خبراء اقتصاد: التيسيرات والحوافز مفتاح دمج اقتصاد الظل

النائب أشرف عبد الغني: مد قانون إنهاء المنازعات يخفف الأعباء عن الممولي ويجب خلق دور للمحاسب الضريبي في المنظومة الجديدة
خالد الشافعي: الحوافز والشمول المالي أساس نجاح دمج اقتصاد الظل
عبدالمنعم السيد: الاقتصاد غير الرسمي كتلة اقتصادية مؤثرة خارج المنظومة الرسمية
في الوقت الذي تسابق فيه الحكومة الزمن لتوفير الموارد اللازمة وتحقيق مستهدفات الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، يظل “اقتصاد الظل” أو الاقتصاد غير الرسمي أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد، فلم يعد هذا القطاع مجرد نشاط هامشي يمكن التغاضي عنه، بل تحول إلى اقتصاد موازٍ يتمتع بمرونة كبيرة وقدرة على التوسع بعيدًا عن مظلة الرقابة والضرائب، بما يحرم خزانة الدولة من مئات المليارات من الجنيهات سنويًا، ويضع جهود دمجه ضمن أولويات الإصلاح الاقتصادي.
وبين قصص واقعية لصناع وتجار يهربون من “فوبيا الاقتصاد الرسمي”، ورؤى لخبراء تكشف عن فجوة في الثقة بين المواطنين ومصلحة الضرائب، يظل السؤال مطروحًا: كيف تنجح الحكومة في استقطاب المتخوفين من الضرائب ودمجهم تحت مظلة الاقتصاد الرسمي؟.
هذا التخوف عبر عنه “الأسطى عمرو”، المتخصص في صيانة عفشة السيارات، حيثيرى أن الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي واستخراج سجل تجاري وبطاقة ضريبية سيحمله أعباءً مالية إضافية، قد تنعكس على أسعار خدماته وتدفعه إلى فقدان جزء من زبائنه، ما يجعله مترددًا في اتخاذ تلك الخطوة.

الاقتصاد غير الرسمي يضم 50% من قوة العمل البالغة 29.3 مليون فرد
وأوضح “عمرو” لـ”ليبرالي”، أن ترخيص الورشة، يفرض عليه نقل نشاطه إلى منطقة صناعية بعيدة عن قاعدة عملائه الحالية، قائلًا:” أنا شغلي قائم على قرب المكان من الزبون، ولو انتقلت لمكان بعيد هفقد جزء كبير من العملاء، ده غير تكلفة الإيجارات والمصاريف”.
وأضاف “عمرو” أن عمله يعتمد بدرجة كبيرة على الاتفاق المباشر مع العميل وتحديد تكلفة الإصلاح حسب حالة السيارة، معتبرًا أن متطلبات الفواتير والإقرارات الضريبية والاستعانة بمحاسب تمثل عبئًا إداريًا وماليًا لا يتناسب مع حجم دخله اليومي.
وفي ورقة بحثية لمركز المعلومات واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، أوضحت أن الاقتصاد غير الرسمي، يضم قرابة الـ 50% من قوة العمل البالغة نحو 29.3 مليون فرد، كما يبلغ عدد وحداته الصغيرة والمتوسطة أكثر من 4 أمثال عددها في الاقتصاد الرسمي.

شروط الاقتصاد الرسمي لا تتوافق مع التجارة الإلكترونية
وعلى صعيد التجارة الالكترونية، قال أحمد حامد، شاب يبلغ من العمر 24 عامًا، خريج كلية التجارة جامعة عين شمس، ويعمل في التجارة الإلكترونية، لمحدودية الأعمال المتاحة في مجال دراسته، إن جزءًا من العاملين في هذا القطاع لديهم تخوفات من الانضمام إلى المنظومة الرسمية بسبب طبيعة النشاط واختلافه عن التجارة التقليدية.
وأضاف “أحمد” في حديثه لـ”ليبرالي”، أنه بدأ مشروعه برأس مال محدود، معتمدًا على شراء منتجات بكميات صغيرة وتسويقها عبر الإنترنت، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات يذهب إلى الإعلانات الرقمية وتكاليف الشحن والمرتجعات.
وأضاف أن:” أرقام المبيعات وحدها لا تعبر عن المكسب الحقيقي، لأن هناك مصروفات تشغيل كتير بتتخصم قبل ما يطلع صافي الربح”، منوهًا إلى أن بعض متطلبات التسجيل الرسمي، مثل وجود مقر أو مستندات مرتبطة بالنشاط التجاري التقليدي، لا تتوافق مع طبيعة التجارة الإلكترونية التي تُدار أحيانًا من المنزل أو بشكل مرن.

