
عاد الجدل حول مستقبل مجلس الشيوخ وصلاحياته إلى الواجهة مجددًا، مع تصاعد الدعوات البرلمانية والسياسية لإعادة النظر في بعض الاختصاصات الدستورية واللائحية للمجلس، بما يتيح الاستفادة بصورة أكبر من الخبرات والكفاءات التي يضمها، ويعزز دوره في مناقشة التشريعات والسياسات العامة.
ورغم أن دستور 2014، المعدل في 2019، أعاد إحياء الغرفة الثانية للبرلمان تحت مسمى “مجلس الشيوخ”، فإن طبيعة اختصاصاته الاستشارية ما زالت تثير نقاشًا داخل الأوساط السياسية، بين من يرى أن المجلس يؤدي دور “بيت الخبرة” للدولة، ومن يطالب بتوسيع أدواته التشريعية والرقابية بما يحقق توازنًا أكبر بين غرفتي البرلمان.
ثروة فكرية
ترى الدكتورة مارجريت عازر، نائب رئيس معهد الدراسات بحزب الوفد، لـ”ليبرالي” أن مجلس الشيوخ يمثل قيمة تشريعية وفكرية كبيرة، باعتباره يضم نخبة من الخبرات القانونية والسياسية والاقتصادية والأكاديمية.
وقالت إن أهمية المجلس لا تُقاس بعدد القوانين التي يناقشها، وإنما بقدرته على تقديم رؤية تشريعية متعمقة ودراسة السياسات العامة قبل إقرارها، مؤكدة أن وجود هذه الخبرات يمثل رصيدًا للدولة ينبغي توظيفه بصورة أكبر في صناعة القرار.
وأضافت أن المرحلة المقبلة قد تتطلب إعادة النظر في بعض الاختصاصات، بما يسمح بزيادة الملفات التي تُحال وجوبًا إلى مجلس الشيوخ قبل إصدارها، بما يعزز جودة التشريعات ويرفع كفاءة عملية صنع السياسات.
الصلاحيات الحالية
من جانبه، أكد النائب علاء عبد النبي، عضو مجلس الشيوخ، لـ”ليبرالي”، أن المجلس يضم كفاءات كبيرة من المنتخبين والمعينين، تشمل خبرات قانونية واقتصادية ودبلوماسية وأكاديمية، إلا أن الصلاحيات الممنوحة له لا تعكس حجم هذه الإمكانات.
وأوضح أن أدوات المجلس الرقابية ما تزال محدودة، حيث تقتصر على طلبات المناقشة العامة والمقترحات برغبة، في الوقت الذي يمتلك فيه مجلس النواب حزمة واسعة من الأدوات الرقابية، مثل الاستجوابات وطلبات الإحاطة والأسئلة البرلمانية.
وأشار إلى أن عدم وجود نص يلزم الحكومة بحضور جلسات المجلس أو لجانه النوعية عند طلبها، يقلل من فاعلية المناقشات ويحد من قدرة المجلس على متابعة تنفيذ توصياته.
وأضاف أن عددًا من القوانين المهمة لم يُعرض على مجلس الشيوخ، رغم ارتباطها بقضايا استراتيجية، معتبرًا أن توسيع نطاق المشروعات المحالة إلى المجلس من شأنه تعزيز جودة العملية التشريعية.
مطالبات بتفعيل اللائحة الداخلية
ولفت “عبد النبي” إلى أن اللائحة الداخلية للمجلس تمنح اللجان النوعية حق اقتراح مشروعات قوانين، إلا أن هذا الاختصاص لم يُفعل بالشكل المأمول حتى الآن، وهو ما يستدعي مراجعة بعض الإجراءات التنظيمية بما يسمح بدور أكثر فاعلية للجان.
كما طالب بإعادة النظر في عدد اللجان النوعية، موضحًا أن 14 لجنة لا تكفي لتغطية جميع الملفات، مقارنة بـ25 لجنة داخل مجلس النواب، وهو ما يؤدي إلى تداخل اختصاصات عدد من اللجان.
وكشف عن تقدمه بمقترح سابق لزيادة عدد اللجان إلى 21 لجنة، بما يسمح بتوزيع الاختصاصات بصورة أكثر كفاءة، خاصة في ملفات الإدارة المحلية والإسكان والاستثمار والنقل.
تطوير دستوري ولكن بشروط
وفيما يتعلق بإمكانية إدخال تعديلات دستورية، أكدت الدكتورة مارجريت عازر، أن الدستور وثيقة قابلة للتطوير كلما اقتضت الحاجة العملية ذلك، شريطة أن يكون أي تعديل نابعًا من متطلبات واقعية، وليس لمجرد الرغبة في التغيير.وأوضحت أن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز كفاءة المؤسسات الدستورية وتحقيق التوازن بين السلطات، إلى جانب استكمال منظومة الإدارة المحلية عبر الإسراع بإصدار قانون الإدارة المحلية وإجراء انتخابات المجالس المحلية، باعتبارها أحد أهم مسارات إعداد الكوادر السياسية.
كما دعت إلى وضع آليات تضمن تفاعل الحكومة مع توصيات مجلس الشيوخ، بما يمنح مخرجاته أثرًا عمليًا في صناعة القرار.
بين الواقع والطموح
ويجمع المتحدثان على أن مجلس الشيوخ يمتلك رصيدًا كبيرًا من الخبرات يمكن أن يمثل إضافة حقيقية للحياة التشريعية والسياسية، إذا ما أُتيحت له مساحة أوسع للمشاركة في مناقشة القوانين والسياسات العامة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الدعوات لتطوير أدوات المجلس، يبقى مستقبل صلاحياته مرتبطًا بأي مراجعات دستورية أو تشريعية مقبلة، توازن بين طبيعة النظام البرلماني المصري، والاستفادة القصوى من الغرفة التشريعية الثانية، بما يعزز جودة التشريع ويرفع كفاءة صنع القرار.







