مقالات

الفوضى الصحية في مصر.. كيف نصنع الأزمة؟ “١”

حين يصبح المبنى شاهدًا على غياب الطبيب

في قرية نائية من قرى الصعيد، تقف وحدة صحية حديثة، واجهتها جديدة وأجهزتها حديثة، أنشئت ضمن مبادرة حياة كريمة.

كل شيء في المكان يقول إن الحكومة وصلت إلى هذه القرية وأنها أنفقت وبنت وطورت.

لكن المفارقة أن باب الوحدة قد يكون مغلقا في أغلب ساعات اليوم، أو مفتوحا من دون طبيب مقيم يستقبل المرضى.

هذا المشهد لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تقصير إداري عابر، لأنه يكشف عن مشكلة أكبر وهو أن الحكومة  وبالتحديد حكومات دكتور مصطفي مدبولي المتعاقبة توسعت بشكل كبير في إنشاء وتطوير المنشآت الصحية، لكنها في الوقت نفسه لم تضع بنفس القوة والسرعة إجابة واضحة عن السؤال الأهم

من سيعمل داخل هذه المنشآت؟

ومن المهم هنا أن نكون منصفين.

ما تم إنجازه في قطاع الصحة ضمن حياة كريمة ليس قليلا، فمنذ انطلاق المبادرة عام 2019، استهدفت الدولة إنشاء وتطوير 1101 وحدة صحية و24 مستشفى مركزيا، واكتملت الأعمال الإنشائية لنحو 909 وحدات حتى نهاية العام المالي 2025/2026، كان نحو 60% منها في محافظات الصعيد.

وهذه المشروعات جاءت ضمن خطة ضخمة نفذت نحو 23 ألف مشروع في 1477 قرية داخل 20 محافظة، واستفاد منها ما يقارب 18 مليون مواطن.

كما تعلن وزارة الصحة أن نسبة تشغيل هذه المنشآت وصلت إلى 97%، وأنها قدمت 133 مليون خدمة طبية خلال عام واحد.

كل هذه الأرقام مهمة، ولا يصح تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يواجه المواطن عندما يذهب إلى الوحدة الصحية في قريته.

هل سيجد طبيبا؟ وهل سيجد الخدمة التي جاء من أجلها؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ففي مقابل نسبة التشغيل المعلنة، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة وأسئلة حول أسباب عدم تشغيل بعض وحدات حياة كريمة بكامل طاقتها، وحول العجز الفعلي في أعداد الأطباء وأعضاء هيئة التمريض، خاصة في محافظات الصعيد.

كما تكشف المتابعات الميدانية عن وحدات تقدم خدمات محدودة، أو تعمل في أوقات معينة فقط، أو لا يتوافر بها طبيب مقيم بصورة دائمة، بينما قد يخدم طبيب واحد أعدادا كبيرة من المواطنين.

وهذا التباين بين الرقم الرسمي وما يراه المواطن على الأرض لا يعني بالضرورة أن هناك من يكذب. وربما تكون المشكلة في المقام الأول في تعريف كلمة تشغيل.

فهل تعتبر الوحدة مشغلة بمجرد فتح أبوابها وتقديم بعض الخدمات، مثل التطعيمات وتنظيم الأسرة؟ أم أن التشغيل الحقيقي يعني وجود طبيب مقيم وتمريض كاف وخدمات طبية منتظمة على مدار ساعات العمل؟.

الفرق بين التعريفين كبير جدا.

لأننا إذا قسنا النجاح بعدد المباني التي تم افتتاحها أو بعدد المنشآت التي تقدم خدمة جزئية، فقد نصل إلى نسبة تشغيل مرتفعة.

لكن المواطن في القرية لا يتعامل مع النسبة المئوية، وإنما يتعامل مع الطبيب الذي يجده أمامه أو لا يجده.

والأخطر أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الأطباء، وإنما بطريقة توزيعهم وقواعد عملهم.

ففي الوقت الذي كانت الدولة تتوسع فيه في بناء وتجهيز الوحدات الصحية، تغيرت أيضا قواعد وجود الطبيب داخل الوحدة.

ووفقا لما تطرحه جهات نظر  نقابية، فإن الطبيب الذي كان يقضي تاريخيا فترة أطول في الوحدة الصحية قبل الانتقال إلى حركة النيابات بالمستشفيات، أصبح وجوده الفعلي في الوحدة في بعض الحالات لا يتجاوز ثلاثة أشهر من السنة، بينما يوزع باقي الوقت على أقسام المستشفيات بالتناوب.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح !!؟  نحن نبني وحدة صحية جديدة في القرية، ونجهزها بأحدث الإمكانات، ثم نقصر في توفير العنصر الذي يجعلها وحدة صحية بالمعنى الحقيقي.

