أيمن سلامة يكشف لـ”ليبرالي” أزمات الدراما: احتكار الإنتاج وغياب النجم المثقف وحقوق المبدعين
رئيس "مؤلفي الدراما" يفتح النار على تحكُّم النجوم والمعلنين ويكشف وأسباب تراجع الإنتاج السينمائي
بين الريادة التي صنعتها أجيال من كبار المبدعين، والتحديات التي تواجه صناعة السينما والدراما حاليا، فتح الكاتب والسيناريست أيمن سلامة، رئيس جمعية مؤلفي الدراما، عددا من الملفات المهمة في حوار خاص لـ”ليبرالي”.
وتحدث “سلامة” عن أزمة تفعيل “حق الأداء العلني” وأهميته في حماية حقوق المبدعين، إلى جانب تأثير النجوم والمعلنين على صناعة الأعمال الفنية وجودة النصوص.
كما تناول أسباب تراجع الإنتاج المصري وأزمة دور العرض والممارسات الاحتكارية، متطرقا إلى المنافسة مع الدراما الأجنبية والمنصات الرقمية، وموجها نصائح مهمة إلى جيل الشباب من كتاب السيناريو.
حق الأداء العلني
وفي حديثه عن أزمة تفعيل “حق الأداء العلني”، أكد السيناريست أيمن سلامة أن هذا الملف ليس مفهوماً حديثاً، بل هو نظام مُطبق عالمياً في نحو 159 دولة، بينها دول عربية مثل المغرب والجزائر والإمارات، وأوضح أن مصر كانت من أوائل الدول التي طبقت هذا الحق في مجال الموسيقى والغناء منذ عام 1945، حين أسس الموسيقار محمد عبد الوهاب “جمعية المؤلفين والملحنين”، إلا أن التأخر الكبير كان من نصيب مجال الدراما، فرغم صدور القانون رقم 82 لسنة 2002، فإنه ظل حبيس الأدراج ولم يُفعل حتى الآن.
وأشار رئيس جمعية مؤلفي الدراما، إلى أن الجمعية التي تأسست عام 2005 على يد قمم الفن المصري محفوظ عبد الرحمن، وحيد حامد، أسامة أنور عكاشة، ومحمد صفاء عامر، خاضت محاولات مضنية لتفعيل القانون دون جدوى، حتى بدأ الملف يشهد تحركاً إيجابياً عام 2014 أثناء كتابة الدستور، ثم تُوّج هذا المسار عام 2023 بقرار السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بإنشاء “الجهاز المصري للملكية الفكرية”،
وأضاف “سلامة” أنه فور توليه رئاسة الجمعية في يناير 2025 خلفاً للكاتب الكبير بشير الديك، عقد اجتماعاً مع الأستاذ ماضي توفيق الدقن، رئيس جمعية أبناء فناني مصر المعنية بالحقوق المجاورة، واتفقا على التواصل مع الدول المطبِقة للقانون بالتنسيق مع الدكتور هشام عزمي، رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية.
وأوضح أنه أثمر هذا التعاون عن التواصل مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو”، بمساعدة استثنائية من شيرين جريس، التي أسهمت في ربط الجمعية بالكيانات النظيرة حول العالم وتوقيع اتفاقيات ثنائية، وكشف أن أولى ثمار هذه الجهود تحققت العام الماضي بالحصول على أول “حق أداء علني” للدراما المصرية من أمريكا اللاتينية، وتوزيع عائداته على نحو 22 كاتباً ومؤلفاً بمقر المجلس الأعلى للثقافة.

وتابع:” كما زاد الزخم مؤخراً بعدما طرح الفنان ياسر جلال الملف داخل مجلس الشيوخ بحضور حشد من الفنانين، ليصدر المجلس توصية مباشرة لمجلس الوزراء بتفعيل قانون 2002″، مؤكداً أن تطبيق هذا الحق بشكل كامل كفيل بإدخال ملايين الدولارات والعملة الصعبة للخزانة المصرية، إلى جانب تأمين حياة كريمة لكبار الفنانين والكُتّاب الذين أثروا وجدان الوطن.
غياب النجم المثقف
وعن أزمة تدخل النجوم في السيناريو وغياب “النجم المثقف”، أوضح السيناريست أيمن سلامة أن المشكلة الحقيقية التي تواجه المنتج المصري والعمل الفني تكمن في ربط الإنتاج التلفزيوني بالإعلانات، حيث أدى هذا الارتباط إلى تحكم المعلن في المنظومة، ولأن المعلن يأتي من أجل النجم، أصبح الفنان هو المتحكم الأول والملتزم الفعلي بكل تفاصيل العمل، بدءاً من اختيار المخرج وصولاً إلى المؤلف والممثلين المشاركين.
وأكد “سلامة” أن هذه الظاهرة أثرت بالسلب على جودة الأعمال الفنية، بعدما انقلبت الآية وأصبحت “العربة تسبق الحصان” ففي الماضي كانت الشركة المنتجة تبدأ باختيار النص أولاً، ثم تُسند العمل للمخرج الذي يتولى بدوره اختيار الممثلين الأنسب للأدوار، وتزداد الأزمة خطورة في ظل غياب الوعي والثقافة لدى أغلب نجوم الجيل الحالي، بالمقارنة بقامات فنية رحلت وكانت تتمتع بثقافة رفيعة مثل نور الشريف ومحمود ياسين.