8 مليارات جنيه.. حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر
ومن زاوية أخرى، يؤكد المتخصصون أن مخاوف العاملين بالاقتصاد غير الرسمي ليست وليدة اللحظة، بل تعكس تحديات متراكمة تواجه جهود دمج هذا القطاع في المنظومة الرسمية، وفي هذا السياق، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد غير الرسمي في مصر لا يزال يمثل كتلة اقتصادية ضخمة تتراوح بين 40 و45% من حجم الاقتصاد، موضحًا أن التقديرات أشارت إلى أن قيمته كانت تدور حول 4 تريليونات جنيه، قبل نحو أربع سنوات، لكنها ارتفعت حاليًا لتتراوح بين 7 و8 تريليونات جنيه، وهو ما يعكس اتساع النشاط خارج المنظومة الرسمية.
وأضاف “الشافعي” في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن احتساب متوسط صافي ربح بنحو 20% على هذه الأنشطة، مع تطبيق ضرائب في حدود النسب الحالية، يعني إمكانية تحقيق حصيلة ضريبية تتراوح بين 300 و400 مليار جنيه سنويًا.
وفي الموازنة العامة الجديدة للعام المالي 2026/2027، تستهدف الحكومة تحصيل نحو 3.5 تريليون جنيه إيرادات ضريبية بنسبة زيادة 33%، مقارنة بنحو 2.65 تريليون جنيه مستهدفة في موازنة 2025/2026.
وأشار “الشافعي” إلى أن دمج الاقتصاد غير الرسمي لن يتحقق بالإجراءات وحدها، وإنما يرتبط بدرجة الثقة والمصداقية التي يشعر بها المواطن تجاه المنظومة الضريبية، مشيرًا إلى أن التخوف الأكبر لدى أصحاب الأنشطة غير الرسمية لا يزال مرتبطًا بمصلحة الضرائب.

تيسيرات وقوانين محفزة
وأفاد الخبير الاقتصادي، بأنه رغم ما تم تقديمه من تيسيرات وقوانين محفزة خلال السنوات الأخيرة، فإن هذه الرسائل لم تصل بالشكل الكافي إلى الفئات المستهدفة، ولم تنجح بعد في منحهم الاطمئنان الكامل للانضمام إلى الاقتصاد الرسمي، مؤكدًا أن الإجراءات الحالية تبدو ميسرة في بعض الجوانب، لكنها ما زالت معقدة في جوانب أخرى، خاصة ما يتعلق بإجراءات التراخيص والتنفيذ الفعلي على أرض الواقع.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن نجاح عملية الإدماج يتطلب الاعتراف الكامل بجميع المصروفات التي يتحملها المواطن أو صاحب النشاط، وليس فقط المصروفات المرتبطة مباشرة بالنشاط التجاري، لافتًا إلى أن تجاهل مصروفات التأسيس واستخراج التراخيص يمثل أحد العوائق أمام الانتقال للمنظومة الرسمية.
ولفت “الشافعي” إلى ضرورة تطبيق مفهوم الشمول المالي بصورة متكاملة، بما يشمل تسجيل ما للمواطن وما عليه، ويسمح بحصر النشاط الاقتصادي بصورة أكثر دقة وعدالة.

صور متعددة من النشاط غير المعلن
واستشهد “الشافعي” بوجود صور متعددة من النشاط غير المعلن داخل الاقتصاد الرسمي نفسه، قائلًا إن بعض الأنشطة لا تُظهر حجم أعمالها الحقيقي أو كامل إيراداتها، مستدلًا على ذلك بنماذج مثل بعض العيادات الخاصة التي لا تعكس إجمالي الكشوف الفعلية، أو بعض الأنشطة التجارية التي لا يتم فيها تسجيل جميع التعاملات الداخلة والخارجة بصورة كاملة.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن هذا الوضع يكشف عن فجوات مرتبطة بغياب الشفافية الكاملة وضعف الرقابة، إلى جانب عدم الاعتراف بجميع الأعباء التي يتحملها المواطن، متابعًا أنه إذا كان لدى المواطن مستندات تثبت مصروفاته فيجب الأخذ بها، مؤكدًا أن الدولة قطعت خطوات جيدة فيما يتعلق بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر من خلال برامج تمويل تصل إلى 20 مليون جنيه مع نظم ضريبية مبسطة.

