مسالك العبور إلى الدولة المدنية الديمقراطية في مصر
يشهد الفضاء العام المصري منذ سنوات نقاشات متواصلة ومحتدمة حول مستقبل الدولة ومسارات انتقالها المحتملة من واقع السلطوية إلى آفاق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، ولا يقتصر هذا النقاش على النخب الفكرية والسياسية وحدها، بل يمتد ليشمل شرائح واسعة من المواطنين الذين باتوا يدركون بوعي أو بعفوية أن الأزمات المعيشية والاقتصادية والمؤسسية الهيكلية التي تعاني منها البلاد ليست سوى أعراض جانبية لعلة أعمق تتمثل في غياب النموذج المؤسسي القائم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة.
وحين يطرح السؤال الجوهري حول كيفية الانتقال من الحالة السلطوية الحالية إلى التأسيس الحقيقي والفعلي للدولة المدنية الديموقراطية، تتداعى تساؤلات فرعية بالغة التعقيد والتشابك مثل: هل نحن بحاجة حتمية إلى «مرحلة انتقالية» تمهد لهذا التحول؟، وما هي مواصفات وخصائص هذه المرحلة وسماتها الفاصلة؟، وكيف ومن أين تبدأ عملية التغيير والتأسيس من واقع اللحظة الراهنة؟.
وهل توجد اليوم قوي سياسية قادرة بالفعل على التعبير عن مصالح اجتماعية حقيقية وبالتالي على تمثيلها؟، أم أن ما نراه ليس سوى واجهات أيديولوجية وفكرية معزولة عن نبض الشارع وهمومه المعيشية؟.
في هذا المقال، نحاول تفكيك هذه الإشكاليات الكبرى عبر مقاربة نقدية وموضوعية تستقرئ واقع المشهد المصري المعاصر، وتستشرف متطلبات التأسيس الديمقراطي الممكن.
الإجابة عن سؤال الحاجة إلى مرحلة انتقالية تمهيدية تكاد تكون قاطعة في أدبيات التحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية: نعم، الانتقال من الحكم السلطوي إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا يحدث بضربة سحرية أو بقرار فوقي مفاجئ، بل يستوجب حتما مرحلة انتقالية منظمة ومدروسة.
إن الحكم السلطوي لا يقتصر على كونه نظاما للحكم الفردي أو النخبوي فحسب، بل هو بنية متكاملة تتغلغل في شرايين مؤسسات الدولة، وجهازها البيروقراطي، ومنظومتها التشريعية، وثقافتها السياسية والإدارية، ولقد جرى هندسة المجال العام على مدار عقود لتجريف الحياة السياسية، وتفكيك الأحزاب، وإضعاف النقابات المهنية والعمالية المستقلة، وتدجين المجتمع المدني.
وعليه، فإن تفكيك هذه البنية السلطوية، وإحلال بنية ديمقراطية مكانها يتطلب بالضرورة جسرا عبوريا أو «منطقة وسطى» تسمى المرحلة الانتقالية، هذه المرحلة ليست هدفا بذاتها، وليست غاية نهائية، بل هي أداة جراحية هادفة ومؤقتة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات التي تم تسييسها أو إفسادها، وخلق بيئة آمنة تتيح للمواطنين ممارسة حقوقهم السياسية دون خوف أو قهر.
إن القفز فوق المرحلة الانتقالية أو محاولة فرض ترتيبات ديمقراطية فوقية في ظل بنية سلطوية قائمة يؤدي حتما إلى واحدة من نتيجتين كارثيتين: إما إعادة إنتاج السلطوية بوجه جديد وتحت شعارات مختلفة، أو الانزلاق نحو الفوضى وانهيار الدولة، ولهذا السبب، فإن التمهيد الواعي والمنظم للمرحلة الانتقالية هو الشرط الأساسي لضمان عدم إجهاض أي محاولة جادة للتأسيس الديمقراطي في المستقبل.
ولكي تؤدي المرحلة الانتقالية دورها التاريخي بنجاح وتجنب البلاد مطبات الفوضى أو الارتداد الاستبدادي، يجب أن تتسم بخصائص ومواصفات واضحة وحاسمة، أبرزها:
أولا: التوافق الوطني الشامل والعقد التأسيسي المؤقت؛ فلا تنجح المراحل الانتقالية بفرض إرادة فريق واحد أو فصيل سياسي بعينه، بل تتطلب مظلة وطنية واسعة تجمع مختلف التيارات السياسية والاجتماعية التي تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، ويتطلب ذلك إعلان وثيقة توافقية تحدد بوضوح صلاحيات السلطات، والمدة الزمنية للمرحلة، والقواعد الحاكمة للعملية السياسية، وتحييد المال السياسي والسلطوي عن التأثير في خيارات المواطنين.
ثانيا: تفكيك أجهزة الاستبداد وبناء منظومة العدالة الانتقالية؛ فلا يمكن للمسار الديمقراطي أن ينطلق ومؤسسات القمع والفساد والإفلات من العقاب تعمل بالكفاءة ذاتها، بل تتطلب المرحلة الانتقالية إجراء إصلاحات هيكلية وجريئة في أجهزة الدولة كافة وإخضاعها لمعايير الشفافية والمساءلة، وتدشين مسار حقيقي للعدالة الانتقالية يكشف الانتهاكات، ويحاسب المسؤولين عنها، وينصف الضحايا، ويغلق ملفات المظالم التاريخية دون انتقام أو تشفٍ.
ثالثا: الإصلاح التشريعي والمؤسسي وضمان الحريات الأساسية؛ حيث يعد فتح المجال العام وإلغاء القيود المفروضة على حرية التعبير، والتنظيم، وتكوين الأحزاب، والجمعيات الأهلية، والنقابات العمالية، الحجر الأساس في هذه المرحلة ومراجعة ترسانة القوانين المقيدة للحريات.
رابعا: الإعداد الجيد للانتخابات البرلمانية والرئاسية النزيهة؛ فالانتخابات وحدها لا تعني ديمقراطية، بل هي المحطة الأخيرة في مسار طويل من بناء الثقة وتكافؤ الفرص، عبر هندسة قوانين انتخابية عادلة تضمن تمثيلا حقيقيا لمختلف الفئات، وتأسيس هيئة مستقلة تماما لإدارة الانتخابات والإشراف عليها بنزاهة وشفافية كاملة.
إذا كانت الدولة المدنية الديموقراطية هي الغاية، والمرحلة الانتقالية هي الوسيلة، فإن السؤال الأكثر إلحاحا هو: كيف نبدأ من واقعنا الراهن المحاط بالقيود والإحباطات؟ البداية الحقيقية لا تأتي من بيانات النخبة المعزولة، ولا من الأمنيات الرومانسية بتغيير بين عشية وضحاها، بل تبدأ من مسارات واقعية ومتدرجة تتجلى في الأتي:
أولا: في إعادة بناء الوعي المجتمعي والسياسي عبر تفكيك الخطاب السلطوي الذي يربط بين الاستقرار وبين الاستبداد، وربط المفاهيم الديمقراطية بالمصالح المعيشية المباشرة كعدالة توزيع الثروة وتكافؤ الفرص في التعليم والصحة ومحاربة الفساد.
ثانيا: الحفاظ على المساحات المتاحة وتوسيعها تدريجيا في النقابات المهنية، أروقة الجامعات، منصات التواصل الاجتماعي، والجمعيات الأهلية الخدمية، والدفاع عنها ببسالة عبر العمل الجماعي المنظم.
ثالثا: بناء شبكات التضامن الاجتماعي والمطلبي بدعم الحركات العمالية والنقابية التي تدافع عن حقوق العمال والموظفين والفلاحين والمهمشين، إلى جانب قطاع كبير من الرأسمالية المنتجة المتضررة من سياسات الفساد والاستبداد، لإعادة الثقة للمواطنين في قوة التنظيم.
رابعا: تشكيل كتلة تاريخية فكرية وسياسية عابرة للأيديولوجيات، تتجاوز الخلافات التقليدية بين اليسار واليمين والليبرالي والإسلامي، وتتركز على قواسم مشتركة صلبة: دولة قانون، مواطنة متساوية، عدالة اجتماعية، وديمقراطية مؤسسية.
وللإجابة عن سؤال ما إذا كانت لدينا قوى سياسية حاليا تعبر عن قوى اجتماعية وتمثلها بشجاعة وموضوعية نقدية، يجب الاعتراف بأن المشهد السياسي المصري المعاصر يعاني من أزمة تمثيل حادة وعميقة، الأحزاب السياسية القائمة اليوم بمعظمها تنقسم إلى قسمين رئيسيين؛ أحزاب موالية أو مرخصة بفعل الترتيبات الفوقية وهي كيانات ضعيفة الصلة بالشارع لا تملك قواعد شعبية وتفتقر إلى المشروع المستقل، وأحزاب معارضة تقليدية تعاني من الشيخوخة التنظيمية، والانقسامات المتتالية، والعزلة الطويلة عن نبض الجماهير والشباب.
إن القوى السياسية الحالية لا تكاد تعكس القوى الاجتماعية الكبرى في المجتمع المصري الذي يعج بتناقضات اجتماعية واقتصادية هائلة تشمل طبقات وسطى تتآكل بفعل التضخم وغلاء المعيشة، وعمالة غير منظمة تمثل قطاعا ضخما، وشبابا يبحث عن فرص عمل أو هجرة، وقطاعات واسعة من المهمشين بلا ظهير سياسي يعبر عن مصالحهم.
امتدادا لما سبق، يمكن الجزم بأن ما نشهده في مصر حاليا هو في الغالب تمثيل أيديولوجي فكري معزول وهش، يكاد يخلو تماماً من أي تمثيل اجتماعي حقيقي ومؤسسي. فالخطاب السياسي السائد سواء لدى المؤيدين أو المعارضين غالبا ما يدور في فلك الشعارات الكبرى والمجردة مثل الدولة الوطنية، الاستقرار والأمن، الديمقراطية الغربية، الهوية الدينية، الليبرالية، أو العدالة الاجتماعية بمعناها النظري، وهي شعارات تفتقر إلى البرامج الاقتصادية والمؤسسية التي تلامس الخبز والتعليم والصحة والعمل، إنه صراع أفكار ورموز ونخب في الفضاء الافتراضي أو الصالونات، وهو تمثيل لا يستند إلى قواعد منظمة.
في المقابل، يغيب التمثيل الاجتماعي والمطلبي المنظم المتمثل في مؤسسات وسيطة كنقابات قوية ومستقلة، اتحادات عمالية، روابط مهنية، تعاونيات فلاحية، ومجالس محلية منتخبة تنقل هموم الناس الاقتصادية اليومية إلى دوائر صنع القرار، هذا الغياب يفسر حالة العزوف السياسي المزمنة لدى المواطن المصري؛ فالناس لا عزوف لهم عن الشأن العام حقيقةً، بدليل تفاعلهم الواسع مع أي قضية تمس معاشهم، ولكنهم يعزفون عن السياسة الحزبية والنخبوية التي يدركون بالفطرة أنها لا تمثلهم ولا تعبر عن أوجاعهم.
إن الانتقال من الحكم السلطوي إلى الدولة المدنية الديموقراطية في مصر ليس حلما طوباويا، ولكنه أيضا ليس نزهة سهلة؛ إنه مسار شاق وطويل يتطلب وعيا نقديا عميقا، وشجاعة سياسية في الاعتراف بالأخطاء وبنية القصور الراهنة، إن البداية الحقيقية تكمن في الاعتراف بأزمة التمثيل وبأنه لا يمكن بناء ديمقراطية بلا قواعد اجتماعية منظمة، وفي النزول إلى الشارع والاقتراب من هموم الطبقات الكادحة وبناء أشكال تضامن ومقاومة سلمية واعية، وفي التأسيس لخطاب وطني عابر للأيديولوجيات يضع الإنسان المصري وكرامته وحقه في العيش والحرية في قلب المعادلة.
حين تدرك القوى السياسية والنخب الفكرية أن المعركة ليست صراع شعارات أيديولوجية، بل هي معركة من أجل إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والمؤسسات وتحقيق العدالة الاجتماعية، وحين يولد تمثيل اجتماعي حقيقي ينبثق من رحم معاناة الناس، فحينئذ فقط يمكن الحديث عن بداية حقيقية وفاعلة لمسار العبور نحو مصر المدنية الديموقراطية المنشودة.



