عربي ودولي

من الكهرباء إلى النيل.. لماذا تعيد جوبا طرح مشروع سد فولا الآن؟

أعادت تصريحات وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، أجوك ماكور، في 17 سبتمبر 2026، مشروع “فولا” الكهرومائي إلى واجهة الاهتمام الإقليمي، بعدما أكد استعداد بلاده للمضي في خطط تطوير المشروع، مستندًا إلى حق جنوب السودان في استغلال موارده الطبيعية، وإلى ما قال إنه قرارات صادرة عن مجلس وزراء دول حوض النيل شملت 34 مشروعًا، من بينها «فولا»، مؤكدًا أن الحكومة أبلغت الرئيس سلفاكير بالاستعداد الخاصة بالمشروع.

القيمة السياسية لهذا التطور لا تكمن فقط في احتمال تحريك مشروع كهرومائي يظل طويلاً، ضمن خطط جنوب السودان، وإنما في السياق الإقليمي الذي يظهر فيه المشروع الآن، فجراند “فولا” لم يعد يُطرح باعتباره مشروعُا لتوليد الكهرباء داخل جنوب السودان فحسب، وإنما أصبح مرتبطًا بمسار الربط الكهربائي مع أوغندا، وبإمكانات أوسع للاندماج في شبكات الطاقة بشرق أفريقيا.

ومن هنا تبرز الإشكالية الأساسية، هل يمثل «فولا» مجرد مشروع تنموي لتوفير الكهرباء، أم أنه يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى أداة لإعادة تعريف موقع جنوب السودان داخل معادلات الطاقة والنفوذ في حوض النيل وشرق أفريقيا؟.

«فولا» ليس نسخة أخرى من سد النهضة

يُعد وضع فولا وسد النهضة في إطار واحد من أكثر القراءات اختزالاً للمشهد، فجراند فولا يقع قرب نيمولي في جنوب السودان، بينما يقع سد النهضة على النيل الأزرق في إثيوبيا، وتختلف طبيعة المشروعين وأهدافها ومساراتهما السياسية والفنية، كما أن القضية المصرية الإثيوبية ارتبطت بصورة أساسية بقواعد الملء والتشغيل والآثار المحتملة على تدفقات النيل الأزرق، في حين يتحرك فولا أساسًا من بوابة أزمة الطاقة والتنمية في جنوب السودان.

لكن اختلاف المشروعين لا يعني أن «فولا» منفصل عن البعد المائي.

فالمشروع يقع على النيل، وتوضح دراسة للبنك الدولي أن تطوير الطاقة الكهرومائية عند فولا يمكن أن تكون له آثار مهمة على النهر والموائل المحيطة في منطقة نيمولي؛ وهو ما يجعل التقييمات الهيدرولوجية والبيئية عنصرًا أساسيًا في أي انتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.

لذلك؛ فإن التوصيف الأكثر دقة في المرحلة الراهنة هو أن «فولا» ليس أزمة مائية مكتملة الأركان، لكنه مشروع مائي طاقوي يحمل قابلية لأن يصبح ملفًا سياسيًا عابرًا للحدود إذا انتقل إلى مراحل متقدمة من التطوير.

القوة الحقيقية لفولا قد تكون في الكهرباء

تكشف مبادرة حوض النيل أن «جراند فولا» يمتلك إمكانات توليد مقدرة بنحو 1080 ميجاواط، وفي أبريل 2026، شاركت بعثة ضمت الاتحاد الأوروبي ومؤسسات جنوب سودانية ومكتب تنسيق مبادرة حوض النيل لدول شرق النيل في تقييم مشروع الربط الكهربائي بين جنوب السودان وأوغندا بجهد 400 كيلوفولت، إلى جانب تفقد موقع جراند فولا.

والأهم أن المبادرة لا تنظر إلى “فولا” باعتباره مشروعًا معزولاً؛ إذ تضعه ضمن سلسلة مشروعات كهرومائية يمكن أن ترتبط مستقبلاً بمجمع الطاقة لشرق أفريقيا، مع إمكان استفادة دول مثل أوغندا وكينيا وتنزانيا.

فإذا انتقلت جوبا من امتلاك الإمكانات المائية إلى امتلاك قدرة فعلية على إنتاج الكهرباء ونقلها وبيعها عبر شبكات إقليمية، فإن الطاقة ستتحول من ملف تنموي داخلي إلى أداة لبناء الاعتماد المتبادل والنفوذ الاقتصادي.

وبالتالي؛ فإن الأهمية الجيوسياسية لفولا لا تكمن فقط في كمية الكهرباء التي يمكن أن ينتجها، وإنما في موقعه المحتمل داخل ممر إقليمي للطاقة.

جنوب السودان وإعادة بناء الدولة عبر الطاقة

جنوب السودان يمتلك موارد طبيعية كبيرة، لكنه يعاني في الوقت نفسه ضعفًا واضحًا في البنية الأساسية للطاقة، ولهذا فإن تطوير الكهرباء بالنسبة إلى جوبا يتجاوز مسألة تحسين الإمدادات؛ فهو يرتبط بجذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات، ودعم النشاط الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على ترتيبات طاقة محدودة وغير مستقرة، ومن هذه الزاوية، يصبح فولا جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة من خلال البنية التحتية.

وتزداد أهمية ذلك مع مشروع الربط الكهربائي الجنوب سوداني الأوغندي؛ فالمشروع يتضمن خط نقل إقليمي بجهد 400 كيلو فولت بطول يقارب 299 كيلو مترًا بين جوبا وأولويّو في أوغندا، بما يضع جنوب السودان داخل مسار فعلي للتكامل الكهربائي الإقليمي.

الاتحاد الأوروبي.. التمويل يبدأ قبل البناء

تظهر أهمية البعد الدولي في أن فولا لم يدخل بعد مرحلة الإنشاء الفعلي، ففي أبريل الماضي، أكد الاتحاد الأوروبي استعداده لدعم حشد الموارد اللازمة لدراسات الجدوى والتقييمات البيئية والاجتماعية، بينما كشف وزير الطاقة والسدود أن الربط الكهربائي مع أوغندا يمثل الأولوية الفورية، وأن جراند فولا يدخل ضمن الاستراتيجية طويلة المدى للطاقة في جنوب السودان.

وتكشف هذه المعطيات أن المعركة المقبلة حول فولا لن تكون معركة بناء فقط، بل معركة تمويل ومعرفة ومؤسسات، فدراسة الجدوى تحدد قابلية المشروع اقتصاديًا، والتقييم البيئي يحدد مخاطره وآثاره، والتمويل الخارجي يحدد قدرته على الانتقال من فكرة إلى أصل استراتيجي.

ومن ثم، فإن دخول المؤسسات الدولية والإقليمية في هذه المرحلة المبكرة يعني أن «فولا» يتشكل داخل شبكة مصالح متعددة الأطراف، وليس في إطار قرار وطني منعزل.

ماذا تُعني تصريحات جوبا عن 34 مشروعًا؟

وزير الطاقة والسدود الجنوب سوداني، قال إن مجلس وزراء دول حوض النيل وافق على 34 مشروعًا، بينها فولا، وإن غالبية الدول وقعت القرار، مع إشارته إلى أن دولة واحدة لم توقع، والفارق مهم سياسيًا وقانونيًا، فإدراج مشروع في قائمة مشروعات إقليمية أو دعمه داخل إطار استثماري لا يساوي بالضرورة موافقة نهائية على التصميم والتمويل والإنشاء والتشغيل.

وتؤكد مبادرة حوض النيل أن جراند فولا يقع ضمن خط أنابيب مشروعات كهرومائية ذات أولوية، مع الحاجة إلى دراسات جدوى وتقييمات بيئية واجتماعية قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا، لذلك، فإن المرحلة الحالية هي مرحلة تشكيل المشروع أكثر من كونها مرحلة تشغيله.

زر الذهاب إلى الأعلى