أثارت واقعة ظهور أفعى «كوبرا» السامة داخل إحدى المدارس الابتدائية بمحافظة الفيوم حالة من الذعر، بعدما فوجئ الطلاب والعاملون بها تتجول بين الفصول والساحات، في مشهد أعاد فتح ملف ظهور الزواحف داخل التجمعات السكنية والمنشآت العامة، خاصة مع تكرار وقائع مماثلة خلال صيف 2026.
ولم تكن الواقعة الأولى من نوعها، إذ سبقتها بأسبوعين واقعة تسلل ثعبان إلى أحد المساجد بمحافظة البحيرة، ما أثار تساؤلات بشأن أسباب تزايد ظهور هذه الزواحف، وعلاقة التغيرات المناخية والتعديات على موائلها الطبيعية بهذه الظاهرة، فضلًا عن مخاطر اقتناء الحيوانات الخطرة وسبل الحد من انتشارها.
مصطفى الجعفري لـ«ليبرالي»: أزمة الكلاب الضالة قد تسهم في زيادة الثعابين
قال الدكتور مصطفى الجعفري، الباحث بجامعة إليون الأمريكية وأستاذ الطب البيطري بجامعة القاهرة، إن انتشار الكلاب الضالة وزيادة أعدادها في الشوارع المصرية قد يكون أحد العوامل المؤثرة في اختلال التوازن البيئي وظهور الثعابين، نتيجة ما قد تسببه من تراجع أعداد القطط، التي تلعب دورًا في مطاردة الثعابين وبعض الزواحف والقوارض.
وأوضح «الجعفري»، أن القطط تمثل أحد عناصر المكافحة الطبيعية لبعض الكائنات الضارة، بفضل غريزة الصيد لديها وقدرتها على مطاردة الثعابين، مشيرًا إلى أن تعرضها لهجمات الكلاب الضالة وافتراسها قد يؤدي إلى تراجع وجودها في الشوارع، وهو ما قد ينعكس على التوازن الطبيعي بين الكائنات الحية.
وأكد أهمية التعامل مع أزمة الكلاب الضالة من خلال حلول علمية وإنسانية تحافظ على التوازن البيئي وسلامة المواطنين.
وفيما يتعلق بمواسم ظهور الثعابين، أوضح «الجعفري»، أن نشاطها يرتبط بدرجات الحرارة، إذ تميل إلى الخمول والاختباء داخل الجحور خلال فترات انخفاض درجات الحرارة، خاصة عندما تقل الحرارة نهارًا عن نحو 23 درجة مئوية.
وأضاف أن ارتفاع درجات الحرارة فوق هذا المعدل يساعد الثعابين على الخروج من جحورها واستعادة نشاطها، لافتًا إلى أن زيادة الحرارة ترفع معدلات حركتها وظهورها في المناطق المحيطة بأماكن انتشارها.
وتوقع «الجعفري»، أن يؤدي استمرار أزمة الكلاب في مصر وارتفاع أعدادها دون السيطرة عليها إلى زيادة أعداد الثعابين خلال فصول الصيف في السنوات المقبلة.
أرقام متصاعدة لإصابات لدغات الثعابين
وتشير الأرقام الواردة في بيانات بلاغات طوارئ السموم وسجلات مديريات الشؤون الصحية بالمحافظات خلال الفترة من 2024 إلى 2026 إلى ارتفاع أعداد الإصابات بلدغات الثعابين، إذ سجلت نحو 1300 إصابة و20 حالة وفاة في عام 2024، ارتفعت إلى نحو 1600 إصابة و28 حالة وفاة في عام 2025، ثم تجاوزت 1900 إصابة وأكثر من 35 حالة وفاة خلال عام 2026.
وتكشف هذه الأرقام عن زيادة ملحوظة في الإصابات المسجلة، بالتزامن مع تكرار وقائع ظهور الثعابين في عدد من المناطق.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، استقبلت مستشفيات محافظة الشرقية، خلال صيف 2026، أكثر من 60 حالة إصابة مؤكدة بلدغات الثعابين في موسم واحد، فيما شهدت محافظات الصعيد والوادي الجديد موجات متفرقة سجلت ما بين 9 و15 إصابة خلال أيام قليلة، بين المزارعين والأطفال، وارتبط بعضها بأنواع شديدة السمية، مثل الكوبرا المصرية والحية المقرنة «الطريشة».
عميد الطب البيطري بجامعة الزقازيق السابق يكشف دور الخلل البيئي
من جانبه، قال الدكتور علاء المرشدي، عميد كلية الطب البيطري بجامعة الزقازيق السابق، إن التغيرات المناخية وارتفاع معدلات الرطوبة من العوامل التي تسهم في ظهور بعض الزواحف والحيوانات البرية في مناطق وأوقات غير معتادة، نتيجة الاضطرابات التي تطرأ على الظروف البيئية التي اعتادت هذه الكائنات العيش فيها.
وأوضح «المرشدي»، أن التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة بين ساعات النهار والليل، إلى جانب اختلاف معدلات سقوط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، تؤثر في حركة الزواحف والحيوانات البرية، وقد تدفع بعضها إلى تغيير أماكن وجودها والبحث عن بيئات أكثر ملاءمة لظروف معيشتها.
وأضاف أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى ظهور بعض الحيوانات، مثل الثعالب والزواحف، بالقرب من التجمعات السكنية، خاصة مع تراجع مصادر الغذاء في بيئاتها الطبيعية، ما يدفعها إلى البحث عن احتياجاتها الغذائية في مناطق جديدة والتكيف مع الوجود البشري.
وأشار «المرشدي» إلى أن التوسع العمراني وزيادة التجمعات السكانية في المناطق الصحراوية من بين العوامل الأخرى التي قد تسهم في إحداث خلل بالتوازن البيئي، وتدفع بعض الحيوانات إلى تغيير أنماط حركتها وسلوكها المعتاد.
وشدد على أن ظهور هذه الكائنات في مناطق غير مألوفة لا يرتبط بعامل واحد، وإنما ينتج عن تداخل مجموعة من المتغيرات المناخية والبيئية والغذائية، التي تؤثر مجتمعة في طبيعة الحياة البرية والتوازن بين الكائنات داخل النظام البيئي.
تفاوت جغرافي في الإصابات وخطورتها
وتشير البيانات الواردة في النص، والمنسوبة إلى مراكز السموم الجامعية وقطاع الطب الوقائي، إلى تفاوت جغرافي في معدلات الإصابة بلدغات الثعابين؛ إذ تستحوذ محافظات الدلتا والوجه البحري، مثل الشرقية والبحيرة، على نحو 60% من إجمالي الإصابات المسجلة على مستوى الجمهورية.
وفي المقابل، تسجل محافظات الظهير الصحراوي والصعيد، ومنها الوادي الجديد، نسبًا أعلى للحالات الحرجة التي تستلزم دخول العناية المركزة، إذ تتجاوز 40% من إجمالي المصابين في تلك المناطق، وفقًا للأرقام الواردة.
فاتورة العلاج.. كيف تلتهم لدغات الثعابين آلاف الجنيهات؟
ولا تقتصر خطورة لدغات الثعابين على الإصابات والوفيات، بل تمتد إلى تكلفة العلاج، إذ قد تتطلب الحالات الحرجة، وفقًا لبروتوكولات العلاج المشار إليها في المادة، جرعات مكثفة تتراوح بين 10 و20 أمبولًا من المصل للتعامل مع السموم وآثارها.
ومع تراوح سعر الأمبول بين 500 و1500 جنيه، تصل تكلفة المصل وحده إلى ما بين 5 آلاف و30 ألف جنيه للحالة الواحدة، وفقًا لعدد الأمبولات وسعرها، وقد ترتفع التكلفة الإجمالية إلى ما بين 30 ألفًا و60 ألف جنيه في بعض المستشفيات الخاصة أو الاقتصادية، مع إضافة نفقات الأدوية والعناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي عند الحاجة.
«ضحايا الظل».. إعاقات قد تتجاوز أرقام الوفيات
ولا تتوقف الخسائر عند الإصابات المباشرة، إذ قد تخلّف لدغات الثعابين آثارًا صحية طويلة الأمد، من بينها بتر الأطراف وتلف الكلى المزمن، إلى جانب مضاعفات أخرى قد تؤثر في حياة المصابين وقدرتهم على ممارسة أنشطتهم اليومية.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، وفقًا لما ورد في المادة، إلى أن أعداد الأشخاص الذين يعانون من إعاقات مستديمة جراء لدغات الثعابين تفوق أعداد الوفيات، مع تقديرات تصل إلى نحو 400 ألف حالة إعاقة سنويًا على مستوى العالم.
«تحدي الساعة الذهبية».. الوقت عامل حاسم في إنقاذ المصابين
ويزيد تأخر الوصول إلى الرعاية الطبية من خطورة لدغات الثعابين، إذ يمثل التدخل السريع والحصول على المصل المناسب عاملًا حاسمًا في التعامل مع الحالات، خاصة في الإصابات الشديدة.
وتتضاعف التحديات في القرى والمناطق النائية التي تفتقر إلى وسائل نقل سريعة أو قريبة من مراكز السموم، ما قد يؤخر وصول المصاب إلى المستشفى والحصول على العلاج اللازم.