حوافز لا أعباء
وأوضح “الشافعي”، أن نجاح المنظومة الضريبية يتطلب اعتمادًا أكثر مرونة للإقرارات المقدمة من المواطنين، بحيث يتم تسريع الإجراءات وعدم تعقيدها حال ثبوت صحة البيانات، وفي المقابل اتخاذ الإجراءات القانونية عند ثبوت عدم دقة الإقرار.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور عبدالمنعم السيد، الخبير الاقتصادي، ومدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد مجرد نشاط اقتصادي هامشي، بل أصبح كتلة اقتصادية مؤثرة تتحرك خارج المنظومة الرسمية وتنعكس بشكل مباشر على مؤشرات النمو والإيرادات العامة للدولة.
وأوضح “السيد” في تصريحه لـ”ليبرالي”، أن دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية لا يُعني فرض أعباء جديدة على أصحاب الأنشطة الصغيرة، وإنما خلق بيئة تشجعهم على الدخول طوعًا من خلال الحوافز والتسهيلات، مثل تبسيط الإجراءات، وتوفير التمويل منخفض التكلفة، وإتاحة الخدمات الرقمية، وتقديم نظم ضريبية أكثر مرونة للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

ضياع حقوق العاملين” العمالية والتأمينية
وتنص المادة 88 من قانون تنمية المشروعات رقم 152 لسنة 2020، وجرى تعزيزه والتوسع فيه عبر حزمة التسهيلات الضريبية الجديدة بالقانون رقم 6 لسنة 2025، بأنه لا يجوز لمصلحة الضرائب محاسبة أي منشأة أو مشروع من مشروعات الاقتصاد غير الرسمي عن السنوات السابقة لتاريخ تقدمه بطلب توفيق أوضاعه والالتزام الضريبي، ويعتبر تاريخ التسجيل هو نقطة انطلاق جديدة تماماً.
وأضاف مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن البيروقراطية لا تزال متواجدة في بعض الهيئات الحكومية وتتصدى لها الدولة، منوهًا بأن إدخال الرقمنة والشمول المالي، وإدماج الاقتصاد غير الرسمي من شأنه تحقيق العدالة الضريبية.
وشدد “السيد” على ضياع حقوق العاملين بالقطاع غير الرسمي، سواء العمالية والتأمينية، جراء عدم تطبيق قوانين العمل في هذا القطاع، وعدم وجود صرف لمستحقات العاملين عند تركهم العمل في المنشآت التابعة.

تسوية المنازعات الضريبية وديًا
وفيما يخص الشأن الضريبي، قال النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية في مجلس الشيوخ، ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، إن مجلس النواب وافق على مد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية رقم 79 لسنة 2016 حتى 31 ديسمبر 2026، ما يتيح للممولين تسوية المنازعات الضريبية وديًا خارج نطاق المحاكم ولجان الطعن في جميع أنواع الضرائب مثل ضريبة الدخل و القيمة المضافة والضريبة العقارية وضريبة الدمغة، حيث تتولى لجان فنية دراسة طلبات الممولين للوصول إلى حلول توافقية.

وأضاف “عبد الغني” أن مد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية يحقق عدة مزايا منها: التجاوز عن مقابل التأخير حيث يمكن للممول الاستفادة من خصومات ونسب خصم تصل إلى 30% على مقابل التأخير و الضريبة الإضافية عند التوصل إلى اتفاق، وتوفير الوقت والجهد للمصلحة والممولين، حيث أن لجان الطعن والمحاكم تستغرق فترات طويلة في حين أنه من المفترض أن تنهي اللجان المتخصصة الملفات العالقة في فترات أقصر.
وطالب “عبدالغني” بدور أكبر للمحاسب القانوني الضريبي المتخصص في المنظومة الجديدة باعتبار أن المحاسب الضريبي هو همزة الوصل بين الإدارة الضريبية و الممولين، مقترحًا اعتماد توقيع المحاسب القانوني الضريبي المتخصص على الإقرار الضريبي باعتباره من الإقرارات محدودة المخاطر، وذلك يساهم في التخلص من مشكلة تراكم الإقرارات التي تحتاج إلى فحص، فضلاً عن أنه يساعد في سرعة سداد الضرائب دون تأخير وفقا للإقرار الذي اعتمده المحاسب القانوني الضريبي المتخصص.







