صراع الممرات.. والتنافس على الطرق البديلة
لم يعد الصراع على الممرات البحرية يقتصر على السيطرة على المضايق والقنوات القائمة، بل امتد إلى إنشاء طرق جديدة وتطوير ممرات برية وخطوط أنابيب وسكك حديدية تقلل الاعتماد على الطرق التقليدية، فامتلاك طريق بديل لا يمنح الدولة ميزة اقتصادية فحسب، بل يوفر لها ورقة استراتيجية في مواجهة الدول المعتمدة على الممرات القائمة.
أدركت الصين ذلك مبكرًا من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، التي تضم شبكة واسعة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية وخطوط الأنابيب والممرات البحرية، بهدف تأمين التجارة وإمدادات الطاقة وتعزيز حضورها الاقتصادي في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وفي المقابل، ظهر ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي، الذي أُعلن عنه عام 2023 لربط الهند بالخليج ثم أوروبا عبر النقل البحري والسكك الحديدية، ويحمل المشروع أهمية جيوسياسية باعتباره أحد المسارات المطروحة لمنافسة النفوذ الصيني، لكنه يواجه تحديات سياسية وأمنية وتمويلية.
وفي جنوب شرق آسيا، تسعى تايلاند من خلال مشروع «الجسر البري» إلى ربط ميناءين على ساحلي بحر أندامان وخليج تايلاند بالطرق والسكك الحديدية، لتوفير مسار بديل لبعض التجارة المارة بمضيق ملقا، أحد أهم طرق التجارة والطاقة المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية، لكن المشروع يواجه تحديات التكلفة وجذب الاستثمارات ومنافسة موانئ سنغافورة وماليزيا، أما فكرة حفر قناة عبر برزخ كرا لتجاوز ملقا، فلم تتحول إلى مشروع منفذ.
وفي تركيا، طُرحت «قناة إسطنبول» لإنشاء ممر مائي مواز للبوسفور، مع طموحات اقتصادية مرتبطة بالملاحة والخدمات، لكنها لم تنتقل إلى التنفيذ الكامل، كما أن إنشاء قناة جديدة لا يلغي تلقائيًا القواعد الدولية المنظمة للمرور عبر البوسفور والدردنيل.
وفي الشرق الأوسط، يمثل خط أنابيب إيلات–عسقلان القائم رابطًا لنقل النفط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، إلى جانب تصورات لمسارات إضافية لنقل النفط من الخليج عبر إسرائيل، لكنها تظل بدائل جزئية لنقل الطاقة، ولا تعوض قناة السويس التي تمر عبرها السفن والحاويات ومختلف أنواع البضائع.
وفي أمريكا الوسطى، يكشف مشروع «قناة نيكاراجوا»، الذي أُعلن عنه عام 2013 بمشاركة شركة صينية، استمرار البحث عن بدائل لقناة بنما، رغم أن المشروع لم يتحول إلى قناة عاملة.
تكشف هذه الأمثلة أن المنافسة متعددة الأطراف، وهدفها تأمين التجارة والطاقة وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق وامتلاك خيارات إضافية عند الأزمات.
لكن الإعلان عن ممر جديد لا يضمن نجاحه، كما أن وجود بديل لا يعني اختفاء أهمية الطريق الأصلي؛ فالتكلفة والقدرة الاستيعابية والأمن والوقت والخدمات اللوجستية هي ما يحدد قدرة أي مشروع على جذب التجارة.
في عالم «صراع الممرات»، لم تعد المنافسة فقط على من يسيطر على الطريق القائم، بل على من يستطيع بناء الطريق التالي وربطه بالاقتصاد العالمي وتحويله إلى مصدر للنفوذ الاستراتيجي.






