في السياسات، وضعف في التنسيق، وصعوبة في وضع معايير موحدة للجودة تضمن تكافؤ الفرص بين جميع الطلاب. فالطالب في مدرسة دولية يدرس مناهج مختلفة تماماً عن زميله في مدرسة حكومية عربية، مما يخلق فجوة تعليمية واجتماعية كبيرة.
ومن العيوب البارزة أيضًا عدم العدالة في توزيع الموارد، فالاهتمام بنماذج معينة، كمدارس المتفوقين أو المدارس اليابانية قد يأتي على حساب تطوير المدارس الحكومية العادية التي تضم الغالبية العظمى من الطلاب، حيث تصل نسب الالتحاق بها إلى 91% في المرحلة الابتدائية و93% في الإعدادية. كما أن تعدد المناهج وأنظمة التقويم والامتحانات يربك أولياء الأمور والطلاب على حد سواء، ويزيد من أعباء المتابعة والتقييم على الوزارة، مما قد يؤدي إلى تراجع جودة الرقابة والمتابعة الفعلية.
بناءً على ما سبق، نوصي بالتركيز على عدد أقل من الأنظمة التعليمية، بحيث لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة نماذج رئيسية، مع وضع آلية حوكمة مركزية قوية تضمن جودة التعليم في كل نموذج، ويجب أن يكون التركيز على تطوير النظام الحكومي الأساسي باعتباره العمود الفقري للتعليم في مصر، مع دعم نماذج محددة للمتفوقين والفنيين بشكل مدروس، مع توحيد المعايير الأساسية للمناهج والتقييم لضمان العدالة بين الطلاب.
كما ينبغي تعزيز التنسيق بين وزارة التربية والتعليم والأزهر الشريف والقطاع الخاص، مع تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليل التعقيدات التي تثقل كاهل العملية التعليمية. فالتعليم الجيد لا يكمن في كثرة الأنظمة، بل في عمق الجودة ووضوح الرؤية وفعالية الإدارة.
أعز الله مصر والمصريين قيادةً وشعباً.



