سياسة

في ذكرى وفاته الـ99 سعد زغلول.. من زعامة الحركة الوطنية إلى تأسيس حزب الأغلبية

في ذكرى رحيل سعد زغلول، نستعيد سيرة أحد أبرز رموز الحركة الوطنية المصرية، وقائد ثورة 1919، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن استقلال الإرادة الوطنية ومقاومة الاحتلال، وبناء حضور سياسي وجماهيري جعل من الوفد تعبيرًا عن قطاعات واسعة من المصريين.

لم يكن سعد زغلول مجرد زعيم حزبي في تاريخ مصر الحديث، بل كان أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في نقل الحركة الوطنية المصرية من نطاق النخبة السياسية إلى حركة جماهيرية واسعة، ارتبط اسمه بثورة 1919، وتبلورت حول قيادته تجربة «الوفد» التي تحولت لاحقًا إلى أحد أهم الأحزاب في الحياة السياسية المصرية قبل ثورة يوليو 1952.

بدأت اللحظة الفارقة في مسيرة سعد زغلول مع نهاية الحرب العالمية الأولى، حين تحرك مع عدد من الشخصيات الوطنية للمطالبة بتمثيل مصر أمام بريطانيا ومؤتمر الصلح، وسعى الوفد المصري إلى الحصول على تفويض شعبي للتحدث باسم المصريين والدفاع عن استقلال البلاد.

اعتقلت سلطات الاحتلال سعد زغلول ونفته إلى جزيرة مالطة في مارس 1919، وهو القرار الذي تحول إلى شرارة أشعلت ثورة 1919.

لم تكن أهمية الثورة في اتساع رقعتها الجغرافية فقط، وإنما في طبيعة المشاركة الشعبية فيها، إذ امتدت الاحتجاجات إلى الطلاب والعمال والفلاحين والموظفين، وأصبحت قضية الاستقلال مرتبطة بحركة جماهيرية غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، ومع تصاعد الأحداث اضطرت بريطانيا إلى التراجع عن بعض إجراءاتها، وسمحت للوفد برئاسة سعد زغلول بالتحرك والسفر لعرض القضية المصرية دوليًا.

ومع تطور الحركة الوطنية، تحول الوفد من «وفد مصري» يمثل قضية الاستقلال إلى حزب سياسي ذي قاعدة شعبية واسعة، ثم أصبح حزب الوفد أحد أهم أطراف الحياة النيابية المصرية بعد دستور 1923.

وجاءت الانتخابات البرلمانية التالية للدستور لتمنح الوفد أغلبية كاسحة، ووفق المصادر التاريخية الرسمية، بلغت نسبة الفوز التي حققها الوفد نحو 90%، الأمر الذي مهد لتشكيل سعد زغلول أول وزارة شعبية دستورية في يناير 1924.

وفي الحكم، لم يتوقف الصراع عند العلاقة مع الاحتلال البريطاني، بل امتد إلى العلاقة مع القصر الملكي، وهي واحدة من أبرز سمات المرحلة السياسية التي قادها سعد، فقد حاولت حكومته الدفع باتجاه مزيد من «مصرية» الإدارة، وتوسيع الاهتمام بالتعليم، ودعم صغار المزارعين، والحد من النفوذ الأجنبي في الاقتصاد، إلى جانب التمسك بقضية وحدة وادي النيل.

لكن التجربة الحكومية لم تستمر طويلًا، فبعد اغتيال السير لي ستاك، السردار البريطاني، وجهت بريطانيا إنذارًا شديدًا إلى الحكومة المصرية تضمن مطالب اعتبرها سعد زغلول مساسًا بالسيادة المصرية، من بينها سحب الجيش المصري من السودان، ورفض سعد تنفيذ المطالب بالشكل الذي أرادته بريطانيا، وانتهى الأمر باستقالة حكومته في نوفمبر 1924.

عاد سعد زغلول إلى رئاسة الحكومة عام 1926، واستمر حضوره السياسي حتى وفاته في 23 أغسطس 1927. ولم تكن وفاته نهاية فورية لتجربة الوفد، بل كانت بداية انتقال القيادة إلى مصطفى النحاس، الذي أصبح لاحقًا زعيم الحزب وأحد أبرز رؤساء الحكومات في تاريخ مصر الحديث.

وتكمن أهمية سعد زغلول السياسية في أنه لم يؤسس حزبًا بالمعنى التنظيمي فقط، وإنما ساعد في تأسيس نموذج جديد للعلاقة بين السياسة والجماهير. فالوفد في عهده لم يكن مجرد حزب ينافس على مقاعد البرلمان، بل كان امتدادًا لحركة وطنية نشأت حول مطلب الاستقلال والتمثيل الشعبي.

ومن هنا، بقي إرث سعد زغلول حاضرًا في الذاكرة السياسية المصرية باعتباره أحد الآباء المؤسسين للحياة الحزبية الحديثة، وصاحب تجربة جعلت «الوفد» عنوانًا سياسيًا للحركة الوطنية المصرية في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى