
مظاهرات رافضة للتطبيع وتأكيد على وحدة الأراضي الصومالية
جاءت المظاهرات التي شهدتها مدن في شمال الصومال، أمس الأربعاء، عقب افتتاح سفارة الأقليم الانفصالي “أرض الصومال” (غير المعترف بها دوليا) في القدس المحتلة، لتكشف عن حجم التعقيدات السياسية التي تحيط بمستقبل المنطقة، ولتؤكد أن قضية صوماليلاند لم تعد مجرد ملف داخلي يتعلق بعلاقة الإقليم الانفصالي بالحكومة الفيدرالية لدولة الصومال في مقديشو، بل أصبحت جزءًا من معادلة إقليمية ودولية أوسع ترتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والتنافس على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وشهدت عدة مدن خروج متظاهرين رفعوا أعلام الصومال الموحد ورددوا شعارت ترفض التطبيع، وتدعو إلى الحفاظ على وحدة الأراضي الصومالية، في مشهد عكس وجود تيار شعبي يرى أن الخطوات السياسية الأخيرة تمثل تجاوزًا للقضية الوطنية الصومالية ومحاولة لفرض واقع جديد قد يكرس الانقسام ويمنح شرعية سياسية لمشروع الانفصال الذي تسعي إليه سلطات أرض الصومال منذ أكثر من ثلاثة عقود.

من مشروع الانفصال إلى البحث عن الشرعية الدولية
ولا يمكن قراءة هذه المظاهرات بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي للصومال، فمنذ إعلان أرض الصومال انفصالها من جانب واحد عام 1991 عقب انهيار الدولة المركزية، ظلت تسعى للحصول على اعتراف دولي مستقل، إلا أن المجتمع الدولى تمسك رسميًا بوحدة الأراضي الصومالية ورفض الاعتراف بالإقليم كدولة مستقلة، ورغم نجاح سلطات الإقليم في بناء مؤسسات محلية وإدارة مستقرة نسبيًا مقارنة بمناطق أخرى من الصومال، فإن ملف الاعتراف الدولي ظل العقبة الأكبر أمام تحقيق مشروع الانفصال.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية بدأت تنظر إلى أرض الصومال من زاوية مختلفة، ليس فقط باعتبارها كيانًا سياسيًا يسعى للاعتراف، بل باعتبارها منظمة استراتيجية تمتلك موقعًا بالغ الأهمية على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.

باب المندب وخليج عدن.. الجغرافيا تصنع السياسة
ومن هنا تكتسب خطوة افتتاح سفارة لـ”أرض الصومال” في القدس المحتلة، خطورة تتجاوز البعد الدبلوماسي التقليدي، فهذه الخطوة تحمل دلالات سياسية عميقة، خاصة أنها تأتي في وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر تحولات متسارعة وصراعًا متناميًا على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي بالقرب من خطوط الملاحة العالمية.
إسرائيل والقرن الأفريقي.. حسابات النفوذ والأمن البحري
ويرى حسين أحمد، باحث في العلوم السياسية بدولة الصومال، أن إسرائيل تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي الإسرائيلي، خاصة في ظل التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر وتصاعد التوترات المرتبطة بجماعة الحوثي في اليمن، لذلك فإن أي موطيء قدم سياسي أو أمني بالقرب من باب المندب يمنح أهمية استثنائية في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية.
وقال أحمد، في تصريحات خاصة لـ”ليبرالي نيوز”، إن موقع أرض الصومال يجعلها عنصرًا مهمًا في معادلة النفوذ الإقليمي، إذ تطل مباشرة على خليج عدن وتمتلك سواحل طويلة يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مراكز لوجستية وتجارية وعسكرية ذات تأثير كبير على حركة التجارة الدولية، ولهذا فإن الاهتمام الدولي بالإقليم لا يرتبط فقط بمسألة الاعتراف السياسي، بل أيضًا بالموقع الجغرافي الذي أصبح محل تنافس متزايد.
مقديشو في مواجهة التحركات الجديدة
وفي المقابل، تنظر الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى هذه التحركات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة وسيادتها، فمقديشو تدرك أن أي اعتراف أو انفتاح دبلوماسي واسع على أرض الصومال، قد يؤدي إلي إضعاف موقفها التفاوضي ويشجع أطرافًا أخرى على المطالبة بمسارات مشابهة، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من التحديات المرتبطة بوحدة البلاد.
اما على المستوي الشعبي، فقد حملت المظاهرات رسالة واضحة مفادها أن جزءًا مهمًا من المجتمع الصومالي لا يزال يعتبر وحدة الأراضي الصومالية قضية مركزية لا يمكن التنازل عنها، ورفع الأعلام الوطنية خلال الاحتجاجات لم يكن مجرد تعبير رمزي، بل تأكيد على أن الهوية الوطنية ما زالت تمثل عنصرًا فاعلًا في تشكيل المواقف السياسية لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
وتزداد أهمية هذه الرسائل الشعبية في ظل التحولات الجارية في القرن الأفريقي، خاصة مع استمرار التنافس على الموانئ والممرات البحرية، كما أن التطورات السياسية في دول الجوار، وعلى رأسها إثيوبيا تضيف مزيدًا من التعقيد إلى المشهد، فإثيوبيا التي تسعى منذ سنوات إلى توسيع خياراتها البحرية وتقليل اعتمادها على موانئ الدول المجاورة، تتابع عن كثب ما يجري في أرض الصومال، الأمر الذي يجعل الإقليم جزءًا من شبكة واسعة من المصالح المتداخلة.
الشارع الصومالي يرفع صوته
وفي ضوء ذلك، تبدو المظاهرات الأخيرة أكثر من مجرد رفض لخطوة دبلوماسية محددة، بل تعبيرًا عن مخاوف أعمق تتعلق بمستقبل الدولة الصومالية وموقعها في معادلات القوة الجديدة التي تتشكل في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، فالمحتجون لا يرون القضية من زاوية العلاقات الخارجية فقط، وإنما من زاوية تأثير هذه التحركات على وحدة البلاد والتوازنات الداخلية ومستقبل الأجيال القادمة.
وفي النهاية، تكشف الأحداث الأخيرة أن ملف أرض الصومال دخل مرحلة جديدة تتجاوز النقاش التقليدي حول الاعتراف أو عدم الاعتراف.
صراع النفوذ في القرن الأفريقي.. إلى أين ؟
فالمسألة أصبحت مرتبطة بصراع النفوذ في البحر الأحمر، وبالتنافس على الموانئ والممرات البحرية، وبمحاولات القوى الإقليمية والدولية إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي، وبين هذه الحسابات الكبرى، يظل صوت الشارع الصومالي حاضرًا بقوة، مؤكدًا أن قضية الوحدة الوطنية لا تزال عنصرًا أساسيًا في المشهد السياسي، وأن أي ترتيبات مستقبلية ستظل تواجه اختبار القبول الشعبي قبل أي اعتراف أو دعم خارجي.