ألا وهو الطبيب الموجود بها.

ولا أعتقد أن هناك من اتخذ قرارًا بهدف إفراغ حياة كريمة من مضمونها، لكن المشكلة أحيانا لا تحتاج إلى قرار واحد خاطئ حتى تحدث. يكفي أن تتخذ كل جهة قرارها وفقا لمنطقها الخاص، من دون أن تنظر إلى الصورة كاملة.

وزارة التخطيط تنظر إلى إنشاء المنشأة، وزارة الصحة تنظر إلى احتياجات التشغيل، الجامعات تخرج أعدادا من الأطباء في تخصصات مختلفة، والجهات المسؤولة عن التكليف تعيد توزيع الاحتياجات،. وفي النهاية، قد نكتشف أن كل قرار على حدة يبدو منطقيا، لكن مجموع القرارات ينتج نتيجة غير منطقية.

وهنا نصل إلى أزمة أخرى أكثر تعقيدا.

القضية ليست أن مصر لا يوجد بها أطباء على الإطلاق، الأزمة في جزء كبير منها أزمة توزيع وتخصص واحتياج.

معدل الأطباء البشريين في مصر يبلغ نحو 8.6 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، وهو أقل كثيرا من المعدلات العالمية التي تصل إلى نحو 23 طبيبا لكل عشرة آلاف. والوحدة الصحية في القرية تحتاج في الأساس إلى الطبيب الذي يستطيع التعامل مع الحالات العامة والمتابعة الأولية، قبل أن يحتاج المواطن إلى التخصصات الدقيقة.

وفي المقابل، ظهرت مشكلة الفائض في بعض التخصصات، وفي مقدمتها طب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، نتيجة التوسع الكبير في أعداد الكليات والخريجين خلال السنوات الماضية.

وفي طب الأسنان تحديدًا، أصبحت أعداد الخريجين أكبر من الاحتياج الفعلي، وهو ما دفع وزارة الصحة إلى الاتجاه نحو ربط التكليف بالاحتياج بدلا من الاعتماد على الأعداد فقط، ونتيجة لذلك لم تستوعب قرارات التكليف سوى نسبة محدودة من خريجي بعض الدفعات، وهو ما أدى إلى صدامات متكررة مع النقابات المهنية.

وهكذا أصبح لدينا مشهد شديد الغرابة !!

فائض في تخصصات لا تحتاجها الوحدة الصحية القروية بالدرجة نفسها، ونقص في تخصص أساسي تحتاجه هذه الوحدة كل يوم.

وكأن هناك خط إنتاج في الجامعات يعمل في اتجاه، وخط احتياجات في القرى يعمل في اتجاه آخر، ولا توجد بينهما غرفة تحكم واحدة تضبط المسافة بين الاثنين.

وهذا هو جوهر الأزمة في رأيي.

المشكلة ليست في حياة كريمة وحدها، وليست في وزارة الصحة وحدها، وليست في الأطباء وحدهم. المشكلة في غياب التخطيط المتكامل بين ثلاثة ملفات أساسية.

بين تخطيط البنية الصحية، وسياسة القبول والتخرج في كليات القطاع الطبي، وقواعد التكليف والتوزيع ومدد العمل داخل الوحدات والمستشفيات.

لا يمكن أن نبني وحدة صحية اليوم ثم نسأل غدا من سيعمل فيها.

ولا يمكن أن نخرج أعدادا كبيرة من خريجي تخصص معين ثم نكتشف بعد التخرج أن الدولة لا تحتاجهم.

ولا يمكن في الوقت نفسه أن نعاني من نقص في الطبيب الذي تحتاجه الوحدة الصحية بالفعل.

حياة كريمة بنت الكثير، وهذا إنجاز لا ينبغي إنكاره. لكن الحفاظ على هذا الإنجاز وتحويله من مبان وأجهزة إلى خدمة صحية حقيقية هو التحدي الأصعب.

لأن المواطن في النهاية لا يريد أن يعرف كم وحدة صحية تم بناؤها، ولا كم مليون جنيه أنفقت، ولا كم بلغت نسبة التشغيل في البيانات الرسمية.

هو يريد شيئا بسيطا جداً .

عندما يمرض ابنه، يجد طبيبا.

وعندما يذهب إلى الوحدة الصحية، يجدها مفتوحة.

وعندما نقول إن الوحدة تعمل يجب أن تكون بالفعل تعمل.

والسؤال الذي يجب أن نجيب عنه الآن، قبل أن نبني المزيد.

ليس كم وحدة صحية جديدة نستطيع أن ننشئ، ؟وإنما من سيعمل داخلها؟.

وللحديث بقية..

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى