مقالات

“رصاصة الرحمة”

سعيد صديق

وكيل أول وزارة التعليم للإدارة الاستراتيجية سابقاً

لفظ يحمل معاني متعددة ،حرفي، ومجازي

المعني الحرفي، هي طلقة نارية تُطلق لإنهاء حياة شخص أو حيوان مصاب بإصابة بالغة جدًا، والهدف منها هو تخليصه من آلامه عندما تكون فرصة الشفاء معدومة، أو للتخلص منه لو كان حيوان في حالة الاحتفاظ به سيمثل عبئًا على من يرعاه.

أما المعني المجازي، وهو الأكثر شيوعًا في السياسة والاقتصاد والإدارة، تُستخدم للتعبير عن قرار حاسم يتم اتخاذه لإنهاء وضعية متدهورة أو كارثية.

الحياة الوظيفية رحلة طويلة قد تمتد إلى 35 عامًا أو أكثر، يلتزم الموظف فيها بكل الضرائب المستحقة عليه، والتأمينات الاجتماعية لوقت المعاش، والتأمين الصحي، ورسوم النقابة، وغيرها ممن كان مقرر خصمه، وتستطيع المؤسسة أن تستقطعه قبل أن يصل الصافي إلى جيبه، والذي يتم استهلاكه في أمور تأسيس الشقة والمعيشة والزواج والإنجاب والتعليم إلخ.

في نهاية الرحلة يأتي المشهد الأهم والأخير، الستين من عمره، وهو سن التقاعد بعد 35 سنة من الخدمة، كان فيها مثالا نموذجيا للالتزام في دفع الضرائب والتأمينات وجميع مسحقات الدولة.

ويفاجأ بقيمة المعاش الذي لا  يتجاوز 4000 جنيه! نعم، أربعة آلاف جنيه، في زمن تضاعفت فيه الأسعار 10 أضعاف ومطلوب منه يدفع شهريًا

فاتورة الكهرباء.

فاتورة الغاز.

فاتورة المياه.

فاتورة التليفون.

المواصلات أو بنزين العربية .

إيجار الشقة.

والأهم هو العلاج الشهري الدائم، فالأمراض التي تراكمت على الأجساد خلال سنوات العمل لم تنتظر المعاش، ضغط الدم، السكر، آلام المفاصل، التهاب الأعصاب، كلها تنتظر دواءً لا يستطيع المعاش تحمله، والحصول عليه من التأمين الصحي درب من الخيال، يتحقق بكثير من المهانة للكرامة الإنسانية.

أضف إلى كل هذه الأعباء، إما أولاد في التعليم لم يتخرجوا فتكون مصيبة، وإن كانوا تخرجوا ولم يعملوا فالمصيبة أكبر، لأنك لابد من إعالتهم ومساعدتهم في البحث عن عمل، الذي لن يكون في النهاية كافيا لتغطية تكاليف تأسيس شقة زوجية.

وفي ظل معاش هزيل لا يكفي لتغطية حتى مصاريفك الشخصية للقيام بما سبق، فتضطر البحث عن عمل بعد سن الستين، كيف وفرص العمل انعدمت للشباب حديثي التخرج، فما بالك بمن تخطي الستين، لا أحد يوظف من تجاوز الستين، حتى لو كان لديه خبرة 35 سنة، إلا من رحم ربي، وكان دائم العمل على نفسه، ولم يتوقف عن التعلم والتدريب، فاستطاع أن يفتح لنفسه فرص عمل بعد الستين، وهي نسبة صئيلة جدًا لا تتجاوز 2%، أو يكون من أصحاب الكرامات العالية إللي بينفتح لهم كل الأبواب المغلقة من بداية عملهم إلى نهاية أعمارهم، ودول برضه نسبة بسيطة لا تتجاوز 5 % من إللي نسبة كل إللي خرجوا معاش.

نرجع بقى للغالبية العظمى وهي إللي تهمنا، وهم من تجاوزا الستين، وهم في خضم البحر، ويحاولون مصارعة الأمواج العالية، فقط لبيبقوا أحياء، يخرج مسئول يطل عليهم من كابينة مكيفة في يخت جميل مرتديًا زيي أنيق وينادي لا تقلقوا:

“إحنا حاسين بيكم”

أيها السادة، من يدعي أنه يشعر بمعاناتنا، يجب أن يكون قد تذوّق نارها، لكن سيرتكم الذاتية تقول إنكم لم تعانوا اقتصاديًا في حياتكم من قبل، فكيف تدّعون أنكم تشعرون بنا؟، هل تشعرون بلسعة النار وأنتم لم تلمسوها؟ أنتم ترون الشوارع مليئة بالسيارات الفارهة، والساحل الشمالي مكتظ، وهناك من يشتري الرفاهيات، الغالية، فتحكمون أن الكل بخير اقتصاديا، لكننا لسنا هؤلاء، نحن من قضينا العمر في خدمة أوطاننا، ودفعنا كل أنواع الضرائب والرسوم والتأمينات، وكنا تحت المجهر والمراقبة منكم  في كل جنيه نتقاضاه ونصرفه، والآن نعاني في صمت، وتأتون لنا بكلمات مرسلة كأنكم تداوون الجروح، وأنتم في الحقيقة تزيدون الجرح وتعظمون الشعور بالألم  .

ولكي لا يندرج الموضوع تحت قائمة النقد الهدام، نقترح حلولاً عملية، ربما يلتفت إليها من يهمهم الأمر:

1- طالما مش قادرين ترفعوا المعاش إلى الحد الأدنى للدخل المقرر، فما يمنع من منح إعفاءات للمتقاعدين فوق الستين مثلا يعني، تخفيض فواتير الكهرباء والغاز والمياه بنسبة 50%، وتوفير خدمات مخفضة أو مجانية.

2-  تحسين خدمة التأمين الصحي للمتقاعدين، مثل فتح عيادات متخصصة للمسنين دون انتظار، وذات معاملة تليق بحالاتهم الصحية والنفسية.

3- صندوق دعم إضافي للمتقاعدين،  يمول من زيادة الضرائب على السلع الكمالية والسيارات الفارهة، أو من مخصصات الدعم الموجه لغير المستحقين من القادرين .

4- توفير برامج عمل جزئي للمتقاعدين، واستغلال خبراتهم في التدريب والإرشاد في الجهات الحكومية والخاصة، بأجر إضافي يكمل المعاش، مع الأخذ في الاعتبار حالتهم الصحية.

5- تخصيص جزء من الوحدات السكنية الاجتماعية للمتقاعدين بأسعار رمزية أو إيجار مدعوم ولا تورث، بدلاً من تركهم فريسة لإيجارات السوق المغالى فيها.

6-  الأهم من كل ما تم ذكره هو الحل الجذري عن طريق مراجعة كاملة لنظام التأمينات الاجتماعية، بحيث لا تكون مجرد استقطاعات جبرية، بل استثمار حقيقي يعود على صاحبه بفوائد تضمن له حياة كريمة بعد التقاعد،  والدولة عملت كدا فعلاً ونفذته في قطاعات عديدة ونجحت، وبالتالي فإن لدى الدولة من هم قادرين على ذلك، فلماذا لا تستخدمهم ؟.

نحن ننتظر إطلاق رصاصة الرحمة.

إما بمعناها الحرفي وتتخلصوا منا نهائيًا.

أو بالمعنى المجازي في إحداث تغيير شامل في هذه المنظومة.

المهم يكون في موعد إطلاق لرصاصة الرحمة.

زر الذهاب إلى الأعلى