مقالات

قناة السويس.. حين يصبح الأصل الاستراتيجي أكبر من الحسابات المالية

في الأيام الأخيرة، أثار المصرفي ورجل الأعمال حسن هيكل، عضو اللجنة الاستشارية للاقتصاد الكلي التي شكلتها الحكومة، جدلاً واسعًا بطرحه ما أسماه “المقايضة الكبرى”، كتصور لمعالجة جانب من الدين العام المحلي من خلال نقل ملكية بعض أصول الدولة إلى البنك المركزي مقابل تسوية مديونية مقابلة.

وفي حديثه عن الأصول التي يمكن أن يشملها التصور، أشار هيكل إلى أراضي الدولة وملكياتها في الشركات العامة، وذكر ضمنها قناة السويس.

وأعقب ذلك بيان من مجلس الوزراء أكد أن الطرح يمثل رؤية شخصية لصاحبه ولا يعبر عن توجه حكومي، ثم شدد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، على أن قناة السويس أصل سيادي مرتبط بالأمن القومي المصري، ولا يوجد أي توجه لبيعها أو رهنها أو مقايضتها، كما أوضح أن حسن هيكل ليس مستشارًا لرئيس الوزراء، وإنما كان عضوًا في إحدى اللجان الاستشارية التي شكلتها الحكومة.

لكن ذكر قناة السويس يفتح نقاشًا أوسع: ما حدود استخدام الأصول الاستراتيجية في إدارة الدين العام؟، فأصول الدولة ليست كلها سواء، هناك شركات وأراضٍ يمكن إعادة هيكلة ملكيتها أو الدخول في شراكات بشأنها، وهناك أصول ترتبط بالأمن القومي والموقع الجغرافي والقوة الاستراتيجية للدولة، وقناة السويس بالتأكيد في مقدمة هذه الفئة.

وتقدم التجارب الدولية نماذج مهمة، ليس لأنها مطابقة للحالة المصرية، وإنما لأنها توضح كيف يمكن أن تتحول السيطرة على أصل استراتيجي من مسألة اقتصادية إلى قضية جيوسياسية.

في سريلانكا، أُنشئ ميناء هامبانتوتا بتمويل صيني، ثم أبرمت الحكومة عام 2017 اتفاقًا منحت بموجبه شركة صينية حصة مسيطرة في شركة تشغيل الميناء وحق انتفاع طويل الأجل لمدة 99 عامًا.

والدقة هنا مهمة: الميناء لم يُنتزع من سريلانكا مقابل إسقاط ديونها كما تردد في الرواية الشائعة، وظلت الملكية القانونية للدولة السريلانكية، لكن الصفقة أثارت قلقًا كبيرًا في الهند والولايات المتحدة بسبب الموقع الاستراتيجي للميناء في المحيط الهندي، وأصبحت الصفقة الاقتصادية جزءًا من التنافس الجيوسياسي على طرق التجارة والنفوذ في هذه المنطقة.

والدرس أن السيادة القانونية للدولة قد تبقى قائمة، بينما تتغير قيمة الأصل سياسيًا وجيوسياسيًا بمجرد دخول طرف أجنبي في ملكيته أو تشغيله لفترة طويلة.

وفي اليونان، أصبحت شركة COSCO الصينية المساهم المسيطر في الشركة المشغلة لميناء بيرايوس، الذي يمثل أحد أهم المراكز اللوجستية في البحر المتوسط وبوابة تجارية رئيسية إلى أوروبا.

أما ميناء جوادر في باكستان، فقد أصبح جزءًا أساسيًا من الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو مشروع اقتصادي له أبعاد استراتيجية واضحة بسبب موقع الميناء على بحر العرب وقربه من طرق الطاقة والتجارة الدولية.

هذه الحالات ليست “استيلاءً على الأصول بسبب الديون” بالمعنى المباشر، ولا يصح جمعها في سلة واحدة، لكنها تكشف قاعدة واحدة: الميناء الاستراتيجي لا يظل مجرد مشروع تجاري عندما يرتبط بقوة كبرى أو بحقوق تشغيل طويلة الأجل.

وفي التاريخ المصري نموذج أكثر وضوحًا لا يمكن تجاهله، فقد باع الخديوي إسماعيل، عام 1875 وتحت ضغط الأزمة المالية، حصة الحكومة المصرية في شركة قناة السويس إلى بريطانيا مقابل نحو أربعة ملايين جنيه إسترليني.

لم يكن بيع الأسهم وحده سبب الاحتلال البريطاني، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك، لكن أزمة الديون استمرت، وتزايد معها التدخل الأوروبي في المالية المصرية، وصولًا إلى الاحتلال البريطاني عام 1882.

وفي الدولة العثمانية وتونس واليونان خلال القرن التاسع عشر، أنتجت أزمات الديون ترتيبات منحت الدائنين الأجانب نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر على جزء من الإيرادات والمالية العامة.