وأوضح أن :”غياب النجم المثقف أدى بالضرورة إلى تراجع تقديم الأعمال ذات القيمة الفنية العالية، باستثناء محاولات قليلة وأشار إلى أن هذا التراجع ينعكس بوضوح على الإنتاج السينمائي فمن بين 30 فيلماً تُنتجها مصر حالياً لا نجد سوى 3 أو 4 أعمال جيدة فقط، بينما كانت مصر تنتج في الماضي نحو 70 عملاً، بينها ما لا يقل عن 30 عملاً شديد الجودة، والسبب في ذلك يعود إلى وجود كُتّاب كبار أصحاب مبادئ، ومخرجين أصحاب فكر، ونجوم يمتلكون الثقافة والرؤية الحقيقية”.
عودة هاني شاكر للتمثيل
وبشأن تفاصيل المسلسل الذي كتبه للفنان هاني شاكر وحقيقة تردُّد المنتجين في إنتاجه ومصير المشروع، كشف السيناريست أيمن سلامة عن كواليس حزينة، موضحاً أن المشروع جاء بناءً على رغبة الفنان الراحل في العودة للتمثيل وترك عمل تلفزيوني للمكتبة العربية، خاصة أنه لا يخوض تجربة الدراما التلفزيونية من قبل واقتصرت تجاربه التمثيلية على السينما في مرحلة شبابه.
وأشار “سلامة” إلى أنه طرق أبواب العديد من المنتجين الكبار لعرض العمل، إلا أنه قوبل بالرفض والتردد الدائم، بل وبنوع من الاستخفاف بفكرة قيام الفنان هاني شاكر بالبطولة التلفزيونية، وهو ما حرص سلامة على إخفائه عن الفنان الراحل مراعاة لمشاعره، رغم حماسه الشديد للعمل، وأعرب عن حزنه وأسفه الشديدين لما حدث عقب وفاة الفنان الراحل، عندما رأى بعض المنتجين الكبار سارعوا بنعيه، رغم أنهم أنفسهم من رفضوا إنتاج المسلسل الذي طالما تمنى تقديمه في أيامه الأخيرة، مؤكداً أننا للأسف لا نعرف قيمة قاماتنا الفنية الكبيرة إلا بعد رحيلها وفقدانها.

ورداً على سؤال حول غيرة الكُتاب من انتشار الدراما التركية ومدى قدرة الدراما المصرية على المنافسة اليوم، أشار السيناريست أيمن سلامة إلى أن الدراما المصرية كانت وما زالت هي صاحبة الريادة في المنطقة العربية، وهي السبب الرئيسي في انتشار اللهجة المصرية وسهولتها على ألسنة كافة الشعوب العربية بفضل دخولها كل بيت عربى، وأوضح سلامة أنه يجب الاعتزاز بهذه الريادة واليقين التام بأن المحطات الفضائية العربية لا تستطيع الاستغناء عن الفن المصري لأنه الصانع الأول لنسب المشاهدة المرتفعة لديهم، وفي الوقت نفسه لا يمكن للجانب المصري الاستغناء عن الشراكة مع رؤوس الأموال العربية، فهذا التعاون قائم ومستمر منذ بدايات نشأة الدراما وهو أمر إيجابي للطرفين.
قصة مسلسل “مع سبق الإصرار”
وعن تجربة مسلسل “مع سبق الإصرار”، كشف “سلامة” أن ظهور الدراما التركية بقوة منذ نحو 15 عاماً وانتشارها العربي كان بمثابة جرس تنبيه لضرورة مراجعة السلبيات، حيث كانت الدراما المصرية حينها قد سقطت في فخ النمطية وتكرار الموضوعات والتصوير داخل الاستوديوهات المغلقة وهو ما دفعه للتغيير والجرأة في طرح موضوعات وقوالب جديدة، ليس فقط في “مع سبق الإصرار”، بل سبقها أيضاً في مسلسلي “ليالي” و”قضية صفية” اللذين اعتمدا على التصوير الخارجي والمشاهد الطبيعية بعيداً عن الجدران الأربعة، مما أحدث تفاعلاً كبيراً مع الجمهور واستعاد زمام المبادرة أمام الدراما الوافدة.
وعن أسباب رفضه القاطع لتقديم أجزاء ثانية من أعماله الناجحة والشروط التي قد تغيّر رأيه، أكد السيناريست أيمن سلامة رفضه الكامل لمفهوم “استثمار النجاح”، متسائلاً عن الجدوى من تقديم جزء ثانٍ بعدما استوفى المؤلف كل ما لديه في الجزء الأول، إلا إذا كان العمل مُخططاً له ومكتوباً من البداية ليكون على عدة أجزاء، كما فعل الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة في ملحمة “ليالي الحلمية”.
وأشار إلى أنه قوبل بعرض لتقديم جزء ثانٍ من مسلسل “مع سبق الإصرار” ولكنه رفض بصرامة ومستحيل أن يغير موقفه، لأن كتابة عمل محدد بـ 15 أو 30 حلقة ثم محاولة مطّه في جزء جديد تخرج نتيجة غير طبيعية، موضحاً أن الجزء الثاني في أغلب الأعمال الفنية التي تُصنع بهذه الطريقة يخرج مشوهاً وفاقداً لبرائته الأولى، نظراً لصعوبة إعادة جمع نفس النجوم بنفس الروح والشغف الذي قُدم به الجزء الأول.
حقوق وواجبات المبدعين

وعن القرار الأول الذي سيتخذه حال إسناد مسؤولية ملف حقوق المبدعين إليه، شدد السيناريست أيمن سلامة، على أن الحق الأساسي للمبدع هو منح الناس حقوقها وتفكيك الأزمات التي تعاني منها الصناعة برمتها، وتساءل باستنكار عن الأسباب التي أدت إلى تراجع حجم الإنتاج المصري سينمائياً ودرامياً ليصبح في حدود 30 عملاً فقط سنوياً، بينما تتجاوزنا دول حديثة العهد بالصناعة بشكل صادم، إذ تنتج دولة إفريقية مثل كينيا نحو 800 فيلم سنوياً، وتنتج نيجيريا نحو 2500 فيلم في العام، وتشارك بها في مهرجانات عالمية وتفتح بها أسواقاً في أمريكا وفرنسا.
وتساءل “سلامة” بمرارة “هل يعقل أن يكون هذا وضع مصر صاحبة الريادة في القارة؟”، مذكرًا بأنه قبل عام 1952 كانت السينما هي المصدر الثاني للدخل القومي في مصر بعد القطن مباشرة، مما يؤكد وجود خلل جسيم يتطلب الوقوف عنده والمصارحة الشاملة لعلاجه، مشيرًا إلى أن حل الأزمة يبدأ بفتح المجال أمام كافة شركات الإنتاج للعمل، والقضاء على الممارسات الاحتكارية في السينما والتلفزيون، وإلغاء حالة الفصل التام التي تجعل المنتج هو نفسه صاحب دار العرض.
وتساءل عن منطقية أن تملك دولة بحجم مصر وسكانها الذين يتجاوزون 100 مليون نسمة نحو 400 شاشة عرض فقط ومعظمها محصور داخل المجمعات التجارية “المولات”، مؤكداً الحاجة الماسة لوقفة حقيقية مع النفس لاستعادة مكانة الفن المصري كما كان في عصره الذهبي.

وفي ختام حديثه، وجّه السيناريست أيمن سلامة نصيحة كاشفة لكُتّاب السيناريو الشباب في ظل هيمنة المنصات وتغيّر متطلبات الإنتاج، مؤكداً على شقين أساسيين لا غنى لأي كاتب عنهما، الأول يتجسد في ضرورة القراءة والتسلح بثقافة واسعة وتكوين موقف ورأي واضح من الحياة تُقاس من خلاله الأمور، مشدداً على أن صانع الدراما يعيد تشكيل وعي الجمهور و”يلعب في أدمغة البشر”، ومن غير المقبول أن يمارس هذا التأثير من لا يملك الثقافة الكافية والوعي الكامل بما يقدمه.






