نزيف «طبلية الغلابة».. كيف أكل الغلاء مائدة المصريين خلال 10 سنوات؟

في الزاوية المعتمة من سوق «عين شمس» في القاهرة، تقف «أم صلاح» (58 عامًا)، وهي لا تملك إلا أن تمسح بيدها الدموع التي تحجّرت في عينيها، بين يديها كيس بلاستيكي شفاف يحوي بضع حبات من الطماطم وحبتين من الباذنجان، تقف لدقائق طويلة أمام بائع الخضراوات، تخوض معه معركة صامتة، الخاسر الوحيد فيها كرامتها.
«والله العظيم ما معايا غير 15 جنيه، هعشي العيال إزاي النهاردة؟».. تهمس بها بصوت خفيض، خجلًا من المارة، لم تكن تطلب لحمًا ولا أسماكًا، بل كانت تقاوم من أجل سد رمق أطفالها بأبسط ما عرفته المائدة المصرية طوال تاريخها: «طبق مسقعة».
وأمام رفض البائع خفض السعر، اضطرت «أم صلاح» إلى إعادة نصف الطماطم، وقفت تفرز الحبات بجسد يرتعش، لتخرج بـ«نصف كيلو» لا يكفي لإطعام طفلين.
هذا المشهد الإنساني القاسي ليس حالة فردية، بل هو تجسيد حي لواقع مرير يعيشه ملايين المصريين.
لم يعد السؤال في البيوت المصرية اليوم: «ماذا سنأكل؟»، بل أصبح: «كيف سنبقى على قيد الحياة بما تبقى في جيوبنا؟».
نزيف «طبلية الغلابة»
تجولت «ليبرالي» في عدد من الأسواق الشعبية لرصد التحول في سلوك المستهلكين وأنماط الشراء التي فرضها الغلاء.
محمد، بائع بقوليات وحبوب، يوضح: «أنا شغال في السوق ده من 30 سنة.. عمري ما شفت الزبون بيطلب بـ10 جنيه فول عشان يدمس، الناس كانت بتشتري بالكيلو والاتنين، النهارده الزبون بييجي يطلب بالوزن الصغير جدًا، أو يقولي: “اوزن لي على قد الفلوس دي”، الفول والعدس اللي كانوا أكل الغلابة بقى يتقال عليهم غاليين، أنا نفسي كمحل هامش الربح بتاعي قل؛ لأن حركة البيع انكمشت، والناس بقت تقارن بين قرش والتاني».
أبو خالد، بائع أسماك، يقول: «البلطي اللي كان بديل اللحمة للفقير، وبيدخل كل بيت كل أسبوع، بقى حلم، لما السعر يقرب من 100 جنيه للكيلو، الأسرة اللي فيها 5 أفراد محتاجة نص مرتبها عشان تأكل سمك مرتين في الشهر، الزبون بقى ييجي يطلب السمك الصغير أوي، أو يقولي: «هات لي 2 كيلو بس، قطّعهم حتت صغيرة عشان تفرط في الطبق».
رشا أحمد، ربة منزل وأم لثلاثة بنات، تقول: «المكرونة والأرز دول كانوا أساس كل أكلة، لو مفيش طبيخ، بنعمل شوية مكرونة وشوية سلطة واليوم بيعدي، النهاردة كيلو المكرونة بـ29 جنيه، والطماطم بـ24 جنيه.. يعني أكلة مكرونة حاف من غير أي بروتين تكلف الأسرة أكتر من 70 أو 80 جنيه بالزيت والبصل، إحنا شلنا اللحمة والفراخ من حساباتنا، ودلوقتي بنحارب عشان نحافظ على الأرز والمكرونة».
ولأن الأزمة ليست مجرد انطباعات فردية، تتحدث الأرقام الرسمية بصرامة لتكشف حجم التآكل في القوة الشرائية لمائدة البسطاء.
عند مقارنة النشرة الرسمية لـ«متوسط أسعار المستهلك لأهم السلع الغذائية في حضر الجمهورية» الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) بين يونيو 2016 ويونيو 2026، نكتشف أن المائدة الشعبية شهدت قفزات غير مسبوقة، تجاوزت في بعض السلع نسبة 500%.
انفجار في أصل المائدة (أكثر من 500%)
سجلت الطماطم أعلى نسبة ارتفاع بين جميع السلع محل المقارنة، بنسبة قفزت إلى 526.7%، ليتحول سعر الكيلو من 3.90 جنيه إلى 24.44 جنيه، وتلتها المكرونة السائبة بزيادة بلغت 501.4%، حيث أصبح سعر الكيلو يزيد على 6 أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمان.
وهذا يعني أن الطبق الأكثر شعبية وانتشارًا، «المكرونة بالصلصة»، تضاعفت تكلفته الأساسية بأكثر من 5 أضعاف.
تآكل البروتين والوجبة الشعبية
الأرز البلدي السائب، العمود الفقري لغذاء الأسرة المصرية، قفز بنسبة 336.5% ليتجاوز 29.68 جنيه للكيلو.
أما سمك البلطي، وهو المصدر الرئيسي، والوحيد تقريبًا، للبروتين الحيواني بالنسبة إلى الطبقات محدودة الدخل، فقد ارتفع بنسبة 312.2%، ليقفز سعر الكيلو من 23.75 جنيه إلى 97.89 جنيه، مقتربًا من حاجز الـ100 جنيه، وهو ما جرّد البلطي من صفة «البروتين الشعبي الرخيص».
حرمان من «طبق الغلابة»
حتى الخيارات الأساسية للإفطار والعشاء أصبحت تمثل عبئًا ثقيلًا، إذ ارتفع الفول البلدي الجاف للتدميس بنسبة 284.1% ليصل إلى 57.42 جنيه للكيلو، بينما سجل الباذنجان الرومي زيادة بنسبة 298.7%.
أما العدس، ورغم تسجيله أدنى نسبة زيادة في القائمة (176.9%)، فإن سعره وصل إلى 51.34 جنيه للكيلو، مما جعل «شوربة العدس» أكلة مكلفة تُحسب لها الميزانيات بدقة.
لم تكن هذه الارتفاعات الحادة مجرد تحركات عشوائية في الأسواق، بل هي نتيجة لسياسات اقتصادية وعوامل هيكلية تؤثر في حركة الإنتاج والأسعار.
وفي تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أوضح الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد، الخلل الهيكلي الذي أدى إلى هذه القفزات السعرية، قائلًا: «إن القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار السلع الأساسية وموائد المواطنين خلال السنوات الأخيرة ترجع بشكل رئيسي إلى تدهور سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي والاستيراد».
وأشار «العمدة» إلى مفارقة هيكلية في الاقتصاد الزراعي المصري، قائلًا: «رغم أن مصر تحقق اكتفاءً ذاتيًا في العديد من المحاصيل كالخضراوات والفواكه، فضلًا عن إنتاج كميات كبيرة من اللحوم البيضاء والبيض محليًا، فإن الاعتماد على استيراد التقاوي والأسمدة والمبيدات بالعملة الأجنبية يرفع تكلفة الإنتاج على الفلاح، وهو ما ينعكس مباشرة على السعر النهائي للمستهلك في الأسواق».
وأضاف أستاذ الاقتصاد، أن السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والقمح والزيوت لا تخص طبقة بعينها، بل تمس جميع المواطنين، لافتًا إلى أن تراجع القوة الشرائية دفع قطاعًا واسعًا من المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك واستهلاك كميات أقل حتى من السلع الأساسية والبروتينات.
وتتلخص الروشتة الاقتصادية للخروج من الأزمة، وفقًا للعمدة، في: «العمل الجاد على استقرار سعر الصرف، وضبط وتخفيض تكاليف مستلزمات الإنتاج المحلي لتخفيف العبء عن كاهل المستهلك النهائي».
ومن جانبه، كشف الدكتور هاني المنشاوي، رئيس شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، عن وجود تضارب واضح في الإحصائيات الرسمية المعلنة بشأن إنتاج الأسماك في مصر، مشيرًا إلى أن الأرقام التي تتحدث عن إنتاج 2 مليون و450 ألف طن واحتلال المرتبة الرابعة عالميًا، تقابل بالتشكيك والاعتراض من قبل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو).
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«ليبرالي»، أن معدل الاستهلاك المحلي يصل إلى 24 كيلوجرامًا للفرد سنويًا، بينما تشير البيانات الرسمية إلى توافر حصة تزيد على 25 كيلوجرامًا للفرد، وهو ما يعني وجود فائض نظري يفوق الاحتياجات الفعلية، إلا أن الواقع يشهد ارتفاعات غير مسبوقة في الأسعار تضغط على «طبلية» المواطن البسيط.
وأرجع المنشاوي القفزات السعرية لسمك «البلطي» إلى جملة من العوامل المعقدة، في مقدمتها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن والأعلاف المستوردة؛ حيث قفز نولون شحن الحاويات عالميًا ليضيف نحو 3000 دولار للحاوية الواحدة، بما يعادل 150 ألف جنيه زيادة، إلى جانب صعود أسعار الخامات الأساسية كالذرة والصويا القادمة من أوكرانيا وأمريكا، وارتفاع أقساط التأمين البحري على المراكب بسبب المخاطر الإقليمية والدولية.
وتابع: «يضاف إلى ذلك زيادات التكاليف التشغيلية المباشرة داخل المزارع والمصانع، ومنها ارتفاع الحد الأدنى لمرتبات العمالة من 2000 جنيه إلى 7000 جنيه، وصعود أسعار الكهرباء والسولار المستخدم في تشغيل مواتير ضخ الأكسجين للأسماك».
وفيما يتعلق بأزمات الإنتاج والتوزيع، حذر رئيس شعبة الأسماك من تداعيات الصيد الجائر للزريعة وبيعها خلال شهور المنع لتحقيق أرباح سريعة، مما دفع الأسماك إلى الابتعاد مسافة 5 أميال داخل البحر للهرب، وهو ما أدى إلى قلة الأسماك ذات الأحجام الكبيرة (400 إلى 500 جرام)، وسيادة الأسماك صغيرة الحجم (200 إلى 300 جرام) في الأسواق.
واختتم بالتأكيد على أن جشع السماسرة وتعدد الحلقات الوسيطة يضاعف سعر السلعة من 10 جنيهات في المزرعة إلى 50 جنيهًا لدى الوسيط، لتصل إلى المستهلك بـ100 جنيه للكيلو، في حين يتراوح سعر الجملة والمنافذ الرسمية بين 70 و75 جنيهًا، منتقدًا تركز الرقابة التموينية على المصانع والمناطق الصناعية وغيابها عن تجار التجزئة والحلقات الوسيطة.
إن الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لا تعبر فقط عن حركة أسعار، بل ترسم خريطة للتحول الاجتماعي والمعيشي في مصر خلال عقد كامل (2016 – 2026).
عندما ترتفع المكونات الأساسية لمائدة الفقراء بمعدلات تتراوح بين 170% وأكثر من 500%، فإن المساحة المتاحة للمناورة أمام الأسرة المصرية تكون قد تلاشت تمامًا، لقد انتقل الشارع المصري من مرحلة «التخلي عن الرفاهيات»، إلى مرحلة «ضغط الضروريات»، وصولًا إلى مرحلة تقليص كميات الطعام اليومية.
إن حماية مائدة البسطاء لم تعد مجرد مطلب اجتماعي أو شعار اقتصادي، بل أصبحت ضرورة سياسية وأمنية ملحة، تتطلب إعادة النظر في سلاسل الإمداد، ودعم مستلزمات الزراعة والإنتاج المحلي، والسيطرة الحقيقية على التضخم وسعر الصرف، حتى لا تظل «طبلية الغلابة» هي الحائط المائل الذي تحطمت عليه أمواج الغلاء.