الدرس هنا ليس أن “الدين يؤدي إلى الاحتلال”، وإنما أن الأزمة المالية يمكن، إذا تداخلت مع الأصول الاستراتيجية ومصالح القوى الخارجية، أن تتحول من مشكلة اقتصادية إلى قضية سيادة ونفوذ.

وهناك جانب آخر مهم في التجارب الدولية: حماية الأصول الاستراتيجية ليست موقفًا ضد الرأسمالية أو الاستثمار الأجنبي.

فالولايات المتحدة، وهي من أكثر اقتصادات العالم انفتاحًا، واجهت عام 2006 صفقة استحواذ شركة موانئ دبي العالمية على شركة P&O البريطانية، والتي كانت ستمنح الشركة حقوق تشغيل محطات في ستة موانئ أمريكية.

ورغم أن الأمر لم يكن بيعًا للموانئ أو نقلًا للسيادة عليها، أثارت الصفقة اعتراضات سياسية وأمنية واسعة في الكونجرس، وانتهت DP World إلى بيع عملياتها الأمريكية لمستثمر أمريكي.

وفي بريطانيا، تدخلت الحكومة لمنع استمرار استحواذ شركة Nexperia على شركة Newport Wafer Fab العاملة في صناعة أشباه الموصلات، استنادًا إلى اعتبارات الأمن القومي.

المغزى واضح: الدول الرأسمالية لا تعتبر السوق أعلى من الأمن القومي. فهي ترحب بالاستثمار، لكنها تضع حدودًا واضحة عندما يتعلق الأمر بالبنية التحتية أو التكنولوجيا أو القطاعات ذات الحساسية الاستراتيجية.

أين تقف قناة السويس؟

يمكن للدولة أن تعظم عائد أصولها، وتبيع حصصًا في شركات، وتدخل في شراكات، وتجذب استثمارات أجنبية، وتعيد هيكلة ديونها، لكن قناة السويس ليست مجرد أصل مالي.

فقيمتها لا تتمثل فقط في إيراداتها السنوية، وإنما في موقعها الجغرافي، ودورها في التجارة العالمية، وأهميتها لأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وما تمنحه مصر من وزن استراتيجي في المنطقة.

ولهذا فإن أي نقاش حول ملكيتها أو حقوق الانتفاع بها أو استخدامها كضمان أو إدخالها في ترتيبات مالية طويلة الأجل يجب أن يُنظر إليه بمعايير تتجاوز العائد المالي المباشر.

ومن هنا، ربما يكون من المفيد وضع قائمة وطنية واضحة بالأصول والمرافق والكيانات الاقتصادية الاستراتيجية التي تُستثنى من أي ترتيبات مالية يمكن أن تنقل ملكيتها أو ترهنها أو تقدمها كضمان للديون أو تمنح حقوقًا طويلة الأجل يمكن أن تقيد السيطرة السيادية عليها.

ولا ينبغي أن تقتصر هذه القائمة على قناة السويس، بل تُحدد وفق معايير واضحة تشمل المرافق المرتبطة بالأمن القومي، والممرات والموانئ الاستراتيجية، والبنية الأساسية الحيوية، ومصادر الطاقة والمياه، وشبكات الاتصالات، وغيرها من الأصول التي تمثل جزءًا من القدرة الاستراتيجية للدولة.

وجود هذه القائمة مسبقًا يضع حدودًا واضحة أمام استخدام أصول الدولة، ويحمي صانع القرار من اتخاذ قرارات استثنائية تحت ضغط ظرف مالي طارئ.

بمعنى آخر: هناك أصول يجوز للدولة أن تستثمر فيها، وأصول يجوز أن تبيع حصصًا منها، وأصول أخرى يجب أن تكون، بحكم طبيعتها، محصنة من أن تتحول إلى أدوات لضمان الدين أو تسويته أو تقييد القرار السيادي بشأنها.

لذلك، فإن القضية لا تتعلق بحسن هيكل، ولا باتهام الحكومة بما نفته، وإنما بضرورة وضع قاعدة واضحة للأصول السيادية والاستراتيجية التي يجب أن تظل خارج معادلة الدين.

مصر تحتاج إلى حلول جادة لأزمة الدين، وإلى تعظيم عوائد أصولها، وإلى إصلاح الشركات العامة، وجذب الاستثمار، وزيادة الإنتاج والصادرات. لكن إدارة الأصول شيء، وتحويل الأصول الاستراتيجية إلى أدوات لضمان الدين أو تسويته شيء آخر، والأفضل أن نضع هذه الحدود قبل الأزمات، لا تحت ضغطها.

فالديون يمكن إعادة هيكلتها، وآجالها يمكن إطالتها، وتكلفتها يمكن خفضها، والاقتصاد يمكن أن ينمو.

أما الجغرافيا فلا يمكن إعادة هيكلتها، وقناة السويس ليست مجرد أصل في دفاتر الدولة؛ إنها جزء من الجغرافيا التي صنعت مكانة الدولة المصرية.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى