فن ومنوعات

محمد سلماوي.. رحلة طويلة من مقاعد الصحافة إلى منصة الدستور

محمد سلماوي.. دبلوماسي الأدب وشاهد العصر على تحولات الوطن

في المشهد الثقافي المصري والعربي، قليلون هم الذين استطاعوا أن يجمعوا بين الكتابة والصحافة والعمل الثقافي والدبلوماسية في شخصية واحدة، وأن ينتقلوا من صفحات الكتب والصحف إلى ساحات العمل العام، محتفظين في كل محطة بمساحة خاصة للكلمة والفكرة، من بين هؤلاء يبرز اسم الكاتب والأديب محمد سلماوي، الذي امتدت تجربته على مدار عقود بين الأدب والصحافة والعمل الثقافي، ليصبح شاهدًا على جانب كبير من التحولات التي مرت بها مصر، ومشاركًا في عدد من المحطات الثقافية والوطنية البارزة.

لم تكن رحلة «سلماوي» مجرد مسيرة كاتب تنوعت مؤلفاته بين المسرح والرواية، وإنما تجربة اتسعت لتشمل إدارة المؤسسات الثقافية، والعمل النقابي، والدفاع عن حرية التعبير، والحضور في واحدة من أهم المحطات الدستورية في تاريخ مصر الحديث.

تكوين ثقافي عبر أكثر من مدرسة

بدأت ملامح التجربة مبكرًا، بعد تخرجه في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1966، قبل أن يتجه إلى بريطانيا لاستكمال دراسته، فحصل على دبلوم في مسرح شكسبير من جامعة أكسفورد، ثم دبلوم في التاريخ البريطاني من جامعة برمنجهام، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الاتصال الجماهيري من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1975.

هذا التنوع بين الأدب والتاريخ والإعلام منح «سلماوي» تكوينًا ثقافيًا متعدد الجوانب، انعكس لاحقًا على تجربته المهنية والأدبية، ودفعه إلى الجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الصحفية والعمل الثقافي.

ومن الصحافة بدأت إحدى أبرز محطات مسيرته، عندما التحق بمؤسسة الأهرام في سبعينيات القرن الماضي محررًا للشؤون الخارجية، قبل أن يشارك في تأسيس «الأهرام ويكلي» باللغة الإنجليزية، ثم يتولى رئاسة تحرير «الأهرام إبدو» الناطقة بالفرنسية لأكثر من 16 عامًا.

لاحقًا، تولى رئاسة مجلس تحرير ومجلس أمناء صحيفة «المصري اليوم»، ليواصل حضوره في المشهد الصحفي من مواقع متعددة.

محمد سلماوي وعلاقة استثنائية بنجيب محفوظ

من بين أكثر المحطات خصوصية في مسيرة محمد سلماوي علاقته بالأديب العالمي نجيب محفوظ.

فلم تكن العلاقة بينهما مجرد لقاءات صحفية أو صداقة بين كاتب شاب وأديب كبير، وإنما تحولت مع الوقت إلى مساحة من الثقة والتعاون الفكري، أثمرت عددًا من الحوارات التي أجراها «سلماوي» مع «محفوظ»، والتي أصبحت لاحقًا من الشهادات المهمة على أفكاره ورؤيته.

وتجلت هذه الثقة في واحدة من أهم محطات العلاقة بينهما، عندما اختار نجيب محفوظ محمد سلماوي ليمثله في احتفالات تسلمه جائزة نوبل في الأدب بالعاصمة السويدية ستوكهولم عام 1988، حيث ناب عنه في المناسبة وقدم كلمته.

وبذلك لم يكن «سلماوي» مجرد صحفي اقترب من أحد أهم أدباء العربية، وإنما أصبح جزءًا من لحظة تاريخية ارتبطت بوصول الأدب العربي إلى واحدة من أرفع المنصات الأدبية العالمية.

حين يتحول المسرح إلى مساحة للمواجهة

في الأدب، اختار محمد سلماوي أن يجعل من المسرح مساحة لمناقشة قضايا المجتمع وأسئلته، وأن يقترب من الموضوعات الشائكة بدلًا من الابتعاد عنها.

ومن أبرز أعماله المسرحية «الجنزير»، التي تناولت قضية التطرف والإرهاب، إلى جانب «فوت علينا بكرة»، و«سالومي»، و«رقصة سالومي الأخيرة».

ولم يتوقف حضوره الأدبي عند المسرح، إذ قدم عددًا من الروايات، من بينها «الخرز الملون» و«أجنحة الفراشة».

واكتسبت «أجنحة الفراشة»، الصادرة عام 2011، اهتمامًا خاصًا بسبب تناولها أجواء الاحتقان السياسي والاجتماعي التي سبقت أحداث يناير، وهو ما دفع إلى النظر إليها باعتبارها عملًا أدبيًا اقترب من قراءة التحولات التي كانت تتشكل في المجتمع المصري آنذاك.

من الكاتب إلى صانع المؤسسات الثقافية

لم يحصر «سلماوي» علاقته بالثقافة في الكتابة، بل اتجه أيضًا إلى العمل المؤسسي، مؤمنًا بأن الحياة الثقافية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على اكتشاف المواهب وفتح المجال أمام التجارب الجديدة.

وفي عام 1988، ارتبط اسمه بتأسيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وتولى منصب أمينه العام، ليصبح المهرجان على مدار سنوات مساحة للتفاعل بين المسرح المصري والتجارب المسرحية من مختلف أنحاء العالم.

كما تولى رئاسة اتحاد كتاب مصر، وانتُخب أمينًا عامًا للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وهي مواقع أتاحت له الانتقال من دور الكاتب الفرد إلى العمل على قضايا الكتاب والمثقفين بصورة أكثر اتساعًا.

وخلال هذه المسيرة، ارتبط اسمه بعدد من القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير وحقوق الكتاب، في إطار حضوره المستمر في الحياة الثقافية والعامة.

من صفحات الكتب إلى قاعة الدستور

ربما كانت إحدى أكثر محطات مسيرته ارتباطًا بالشأن العام مشاركته في لجنة الخمسين التي تولت صياغة دستور مصر عام 2014، عقب أحداث 30 يونيو 2013، حيث اختير متحدثًا رسميًا باسم اللجنة.

في هذه المرحلة، وجد الكاتب والصحفي نفسه في قلب نقاش سياسي ودستوري واسع، وانتقل من إدارة الحوار الثقافي إلى التعامل اليومي مع وسائل الإعلام والرأي العام حول واحدة من أهم الوثائق السياسية والقانونية في البلاد.

وكان هذا الدور امتدادًا لمسيرة طويلة لم يفصل فيها «سلماوي» بصورة حادة بين الثقافة والشأن العام، بل تعامل مع الكاتب باعتباره طرفًا فاعلًا في النقاش حول قضايا المجتمع والدولة.

تكريمات تروي جانبًا من الرحلة

حظيت تجربة محمد سلماوي بعدد من التكريمات داخل مصر وخارجها، من بينها جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2012، إلى جانب عدد من الأوسمة والتكريمات الدولية.

ومن أبرزها وسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة فارس، ووسام الاستحقاق الإيطالي، ووسام التاج الملكي البلجيكي.

ولا تختصر هذه التكريمات تجربته في جانب واحد، بقدر ما تعكس تنوع المساحات التي تحرك فيها بين الأدب والصحافة والعمل الثقافي والعام.

سيرة تتقاطع مع تاريخ الثقافة المصرية

على امتداد عقود، ظل محمد سلماوي حاضرًا في أكثر من مساحة من مساحات الحياة الثقافية المصرية؛ كاتبًا وصحفيًا ومسرحيًا وروائيًا، ثم مسؤولًا عن مؤسسات ثقافية ونقابيًا ومتحدثًا باسم لجنة صاغت دستور البلاد.

هذه المسيرة جعلته شاهدًا ومشاركًا في تحولات متعاقبة، من تطور الصحافة المصرية إلى صعود المسرح التجريبي، ومن النقاشات حول حرية التعبير إلى اللحظات السياسية والدستورية المفصلية.

وربما تكمن خصوصية تجربته في هذا التداخل بين الأدوار؛ فلم يبقَ الأدب بالنسبة إليه بعيدًا عن المجتمع، ولم تكن الصحافة منفصلة عن الثقافة، كما لم يكن العمل الثقافي بمعزل عن الشأن العام.

وهكذا تبدو سيرة محمد سلماوي أقرب إلى رحلة طويلة عبر المشهد الثقافي المصري، حمل خلالها القلم في أكثر من اتجاه، وترك في كل محطة أثرًا يضاف إلى تجربة كاتب اختار أن تكون الكلمة بالنسبة إليه وسيلة للكتابة، والحوار، والمشاركة في صناعة الوعي.

زر الذهاب إلى الأعلى